المدن الكبرى تقترب من نقطة تحول تبطئ نموها العقود المقبلة.. أكبر مدن العالم تفقد زخمها
هل انتهى عصر التوسع السريع للمدن العملاقة؟ بحث جديد يجيب
كشفت دراسة دولية جديدة أن أكبر مدن العالم تقترب من نقطة تحول مهمة قد تغير مسار التحضر العالمي خلال العقود المقبلة، حيث تشير النتائج إلى أن المدن العملاقة لن تواصل النمو بالوتيرة المتسارعة نفسها إلى الأبد، بل ستبدأ تدريجيًا في فقدان جزء من ميزتها التقليدية لصالح المدن الأصغر.
وتتحدى هذه النتائج الافتراض السائد منذ عقود بأن المدن الكبرى ستظل تجذب السكان بوتيرة متزايدة مع استمرار التوسع الحضري، مؤكدة أن أنظمة المدن تمر بمراحل تطور يمكن التنبؤ بها، وأن النمو السكاني يتوزع بمرور الوقت على نطاق أوسع بين المدن المختلفة.
المدن الكبرى تفقد جزءًا من تفوقها

أجرى الدراسة باحثون من مركز علوم التعقيد (Complexity Science Hub)، والمعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ (ETH Zurich)، وجامعة التحولات متعددة التخصصات في النمسا.
واعتمد الفريق على تحليل عقود من بيانات النمو الحضري لفهم الكيفية التي ستتوزع بها التجمعات السكانية مستقبلًا.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences العلمية.
وقال أندريا موسو، الباحث في مركز علوم التعقيد وطالب الدكتوراه في ETH Zurich في عام 1975 كان نحو 11% من سكان العالم يعيشون في مدن يزيد عدد سكانها على مليون نسمة، أما اليوم فتبلغ هذه النسبة نحو 24%.
ورغم أن التقديرات تشير إلى انتقال نحو مليار شخص إضافي إلى المدن خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة، فإن الدراسة توضح أن هذا النمو لن يتركز بالكامل في المدن العملاقة كما كان يُعتقد سابقًا.
توقعات مختلفة حتى نهاية القرن
تشير الدراسة إلى أن نحو 38% من سكان العالم سيعيشون بحلول عام 2100 في مدن يزيد عدد سكانها على مليون نسمة.
ورغم أن هذه النسبة تمثل استمرارًا لعملية التحضر العالمية، فإنها تبقى أقل بكثير من تقديرات سابقة اعتمدت على تمديد الاتجاهات الحالية دون مراعاة التغيرات البنيوية في أنظمة المدن.
وأوضح موسو أن النموذج الجديد يتوقع وجود نحو 450 مليون شخص أقل في المدن المليونية بحلول نهاية القرن مقارنة بالتوقعات التقليدية، وهو فارق يتجاوز عدد سكان الولايات المتحدة الحالي.
دورة حياة للمدن
توصل الباحثون إلى أن المدن الكبرى تمر بما يشبه “دورة حياة حضرية”، ففي المراحل الأولى من التنمية الاقتصادية، تنمو المدن الكبرى بسرعة كبيرة لأنها توفر أعلى تركيز للوظائف وفرص التعليم والخدمات الصحية والأنشطة الاقتصادية.
لكن مع استمرار التنمية وتحسن البنية التحتية وتوسع الخدمات في مناطق أخرى، تبدأ المدن الأصغر والمتوسطة في جذب السكان والاستثمارات، ما يقلل من الفجوة بينها وبين المراكز الحضرية الكبرى.
آسيا وأفريقيا تقودان النمو الحالي
أظهرت الدراسة أن المدن التي يزيد عدد سكانها على مليون نسمة في الدول الأقل تحضرًا، خصوصًا في آسيا وأفريقيا، سجلت خلال الفترة بين 1975 و2025 معدلات نمو تفوقت بنحو 7.3% على متوسط نمو المدن الأخرى داخل البلدان نفسها.
ويرجع ذلك إلى استمرار انتقال السكان من المناطق الريفية إلى المراكز الحضرية الكبرى بحثًا عن فرص العمل والخدمات الأساسية.
لكن الصورة تختلف في الدول ذات المستويات المرتفعة من التحضر، مثل معظم دول أوروبا والأمريكتين، حيث تنمو المدن الكبرى والصغرى بمعدلات متقاربة نسبيًا.
مزايا المدن العملاقة وتحدياتها
لطالما ارتبطت المدن الكبرى بفرص اقتصادية أكبر ومستويات أعلى من الابتكار والإنتاجية، إلا أن هذه المزايا تأتي مصحوبة بتكاليف متزايدة.
وتشير الدراسات إلى أن سكان المدن التي تضم مليون نسمة أو أكثر يقضون وقتًا أطول بكثير في الازدحام المروري مقارنة بسكان المدن الصغيرة، كما ترتفع لديهم مخاطر التعرض لبعض الأمراض المرتبطة بالكثافة السكانية.
وفي المقابل، تتميز هذه المدن بمعدلات أعلى من الابتكار والإنتاجية الاقتصادية، ما جعلها محركًا رئيسيًا للنمو الاقتصادي خلال العقود الماضية.
إلا أن الباحثين يؤكدون أن هذا التأثير الإيجابي يبدأ في التراجع تدريجيًا مع وصول الدول إلى مستويات مرتفعة من التحضر.
إعادة تعريف مفهوم المدينة
أحد التحديات الرئيسية التي واجهت الباحثين تمثل في تعريف حدود المدن بدقة.
فغالبًا لا تعكس الحدود الإدارية الرسمية الحجم الحقيقي للتجمعات الحضرية، إذ تمتد المدن الكبرى فعليًا إلى الضواحي والمناطق المجاورة المرتبطة بها اقتصاديًا وعمرانيًا.
فعلى سبيل المثال، تعد منطقة باريس الحضرية أكبر بكثير من الحدود الإدارية لمدينة باريس، كما أن نيويورك تتجاوز بكثير حدود مانهاتن أو حتى الأحياء الخمسة الرسمية.
وللتغلب على هذه المشكلة، استخدم الباحثون صور الأقمار الصناعية وسجلات التعداد السكاني لبناء قواعد بيانات جديدة ترصد التوسع العمراني الفعلي بدلًا من الاعتماد على الحدود الحكومية التقليدية.
قاعدة بيانات عالمية غير مسبوقة

شملت الدراسة قاعدة بيانات تغطي 99 دولة بين عامي 1975 و2025، وتمثل نحو 94% من سكان العالم الحاليين.
كما طور الباحثون قاعدة بيانات تاريخية خاصة بالولايات المتحدة تتبع تطور المدن بين عامي 1850 و2020 بالاعتماد على أكثر من 500 مليون سجل سكاني ونحو 40 ألف موقع تاريخي.
واعتمدت المنهجية على تقسيم العالم إلى خلايا جغرافية صغيرة تبلغ مساحة كل منها نحو كيلومتر مربع واحد، ثم تحديد ما إذا كانت كل خلية حضرية أو ريفية استنادًا إلى الكثافة السكانية وحجم المناطق المبنية.
أهمية النتائج للمستقبل
تشير الدراسة إلى أن أنماط نمو المدن حول العالم تتشابه بدرجة لافتة عندما تؤخذ مستويات التحضر في الاعتبار، ما يعني أن الدول تمر بمراحل متقاربة من التطور الحضري وإن اختلف توقيتها.
ويرى الباحثون أن فهم هذه الدورة يساعد الحكومات وصناع القرار على التخطيط بصورة أكثر دقة لمشروعات البنية التحتية والإسكان والنقل والطاقة والتكيف مع تغير المناخ.
كما يمكن أن يسهم في تحسين توقعات النمو الاقتصادي وتحديد المناطق التي ستحتاج إلى استثمارات أكبر خلال العقود المقبلة.
وتخلص الدراسة إلى أن مستقبل التحضر العالمي لن يكون قائمًا فقط على توسع المدن العملاقة، بل على توزيع أكثر توازنًا للنمو بين المدن الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، وهو تحول قد يعيد تشكيل الخريطة السكانية والاقتصادية للعالم خلال القرن الحادي والعشرين.





