موجة حر قياسية تضرب تونس.. 6 مدن بين الأكثر حرارة عالميًا وأزمة مياه وانقطاعات كهرباء
تونس تواجه صيفًا استثنائيًا.. حرارة قياسية ونقص مياه وانقطاعات كهرباء تضغط على السكان
تشهد تونس موجة حر استثنائية دفعت درجات الحرارة إلى الاقتراب من 50 درجة مئوية، بالتزامن مع اضطرابات في إمدادات المياه المعبأة وانقطاعات مؤقتة للكهرباء في عدد من المناطق، في مشهد يكشف الضغوط المتزايدة التي تفرضها موجات الحر الشديدة على موارد المياه والطاقة وسلاسل الإمداد.
وسجلت مدينة القيروان، وسط تونس، 49.8 درجة مئوية، لتصبح ثاني أكثر المناطق حرارة في العالم خلال اليوم، وفقًا للمرصد التونسي للطقس والمناخ، بعدما تجاوزت المدينة الرقم القياسي السابق المسجل لديها في يوليو، والبالغ 49.7 درجة.
وجاءت القيروان في المرتبة الثانية عالميًا بعد مدينة مهران الإيرانية التي سجلت 50 درجة مئوية، بينما اقتربت الحرارة المسجلة في تونس من الرقم القياسي الوطني البالغ 50.3 درجة، والمسجل في 11 أغسطس 2021.
ولم تقتصر الحرارة الاستثنائية على القيروان، إذ دخلت 6 مدن تونسية قائمة أكثر 20 موقعًا حرارة في العالم خلال اليوم نفسه، بعدما سجلت باجة 49.2 درجة، وجندوبة 48.1 درجة، وقابس وتوزر 48 درجة لكل منهما، وزغوان 47.9 درجة مئوية.
الحرارة القياسية تضغط على الكهرباء
تزامنت موجة الحر مع انقطاعات مؤقتة للكهرباء في مناطق واسعة من تونس، ما زاد من حدة الضغوط على السكان والمنشآت الإنتاجية والخدمية.
وقالت الشركة التونسية للكهرباء والغاز، المعروفة اختصارًا بـ”ستاغ”، إن عمليات القطع المؤقت للكهرباء جاءت بهدف حماية استقرار واستمرارية المنظومة الكهربائية الوطنية في ظل ارتفاع الأحمال.
لكن تداعيات انقطاع الكهرباء امتدت إلى قطاع إنتاج المياه المعبأة، الذي يواجه في الوقت نفسه قفزة كبيرة في الطلب بسبب الارتفاع الشديد في درجات الحرارة.
المياه المعبأة تتحول إلى أزمة يومية
في أحد شوارع تونس، اصطف عشرات المواطنين أمام محل لبيع المواد الغذائية بالجملة، بعدما وصلت إليه شاحنة محملة بقوارير المياه المعدنية.
لم يكن المواطنون ينتظرون شراء المواد الغذائية، وإنما كانوا يبحثون عن المياه المعبأة التي أصبحت سلعة يصعب العثور عليها في عدد من المناطق.
ويقول أحد المواطنين إنه يضطر إلى البحث يوميًا عن المياه في المتاجر، بعدما أصبحت المياه المعبأة “مفقودة منذ أيام”، مشيرًا إلى أن مياه الصنبور لم تعد بالنسبة إليه خيارًا مناسبًا للشرب.
لكن وصول الشاحنة لم ينه الأزمة، إذ كانت الكمية محجوزة مسبقًا لصالح تجار التوزيع، ما أدى إلى احتشاد المواطنين أمام نقطة التوزيع، قبل أن تتدخل الشرطة لتنظيم الوضع.
ويعكس هذا المشهد أزمة تتجاوز نقص المنتجات على أرفف المتاجر، لتكشف عن اضطراب يمتد عبر حلقات سلسلة الإمداد، من الإنتاج إلى التخزين ثم التوزيع وصولًا إلى المستهلك.
موجة الحر تفجر الطلب على المياه
يرتبط جانب كبير من الأزمة بالارتفاع الاستثنائي في الطلب خلال موجة الحر.
وقال رئيس الغرفة الوطنية لمنتجي المشروبات غير الكحولية، الأسعد مزاح، إن الارتفاع الكبير في الإقبال على المياه المعبأة يمثل أحد أبرز أسباب اضطراب الإمدادات، إلى جانب انقطاعات الكهرباء التي أثرت على عدد من وحدات التصنيع.
وأوضح أن تأثير انقطاع الكهرباء لا يقتصر على توقف خطوط الإنتاج مؤقتًا، وإنما قد يؤدي أيضًا إلى أعطال فنية في المعدات، وهو ما يستدعي عمليات صيانة وتوفير قطع غيار وإعادة تشغيل خطوط الإنتاج.
وتؤدي هذه التداعيات مجتمعة إلى إطالة فترة التأثر بالإمدادات، وتؤثر في قدرة المصانع على الحفاظ على مستويات الإنتاج المعتادة.
وبحسب الغرفة المهنية، أدى الطلب غير المسبوق إلى استنزاف جزء كبير من المخزون الاستراتيجي الذي أعدته الشركات استعدادًا لموسم الصيف، في وقت حالت فيه اضطرابات الكهرباء دون قدرة بعض المصانع على تعويض المخزون بالسرعة المطلوبة.
241 لترًا للفرد سنويًا
تكشف الأزمة أيضًا عن حجم اعتماد التونسيين المتزايد على المياه المعبأة.
وبحسب بيانات الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه، ارتفع متوسط استهلاك الفرد في تونس إلى نحو 241 لترًا سنويًا عام 2024، مقارنة بنحو 225 لترًا عام 2020.
ويرتفع الاستهلاك بصورة أكبر خلال أشهر الصيف، مع اشتداد درجات الحرارة وارتفاع الحاجة إلى المياه.
ويقدر خبير الموارد المائية حسين الرحيلي أن الأسرة التونسية المكونة من 5 أفراد قد تستهلك نحو 6 قوارير مياه يوميًا خلال الصيف، فيما يمكن أن تصل تكلفة المياه المعبأة لهذه الأسرة إلى ما بين 130 و140 دينارًا تونسيًا شهريًا خلال فترات الذروة.
ويربط الرحيلي ارتفاع الاعتماد على المياه المعبأة بعدة عوامل، من بينها موجات الحرارة، وشح الموارد المائية، وتراجع الثقة في جودة مياه الشرب العمومية.
كما يشير إلى أن ارتفاع ملوحة المياه في بعض المناطق وتهالك أجزاء من شبكات التوزيع القديمة يؤثران في جودة المياه التي تصل إلى المنازل، ويدفعان مزيدًا من المواطنين إلى الاعتماد على المياه المعبأة.
وهكذا تحولت المياه المعبأة تدريجيًا من منتج يرتبط بالسفر والمناسبات وأشهر الصيف إلى عنصر أساسي في ميزانية الأسر التونسية.
أين اختفت مخزونات الأمان؟
لا تتعلق الأزمة بالإنتاج وحده، إذ يلفت متخصصون في إدارة المخازن إلى مشكلة أخرى تتمثل في تراجع مخزونات الأمان التي كانت تساعد السوق على مواجهة الارتفاع الموسمي في الطلب.
وأوضح عزام سوالمية، مدير إحدى الشركات المتخصصة في إدارة المخازن، أن تجار الجملة كانوا يعتمدون خلال الشتاء والربيع على تكوين مخزون كبير من المياه استعدادًا لفترة الصيف، مستفيدين من انخفاض الطلب والأسعار خلال الأشهر الأقل استهلاكًا.
وكان هذا المخزون يؤدي وظيفتين أساسيتين: الحفاظ على استقرار الإمدادات خلال ذروة الاستهلاك، والاستفادة من انخفاض أسعار الشراء خارج الموسم.
لكن هذه الآلية تعرضت لضغوط خلال الفترة الأخيرة، وفق سوالمية، نتيجة عوامل مرتبطة بتمويل التجارة والتعديلات التشريعية الخاصة بمنظومة الشيكات، إلى جانب مخاوف التجار من أن يُنظر إلى التخزين المسبق باعتباره نوعًا من المضاربة أو الاحتكار.
وأدى ذلك، بحسب هذه القراءة، إلى تراجع مخزونات الأمان التي كان يمكنها امتصاص الارتفاع المفاجئ في الطلب.
وبالتالي، فإن أزمة المياه المعبأة الحالية لا تعكس بالضرورة نقصًا في القدرة الإنتاجية، بقدر ما تكشف عن اختلال في التمويل والتخزين والتوزيع بالتزامن مع قفزة حادة في الاستهلاك.
الدولة تشدد الرقابة على السوق
ومع تصاعد شكاوى المواطنين من نقص المياه وارتفاع الأسعار واضطراب التزويد، تدخلت وزارة التجارة وتنمية الصادرات التونسية لتشديد الرقابة على مسالك توزيع المياه المعبأة.
وأصدر وزير التجارة وتنمية الصادرات، سمير عبيد، قرارًا دخل حيز التنفيذ في 19 أغسطس 2026، حدد بموجبه الحد الأقصى لهامش الربح الخام عند بيع المياه المعدنية المعبأة بنسبة 15% لتجار الجملة و15% لتجار التجزئة.
كما ألزم القرار المتعاملين في القطاع باستخدام مسالك توزيع منظمة، وتسوية أوضاعهم الضريبية، واحترام قواعد الفوترة والشروط القانونية المتعلقة بها، مع ضرورة إبراز الفواتير أمام فرق الرقابة عند طلبها.
ودعت الوزارة المواطنين إلى الإبلاغ عن التجاوزات، بما في ذلك البيع المشروط، والامتناع عن البيع، واحتكار المنتجات أو إخفائها.
وفي أحدث بياناتها بشأن الأزمة، أعلنت الوزارة أن فرق الرقابة، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، كثفت حملاتها الميدانية، وأسفرت عملياتها عن حجز 186 ألفًا و543 لترًا من المياه المعبأة بسبب مخالفات تتعلق بشفافية المعاملات والأسعار، مع اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
أزمة مؤقتة أم إنذار أوسع؟
قد يتراجع الضغط على سوق المياه المعبأة مع انكسار موجة الحر وانخفاض مستويات الاستهلاك، لكن الأزمة الحالية تطرح أسئلة تتجاوز صيف 2026.
فمع تزايد موجات الحر وشدة الظواهر الجوية المتطرفة، تصبح قدرة الأسواق على توفير السلع الأساسية خلال فترات الطلب المرتفع جزءًا من قضية أوسع تتعلق بمرونة البنية التحتية وسلاسل الإمداد أمام تغير المناخ.
وتبرز الحاجة إلى إعادة النظر في حجم مخزونات الأمان، وآليات تمويل التجارة، وقدرة شبكات التوزيع على الاستجابة السريعة للقفزات المفاجئة في الطلب، إلى جانب وضع قواعد واضحة تفرق بين التخزين الضروري لضمان استقرار السوق والممارسات الاحتكارية.

وفي ظل درجات حرارة تقترب من 50 درجة مئوية، لم تعد المياه بالنسبة إلى ملايين المواطنين مجرد سلعة موسمية، بل أصبحت مسألة مرتبطة مباشرة بالصحة والأمن المائي والقدرة على مواجهة الحرارة الشديدة.
وتختصر قارورة المياه الصغيرة المشهد بأكمله: القضية لم تعد فقط أين يوجد الماء، وإنما كيف يمكن أن يصل إلى المواطن في الوقت الذي يحتاج إليه.





