الأشجار ليست زينة.. لماذا يجب أن تعيد المدن التفكير في دورها؟
خسارة الأشجار المعمرة تهدد مستقبل المدن لعقود قادمة
لم تعد الأشجار في المدن مجرد عنصر جمالي، بل أصبحت تلعب دورًا حيويًا في تحسين جودة الحياة الحضرية، من خلال توفير الظل، وخفض درجات الحرارة، وامتصاص مياه الأمطار، وتنقية الهواء.
وتؤكد دراسة حديثة شارك فيها أكثر من 60 عالمًا من مختلف دول العالم أن معظم المدن لا تزال تتعامل مع الأشجار باعتبارها عنصرًا ثانويًا، وليس جزءًا أساسيًا من البنية التحتية.
الأشجار تحتاج إلى عقود لتنمو
زراعة شجرة صغيرة قد تستغرق دقائق، لكن تكوين غطاء شجري فعّال قادر على تبريد الأحياء يستغرق عقودًا، لذلك، فإن إزالة الأشجار المعمرة لا تعني فقدان شجرة فقط، بل خسارة عقود من الظل وتخزين الكربون ودعم التنوع البيولوجي، وهي خسارة لا يمكن تعويضها سريعًا.
ورغم ذلك، لا تزال الأشجار تُزال بسهولة بسبب اعتبارات اقتصادية، وضعف القوانين الرادعة، وغياب التمويل الكافي لصيانتها على المدى الطويل.

فجوة بيئية بين الأحياء
تكشف الدراسة عن تفاوت واضح في توزيع الأشجار داخل المدن، حيث تحظى الأحياء الأكثر ثراءً بغطاء شجري أكبر، بينما تعاني المناطق منخفضة الدخل من نقص الظل وارتفاع درجات الحرارة وتدهور جودة الهواء.
وهذا يعني أن الفئات الأكثر احتياجًا للأشجار هي الأقل استفادة منها.
التخضير دون إقصاء السكان
يشدد الباحثون على أهمية وضع خطط تشجير تراعي احتياجات كل حي على حدة، مع إشراك السكان المحليين في اتخاذ القرار.
كما يحذرون من ظاهرة “الإحلال البيئي”، حيث يؤدي تحسين البيئة وزيادة المساحات الخضراء إلى ارتفاع الإيجارات وإقصاء السكان الأصليين.
ويرون أن الحل يكمن في دمج سياسات التشجير مع سياسات الإسكان لضمان تحقيق العدالة الاجتماعية.
غياب الأشجار عن سياسات المناخ
رغم الدور الكبير الذي تلعبه الأشجار في مواجهة تغير المناخ، فإنها لا تحظى بالاهتمام الكافي في السياسات الدولية وخطط المناخ الوطنية.
وتدعو الدراسة إلى إدماج الغابات الحضرية بشكل واضح في الاستراتيجيات المناخية وخطط التنوع البيولوجي.

تحديات التمويل والإدارة
تشير التقديرات إلى أن تكلفة الحلول القائمة على الطبيعة، بما فيها الأشجار الحضرية، تتجاوز 500 مليار دولار سنويًا، ومع ذلك، يتركز التمويل غالبًا على زراعة الأشجار فقط، دون توفير الموارد اللازمة لصيانتها، ما يهدد بقاءها على المدى الطويل.
كما تعاني العديد من المدن من نقص البيانات الدقيقة حول أعداد الأشجار وأنواعها ومعدلات بقائها، ما يضعف فعالية التخطيط.
تنوع الأشجار ضرورة ملحّة
تحذر الدراسة من الاعتماد على أنواع محدودة من الأشجار، إذ قد يؤدي انتشار الآفات أو الأمراض إلى فقدان الغطاء الشجري بالكامل.
وتوصي بزيادة التنوع النباتي، مع مراعاة الظروف المناخية المحلية، واستخدام أنواع ملائمة للمستقبل الأكثر حرارة وجفافًا.

قضية عاجلة لمستقبل المدن
تؤكد الدراسة أن الأشجار ليست رفاهية يمكن تأجيلها، بل عنصر أساسي في الصحة العامة، ومواجهة التغير المناخي، وتحقيق العدالة البيئية.
ومع تسارع التوسع الحضري واشتداد موجات الحر، فإن القرارات الحالية بشأن حماية الأشجار وزراعتها ستحدد مدى قابلية المدن للعيش في العقود المقبلة.





