2026 عام الطقس المتطرف.. موجات حر وحرائق وجفاف تضرب العالم
لم تعد «كوارث طبيعية».. تغير المناخ يضاعف موجات الحر والحرائق والجفاف في 2026
شهد النصف الأول من عام 2026 موجات حر قياسية ضربت مناطق واسعة من أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا الشمالية، بالتزامن مع اندلاع حرائق غابات واسعة النطاق وموجات جفاف وفيضانات وظواهر مناخية متطرفة، في وقت تتزايد فيه الأدلة العلمية على أن تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية يجعل هذه الأحداث أكثر تكرارًا وشدة.
وتكشف التطورات المناخية التي شهدها العالم خلال العام الجاري عن حجم التحولات التي يشهدها النظام المناخي للأرض، بعدما أصبحت موجات الحرارة الشديدة والحرائق والجفاف والأمطار الغزيرة جزءًا متكررًا من المشهد المناخي العالمي.
ويرتبط تفاقم هذه الظواهر، بصورة أساسية، بارتفاع تركيزات غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي، نتيجة استمرار حرق الفحم والنفط والغاز، إلى جانب تدمير الغابات، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة اليابسة والمحيطات وتغيير أنماط الطقس.
موجات حر وحرائق تضرب العالم
أدت موجات الحر القياسية التي شهدتها مناطق مختلفة من العالم خلال 2026 إلى تهيئة ظروف مواتية لاندلاع حرائق واسعة، خصوصًا في المناطق التي تزامنت فيها درجات الحرارة المرتفعة مع الجفاف وانخفاض رطوبة التربة والغطاء النباتي.
وفي أوروبا الغربية، تسببت الحرارة الشديدة في اندلاع حرائق استثنائية، بينما امتدت آثار حرائق الغابات الكندية إلى أجزاء واسعة من شمال شرق الولايات المتحدة ووسطها، مع وصول دخان كثيف إلى مناطق مأهولة بالسكان وتدهور جودة الهواء.
وفي إندونيسيا، أدت فترة الجفاف الطويلة إلى اندلاع أكبر حرائق غابات تشهدها البلاد منذ ظاهرة النينيو عام 2015، فيما غطى الدخان أجزاء من جنوب شرق آسيا.
وفي الوقت نفسه، تواجه الهند واحدًا من أضعف مواسم الرياح الموسمية منذ نحو عقدين، مع مخاوف من تداعيات ذلك على الزراعة والمياه والأمن الغذائي.
ولا تقتصر التداعيات على الأضرار المباشرة للحرائق، إذ يمكن لدخانها أن يرفع مستويات تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة، ما يزيد مخاطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية، ويرفع معدلات دخول المستشفيات والوفيات المبكرة.

2026 بين أكثر الأعوام حرارة
تأتي هذه الأحداث بعد سلسلة طويلة من السنوات شديدة الحرارة؛ إذ كانت الفترة من 2015 إلى 2025 الأكثر حرارة على الإطلاق وفق البيانات المشار إليها في التقرير.
كما جاء يوليو 2026 ضمن أكثر أشهر يوليو حرارة في سجل القياسات العالمية، مع استمرار الاتجاه الذي جعل السنوات الأخيرة تهيمن على قائمة أكثر الأعوام والأشهر حرارة منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة.
وساهمت درجات حرارة اليابسة القياسية، إلى جانب ارتفاع حرارة سطح المحيطات، في توفير الظروف الملائمة لموجات الحر والجفاف والحرائق والفيضانات التي شهدتها مناطق متعددة خلال يوليو وأوائل أغسطس.
وتُعد أوروبا من أكثر المناطق تأثرًا بالاحترار العالمي، إذ ترتفع درجة حرارتها بمعدل يزيد على ضعف متوسط الاحترار العالمي، ما يجعلها أكثر عرضة لموجات الحر الشديدة والجفاف وحرائق الغابات واسعة النطاق.
لم تعد «كوارث طبيعية» فقط
ويشير التحليل إلى أن وصف هذه الأحداث بأنها «كوارث طبيعية» لم يعد كافيًا لفهم أسبابها، إذ أصبحت الأنشطة البشرية، وعلى رأسها حرق الوقود الأحفوري، عاملًا رئيسيًا في زيادة احتمالات وقوع العديد من الظواهر الجوية المتطرفة وشدتها.
وأكدت الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب في الولايات المتحدة أن الاحترار الناتج عن الأنشطة البشرية يرتبط بدرجة عالية من الثقة بزيادة شدة بعض أحداث الحرارة والبرودة والأمطار الغزيرة.
كما أظهرت دراسات الإسناد المناخي السريع أن موجات الحر التي ضربت أوروبا وأمريكا الشمالية خلال 2026 كانت أكثر احتمالًا وشدة بسبب تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية.
وفي إحدى الدراسات، خلص العلماء إلى أن موجة حر مماثلة لتلك التي ضربت أوروبا الغربية في يونيو كانت ستصبح أكثر برودة بنحو 3.5 درجات مئوية لو حدثت قبل نحو 50 عامًا.
أما موجة الحر التي ضربت أمريكا الشمالية، فقد خلص الباحثون إلى أنها أصبحت أكثر احتمالًا وشدة بفعل تغير المناخ، وأن مستويات الحرارة والرطوبة المستمرة التي رافقتها لم تكن لتحدث في المناخ الذي كان سائدًا قبل الثورة الصناعية.

النينيو يضيف مزيدًا من الضغوط
وتزداد المخاوف مع تطور ظاهرة النينيو، التي يمكن أن تؤثر بصورة كبيرة في أنماط الطقس العالمية.
وتشير التوقعات إلى إمكانية أن تصبح ظاهرة النينيو الحالية واحدة من أقوى الظواهر المسجلة، ما قد يؤدي إلى تفاقم موجات الجفاف في بعض المناطق وزيادة الأمطار والعواصف الشديدة في مناطق أخرى.
وتواجه الهند بالفعل موسمًا ضعيفًا للرياح الموسمية، فيما قد تتعرض مناطق من أمريكا الوسطى وغرب المحيط الهادئ وأمريكا الجنوبية الاستوائية لخطر انخفاض معدلات الأمطار.
وفي المقابل، يمكن أن ترتفع مخاطر العواصف والأمطار الغزيرة في أجزاء من آسيا الوسطى، بما في ذلك الصين واليابان وكوريا الجنوبية، إلى جانب مناطق من أمريكا الجنوبية والولايات المتحدة وشرق أفريقيا.
وتحذر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة من أن تأثيرات النينيو قد تمتد إلى الزراعة والثروة الحيوانية، من خلال فشل المحاصيل وخسائر الماشية وارتفاع ديون الأسر والهجرة بحثًا عن الغذاء والمياه.
جفاف أوروبا يهدد الأنهار والطاقة

ولم تتوقف آثار موجات الحر والجفاف عند الزراعة والبيئة، بل امتدت إلى البنية الأساسية وأنظمة الطاقة في أوروبا.
فقد وصلت مستويات المياه في أربعة من الأنهار الرئيسية بالقارة، وهي اللوار وبو والراين والدانوب، إلى مستويات قياسية الانخفاض خلال أغسطس، نتيجة استمرار الظروف الجافة.
ويشكل انخفاض منسوب المياه ضغطًا متزايدًا على إمدادات المياه والمحاصيل والنقل النهري والسياحة والنظم البيئية، كما يفرض تحديات على قطاع الطاقة.
وتعتمد بعض محطات الطاقة النووية على مياه الأنهار في عمليات التبريد، ولذلك يمكن أن يؤدي انخفاض مستويات المياه إلى الحد من قدرتها على العمل بكامل طاقتها.
وفي رومانيا، أدى انخفاض منسوب نهر الدانوب إلى توقف محطة تشيرنافودا النووية، التي توفر نحو 20% من الكهرباء في البلاد.
وفي المجر، اضطرت محطة باكس النووية إلى خفض إنتاجها بصورة كبيرة، مع إيقاف ثلاثة من مفاعلاتها الأربعة مؤقتًا بسبب انخفاض منسوب الدانوب وارتفاع المخاوف المرتبطة بتوفير مياه التبريد.
وتكشف هذه التطورات عن أن آثار تغير المناخ يمكن أن تمتد إلى قطاعات حيوية، بما فيها الكهرباء والنقل والمياه، وليس فقط إلى البيئة أو الصحة العامة.
ثاني أكسيد الكربون يواصل تسجيل مستويات قياسية

في الوقت نفسه، لا تزال مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي عند مستويات مرتفعة بصورة خطيرة.
وأظهرت بيانات وكالة الطاقة الدولية أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة ارتفعت خلال 2025 بنسبة 0.4%، وهي أبطأ زيادة منذ 2021، لكنها وصلت رغم ذلك إلى مستوى قياسي يقارب 38.4 مليار طن، بزيادة قدرها نحو 5% مقارنة بمستويات 2019.
وساهم التوسع في مصادر الطاقة المتجددة، خصوصًا الطاقة الشمسية، في الحد من الزيادة في الانبعاثات؛ إذ ساعد التوسع في الطاقة الشمسية على تجنب نحو 1.5 مليار طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنويًا.
لكن ذلك لم يكن كافيًا لوقف ارتفاع تركيزات الغاز في الغلاف الجوي.
فبعد تسجيل تركيزات قياسية بلغت نحو 427 جزءًا في المليون خلال 2024، ارتفع المتوسط الشهري في مايو 2026 إلى مستوى قياسي جديد بلغ 432.3 جزءًا في المليون في مرصد مونا لوا في هاواي.
العالم يقترب أكثر من تجاوز 1.5 درجة مئوية
وتجعل هذه التطورات تحقيق هدف اتفاق باريس المتمثل في الحد من ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية أكثر صعوبة.
وحذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من احتمال تجاوز درجة الاحترار العالمي مستوى 1.5 درجة مئوية مؤقتًا خلال عام واحد على الأقل في الفترة بين 2026 و2030.
كما تشير التوقعات إلى احتمال تجاوز متوسط درجة الحرارة العالمية خلال فترة السنوات الخمس 2026-2030 هذا المستوى، وهو ما قد يزيد مخاطر موجات الحر والفيضانات والجفاف والحرائق وغيرها من الظواهر المتطرفة.
وتشير تقديرات مؤسسة «بيركلي إيرث» إلى وجود احتمال يبلغ 69% لأن يصبح عام 2026 الأكثر حرارة على الإطلاق، بينما تتوقع توقعات أخرى أن يكون عام 2027 أكثر حرارة من 2026، مدفوعًا جزئيًا بتطور ظاهرة النينيو.

الطاقة المتجددة في مواجهة الوقود الأحفوري
ومع تصاعد تداعيات تغير المناخ، تتزايد الدعوات إلى تسريع التحول من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتخزين الكهرباء.
ويرى خبراء المناخ أن خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري لم يعد قضية بيئية فقط، بل أصبح ضرورة لحماية الصحة العامة والأمن الغذائي والمياه والبنية الأساسية والاقتصاد.
كما تبرز أهمية تنفيذ انتقال عادل للطاقة يضمن استفادة المجتمعات من الطاقة النظيفة، مع توفير التمويل والدعم اللازمين للدول والمجتمعات الأكثر عرضة لتداعيات تغير المناخ.
وتؤكد أحداث 2026 أن تغير المناخ لم يعد تهديدًا مستقبليًا بعيدًا، بل أصبح عاملًا حاضرًا في تشكيل الطقس المتطرف حول العالم، من موجات الحر والحرائق إلى الجفاف والفيضانات وانخفاض مستويات الأنهار.
ومع استمرار ارتفاع انبعاثات الوقود الأحفوري وتركيزات ثاني أكسيد الكربون، تبدو الرسالة المناخية أكثر وضوحًا: الحد من الاحترار العالمي لم يعد خيارًا طويل الأجل، بل سباقًا مع تزايد المخاطر المناخية التي بدأت آثارها تظهر بالفعل في حياة الناس والاقتصادات والنظم البيئية.





