الجريمة المنظمة تقتل ما يقارب ضحايا النزاعات المسلحة.. التكنولوجيا تعزز نفوذها وتوسع نطاقها
الاتجار بالبشر والمخدرات.. الوجه الخفي لأخطر شبكات الجريمة المنظمة
تُعدّ النزاعات المسلحة من أخطر التهديدات التي يتبادر ذكرها إلى الأذهان، غير أن الجريمة المنظمة تودي سنويًا بحياة عدد مماثل من الضحايا، ولكن بعيدًا عن الأضواء.
ومنذ عام 2000، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى ارتباط الجماعات الإجرامية المنظمة بنحو 95 ألف جريمة قتل سنويًا، وهو رقم يقترب بشكل لافت من متوسط عدد الوفيات الناتجة عن النزاعات المسلحة عالميًا، والبالغ نحو 92 ألف شخص سنويًا.
ويطرح هذا التشابه تساؤلًا جوهريًا حول سبب عدم حصول الجريمة المنظمة على الاهتمام الدولي ذاته الذي تحظى به الحروب، رغم خطورتها المماثلة.
وحذّر الأمين العام للأمم المتحدة من أن أنشطة الجريمة المنظمة العابرة للحدود تؤدي إلى إضعاف الحوكمة، وانتشار الفساد، وتصاعد العنف، فضلًا عن الخسائر البشرية والدمار.

وبعيدًا عن الأرقام، تكشف هذه الظاهرة عن معاناة إنسانية عميقة، كما في حالة “ماري”، التي غادرت نيجيريا وهي في السابعة عشرة من عمرها، على أمل العمل في أوروبا، قبل أن تقع ضحية شبكة للاتجار بالبشر، حيث تعرضت للإكراه والاستغلال والعنف الجنسي، وعاشت في ظروف قاسية دون القدرة على الهروب أو التواصل مع أسرتها.
وتعكس شهادتها الأثر النفسي طويل الأمد لهذه التجارب، إذ أشارت إلى فقدانها طفولتها، رغم تمسكها بأمل هش في الحصول على التعليم والعمل مستقبلًا.
ولا تقتصر آثار الجريمة المنظمة على القتل فقط، بل تمتد إلى مجالات متعددة، إذ تشير تقديرات دولية إلى مسؤولية هذه الشبكات عن نحو خُمس جرائم القتل العمد عالميًا، وترتفع النسبة إلى النصف في بعض مناطق نصف الكرة الغربي.
كما تسهم تجارة المخدرات في مئات الآلاف من الوفيات الناتجة عن الجرعات الزائدة، خاصة المرتبطة بالمواد الأفيونية، فضلًا عن استهداف الصحفيين والنشطاء، ما يؤدي إلى تقويض الثقة العامة وإضعاف المؤسسات.
وتعمل هذه الشبكات غالبًا في الخفاء، متغلغلة في الاقتصادات والمجتمعات، بل وأحيانًا داخل مؤسسات شرعية، ما يصعّب كشفها أو تفكيكها.

وفي بعض الحالات، تنشئ الجماعات الإجرامية أنظمة حكم موازية، مستفيدة من ضعف مؤسسات الدولة، كما حدث في هايتي، حيث سيطرت العصابات على أجزاء واسعة من العاصمة.
ويرتبط نفوذ الجريمة المنظمة بالأرباح الضخمة التي تحققها، إذ تعتمد على أسواق غير مشروعة تشمل المخدرات والأسلحة والاتجار بالبشر والموارد الطبيعية والأدوية المقلدة.
وتظل تجارة المخدرات المصدر الرئيسي لهذه العائدات، التي تُقدّر بمئات المليارات من الدولارات سنويًا، ما يعزز قوة هذه الشبكات وقدرتها على التوسع.

كما أسهمت التكنولوجيا الحديثة في زيادة تعقيد الظاهرة، إذ باتت الشبكات الإجرامية قادرة على تنفيذ عمليات احتيال وابتزاز عابرة للحدود، مستهدفة ضحايا في دول متعددة، مع تسجيل خسائر بمليارات الدولارات سنويًا.
ورغم أن آثار الجريمة المنظمة أقل وضوحًا من الحروب، فإنها تظل واسعة النطاق، وتمتد إلى الاقتصاد والصحة العامة والاستقرار الاجتماعي، ما يجعل التعامل معها يتطلب رؤية شاملة تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية.





