تقرير أممي: الذكاء الاصطناعي يتسارع والحكومات عاجزة عن المواكبة.. تحديات على الأمن والمجتمع
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العالم.. وتحذيرات من اتساع الفجوة الرقمية
يتسارع تطور الذكاء الاصطناعي بوتيرة تفوق قدرة الحكومات على مواكبته، ما يثير تساؤلات ملحّة حول كيفية تنظيم هذه التكنولوجيا المتقدمة.
فبعد أن كان الذكاء الاصطناعي، قبل سنوات قليلة، يقتصر على الإجابة عن الأسئلة أو توليد النصوص، أصبح اليوم قادرًا على كتابة الأكواد البرمجية، وتحليل كميات هائلة من البيانات، وإنشاء صور ومقاطع فيديو واقعية، والمساهمة في اكتشاف أدوية جديدة، بل والعمل بشكل متزايد دون إشراف بشري مباشر.
ورغم هذا التقدم المتسارع، يؤكد خبراء أن القواعد المنظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي بأمان لا تواكب هذه السرعة، وهو ما خلص إليه التقرير التمهيدي الصادر عن اللجنة العلمية الدولية المستقلة المعنية بالذكاء الاصطناعي التابعة للأمم المتحدة.
ويحذر التقرير من أن الفرصة المتاحة لوضع إطار عالمي فعال لحوكمة الذكاء الاصطناعي لا تزال قائمة، لكنها قد لا تستمر طويلًا.

ويُعد الذكاء الاصطناعي من أكثر التقنيات قدرة على إحداث تحول جذري في حياة البشر، إذ يمكن أن يسهم، حال استخدامه بشكل مسؤول، في تسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتحسين الرعاية الصحية والتعليم والبحث العلمي، وتعزيز الأمن الغذائي، ودعم ذوي الإعاقة.
لكن في المقابل، قد يؤدي غياب الضوابط إلى تفاقم عدم المساواة، وانتشار المعلومات المضللة، وتهديد حقوق الإنسان، واضطراب أسواق العمل، فضلًا عن تركّز هذه التكنولوجيا في أيدي عدد محدود من الدول والشركات.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت قدرات الذكاء الاصطناعي تطورًا استثنائيًا بفضل التقدم في قدرات الحوسبة وتوافر البيانات وتحسن تقنيات التعلم الآلي، ما أتاح تطوير أنظمة قادرة على المحادثة بطلاقة، والتفكير العلمي المتقدم، وتطوير البرمجيات، وإنتاج محتوى بصري وسمعي شديد الواقعية.

وتشير التوقعات إلى ظهور جيل جديد من «وكلاء الذكاء الاصطناعي» القادرين على تنفيذ مهام معقدة والتخطيط لها باستخدام أدوات رقمية، مع قدر محدود أو معدوم من التدخل البشري.
ويبرز التقرير عددًا من النجاحات العملية، من بينها تسريع اكتشاف الأدوية، وتحسين تشخيص الأمراض مثل سرطان الثدي، واستخدام أدوات ذكية بلغات محلية لدعم الرعاية الصحية في الدول النامية، إضافة إلى تطوير أنظمة إنذار مبكر للأمن الغذائي.
في المقابل، تتزايد المخاطر المرتبطة بهذه التكنولوجيا، مثل انتشار المحتوى المسيء والتزييف العميق، وتعزيز حملات التضليل، وارتفاع معدلات الجرائم الإلكترونية، فضلًا عن تأثيرات محتملة على الصحة النفسية.
كما يحذر الخبراء من صعوبة السيطرة على الأنظمة المتقدمة مع تزايد استقلاليتها، إلى جانب التأثير البيئي لمراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة، والتي تسهم في زيادة انبعاثات الغازات الدفيئة.

وتتسم ثورة الذكاء الاصطناعي بعدم التكافؤ، حيث تتركز القدرات الحاسوبية والتقنيات المتقدمة في عدد محدود من الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، بينما تفتقر العديد من الدول النامية إلى البنية التحتية والخبرات والموارد اللازمة للاستفادة الكاملة منها.
ويؤكد التقرير أن استمرار هذه الفجوة قد يؤدي إلى تعميق عدم المساواة العالمية بدلًا من تقليصها.
وفيما يتعلق بالتنظيم، يشير التقرير إلى أن الأنظمة الحالية غير مهيأة للتعامل مع هذه الوتيرة السريعة من التطور، كما أن تعدد الأطر التنظيمية وغياب التنسيق بينها يقلل من فعاليتها.
ويدعو الخبراء إلى تعزيز التقييم المستقل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، وتكثيف التعاون الدولي، ووضع معايير مشتركة لضمان الشفافية والمساءلة.
كما يشددون على ضرورة الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والتعليم وبناء القدرات، بما يتيح للدول إدارة هذه التكنولوجيا وفقًا لاحتياجاتها

وتعمل الأمم المتحدة على دعم إنشاء منظومة دولية جديدة تساعد الدول على اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن الذكاء الاصطناعي، من خلال اللجنة العلمية الدولية التي تضم 40 خبيرًا من مختلف أنحاء العالم، والتي تقدم تقارير دورية حول فرص هذه التكنولوجيا ومخاطرها.
ومن المقرر أن تسهم هذه الجهود في دعم النقاشات الدولية خلال «الحوار العالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي» في جنيف.
ويخلص التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس بطبيعته خيرًا أو شرًا، بل إن تأثيره يعتمد على القرارات التي تتخذها الحكومات والشركات والمجتمعات اليوم، ومدى قدرتها على تطوير حوكمة تواكب هذا التطور المتسارع.






