أهم الموضوعاتأخبارالمدن الذكية

مدن تتحول إلى أفران حرارية.. كيف تضاعف «الجزر الحرارية الحضرية» أزمة المناخ؟ 60% سببه التوسع العمراني

«الجزر الحرارية» تهدد المدن.. لماذا تصبح المدن أكثر سخونة من الريف؟

لم تعد الحرارة في المدن ناتجة عن أشعة الشمس وحدها، بل أصبحت نتاجًا مباشرًا لطبيعة العمران الحديث، في ظاهرة تُعرف بـ«الجزر الحرارية الحضرية»، التي تجعل المدن أكثر سخونة بعدة درجات مقارنة بالمناطق المحيطة بها.

ففي شوارع المدن، لا تأتي الحرارة من السماء فقط، بل تنبعث أيضًا من الطرق الإسفلتية، وتنعكس من الجدران الخرسانية، وتتضاعف بفعل الأبراج الزجاجية. وحتى بعد غروب الشمس، تبقى الحرارة عالقة، وكأن المدينة تحتفظ بها داخل بنيتها.

وبينما يواصل تغير المناخ دفع درجات الحرارة إلى الارتفاع، يؤكد الخبراء أن التخطيط العمراني يلعب دورًا محوريًا في تفاقم الأزمة. فاختيارات البناء، ونوعية المواد المستخدمة، وإزالة المساحات الخضراء، كلها عوامل تجعل المدن خزانات ضخمة للحرارة.

وكشفت دراسة نُشرت عام 2024 في دورية «Nature Cities» أن التوسع العمراني وحده ساهم في تضخيم الاحترار داخل المدن الهندية بنحو 60%، خاصة في المدن سريعة النمو، ما يعكس تفاعلًا خطيرًا بين النمو الحضري وتغير المناخ.

مبانٍ خرسانية وأبراج زجاجية تحت موجة حر شديدة، مع انعكاس أشعة الشمس وغياب المساحات الخضراء
مبانٍ خرسانية وأبراج زجاجية تحت موجة حر شديدة، مع انعكاس أشعة الشمس وغياب المساحات الخضراء

وتحدث ظاهرة «الجزر الحرارية الحضرية» نتيجة استبدال المساحات الطبيعية بمواد مثل الخرسانة والأسفلت والزجاج، وهي مواد تمتص كميات كبيرة من الحرارة خلال النهار، ثم تعيد إطلاقها تدريجيًا خلال الليل، ما يؤدي إلى استمرار ارتفاع درجات الحرارة.

ويزيد من حدة الظاهرة استخدام أجهزة التكييف على نطاق واسع، حيث تطلق هذه الأجهزة هواءً ساخنًا إلى الخارج، فضلًا عن الازدحام المروري، وضعف التهوية بين المباني المرتفعة، وتراجع الغطاء النباتي.

ووفقًا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، ترتفع حرارة المدن بمعدل يقارب ضعف المتوسط العالمي، ومن المتوقع أن يتعرض نحو 1.6 مليار شخص في المناطق الحضرية لموجات حر شديدة بحلول عام 2050 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

وتنعكس هذه الظاهرة بشكل مباشر على حياة السكان، حيث تعني أيامًا أكثر حرارة، وليالي أقل برودة، وفواتير كهرباء أعلى، ومخاطر صحية متزايدة.

ظاهرة الجزر الحرارية ترفع حرارة المدن عالميًا مع التوسع العمراني
ظاهرة الجزر الحرارية ترفع حرارة المدن عالميًا مع التوسع العمراني

وتشهد الهند توسعًا حضريًا متسارعًا، ما يفرض تحديات إضافية، إذ تتسع المدن أفقيًا ورأسيًا، وتتقلص المساحات الخضراء، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى تبني نماذج تنمية عمرانية أكثر استدامة.

ويرى خبراء أن الحل يبدأ من تصميم المباني نفسها، من خلال اعتماد تقنيات التبريد السلبي، وتحسين التهوية الطبيعية، واستخدام الأسطح العاكسة، وزيادة الاعتماد على الطاقة الشمسية، إلى جانب إدارة المياه وإعادة استخدامها.

كما يشددون على أهمية استخدام مواد بناء عالية الكفاءة الحرارية، وتقليل الاعتماد على الواجهات الزجاجية، التي رغم مظهرها العصري، تسهم في زيادة امتصاص الحرارة، خاصة في المناخات الحارة.

وتُعد المناطق التجارية من أكثر المناطق تأثرًا، بسبب كثافة المباني واستخدام الزجاج، ما يرفع من استهلاك الطاقة لأغراض التبريد.

ظاهرة الجزر الحرارية ترفع حرارة المدن عالميًا مع التوسع العمراني
ظاهرة الجزر الحرارية ترفع حرارة المدن عالميًا مع التوسع العمراني

وفي المقابل، تبرز الحلول القائمة على الطبيعة كأحد أهم المسارات لمواجهة الظاهرة، مثل زيادة التشجير، وإنشاء أسطح خضراء وحدائق رأسية، واستخدام الأرصفة النفاذة، وتطوير «مدن إسفنجية» قادرة على امتصاص المياه وتقليل الحرارة.

كما تسهم غابات «مياواكي» الحضرية في خفض درجات الحرارة بنحو 3 إلى 5 درجات مئوية، إلى جانب تعزيز التنوع البيولوجي داخل المدن.

ورغم أن أجهزة التكييف توفر حلًا سريعًا، فإنها قد تؤدي إلى تفاقم المشكلة، إذ تزيد من درجات الحرارة الخارجية وتضغط على شبكات الكهرباء، ما يدفع المنظمات الدولية إلى الترويج لحلول التبريد السلبي.

وتؤكد هذه المعطيات أن «الجزر الحرارية الحضرية» ليست ظاهرة حتمية، بل نتيجة مباشرة لخيارات التصميم والتخطيط، ما يعني أن مواجهتها ممكنة من خلال تبني سياسات عمرانية ذكية.

فالمدن التي تحتوي على مساحات خضراء أكبر تكون أكثر برودة، والمباني المصممة وفق المناخ المحلي تستهلك طاقة أقل، والأسطح العاكسة تقلل امتصاص الحرارة.

انبعاثات السيارات في المدن
خبراء: العمارة التقليدية ترفع الحرارة.. والبديل تصميم ذكي مقاوم للمناخ

ويبقى التحدي الأكبر هو تسريع تبني هذه الحلول، قبل أن يؤدي التوسع الحضري غير المخطط إلى ترسيخ عقود من ارتفاع درجات الحرارة، خاصة مع تزايد موجات الحر عالميًا.

فمستقبل المدن لن يتحدد فقط بتأثيرات تغير المناخ، بل أيضًا بالقرارات التي تُتخذ اليوم بشأن كيفية بنائها.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة