نورين رضا: حارسات الطبيعة.. النساء في قلب جهود الحفاظ على التنوع البيولوجي
مساعد مدير وكالة حماية البيئة في حكومة السند- باكستان
تلعب النساء دورًا محوريًا في حماية البيئة والحفاظ على الموارد الطبيعية، رغم أن مساهماتهن ظلت لفترات طويلة أقل حضورًا في المشهد العام.
فمن إدارة الموارد داخل المجتمعات المحلية إلى حماية النظم البيئية، ترتبط حياة النساء اليومية بالطبيعة بشكل مباشر، ما يجعلهن شريكًا أساسيًا في جهود الحفاظ على البيئة والعمل المناخي.
ويشكل الاحتفال باليوم العالمي للمرأة فرصة مهمة لتسليط الضوء على هذا الدور المتنامي، ويأتي شعار عام 2026 «العطاء لتحقيق المكاسب» ليؤكد أن الاستثمار في النساء عبر التعليم والتدريب والتمكين والقيادة يحقق فوائد مضاعفة، ليس فقط للنساء، بل للمجتمعات والبيئة والكوكب بأكمله.
ويرتبط تمكين المرأة في المجال البيئي بشكل وثيق بعدد من أهداف التنمية المستدامة، أبرزها الهدف الخامس المتعلق بالمساواة بين الجنسين، والهدف الثالث عشر الخاص بالعمل المناخي، والهدف الرابع عشر المرتبط بالحياة تحت الماء، والهدف الخامس عشر المعني بالحياة في البر.
حضور متزايد للنساء في قطاع الغابات
تُعد إدارات الغابات من المؤسسات الأساسية المعنية بحماية الأشجار ومكافحة إزالة الغابات والحفاظ على التنوع البيولوجي. وعلى الرغم من أن هذا القطاع كان تقليديًا ذا طابع ذكوري بسبب طبيعة العمل الميداني، فإن السنوات الأخيرة شهدت تزايدًا ملحوظًا في مشاركة النساء.
وتعمل النساء اليوم كضابطات غابات وحارسات ومختصات في التنوع البيولوجي ومديرات لمشاتل الأشجار، حيث يقمن بإجراء الدراسات البيئية وإدارة المشروعات التشجيرية ومراقبة الالتزام بالقوانين البيئية، إضافة إلى نشر الوعي البيئي داخل المجتمعات المحلية.
كما أسهمت برامج التشجير الكبرى في خلق فرص عمل واسعة للنساء، إذ شاركن في زراعة الشتلات وإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة، ما يعزز حماية الغابات ويسهم في وقف فقدان التنوع البيولوجي.
دور متنامٍ في حماية الحياة البرية
لم يعد العمل في حماية الحياة البرية مقتصرًا على الرجال، إذ تتزايد أعداد النساء العاملات كحارسات للمحميات الطبيعية ومفتشات وباحثات ومتخصصات في مراقبة الأنواع المهددة بالانقراض.
وتشارك النساء في تنفيذ دوريات مكافحة الصيد الجائر ومراقبة الحياة البرية وإجراء البحوث البيئية، إضافة إلى العمل على توعية المجتمعات المحلية بأهمية الحفاظ على الأنواع البرية وموائلها الطبيعية.
ويمثل هذا الدور خطوة مهمة نحو حماية النظم البيئية، التي تؤدي دورًا أساسيًا في تنظيم المناخ ودعم التوازن الطبيعي.
النساء في صدارة العمل المناخي
مع تصاعد تحديات تغير المناخ، أصبحت مشاركة النساء في مؤسسات البيئة والمناخ عنصرًا أساسيًا في صياغة السياسات البيئية وتنفيذ برامج التكيف مع التغيرات المناخية.
وتعمل النساء في الوزارات والمؤسسات البيئية على تطوير استراتيجيات الحد من التلوث وإدارة الموارد الطبيعية ومواجهة التصحر والتعامل مع الكوارث المناخية مثل الفيضانات وارتفاع درجات الحرارة.
كما يقمن بإعداد الدراسات البيئية وإجراء تقييمات الأثر البيئي وتنظيم حملات التوعية المجتمعية حول أهمية حماية البيئة والتحول نحو التنمية المستدامة.
ويؤكد خبراء البيئة أن إشراك النساء في صنع القرار المناخي يساهم في بناء سياسات أكثر شمولًا وعدالة، ويعزز قدرة المجتمعات على التكيف مع التغيرات المناخية.
دور محوري في حماية السواحل والبيئة البحرية
تمثل المناطق الساحلية والبحرية من أكثر النظم البيئية حساسية للتغير المناخي، خاصة في ظل ارتفاع مستوى سطح البحر وتدهور الموائل الطبيعية.
وفي هذا السياق، تلعب النساء دورًا مهمًا في جهود حماية البيئة البحرية، من خلال المشاركة في برامج زراعة أشجار المانغروف ومراقبة التنوع البيولوجي البحري ونشر الوعي حول ممارسات الصيد المستدام.
وتسهم هذه الجهود في حماية النظم البيئية الساحلية وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على مواجهة آثار التغير المناخي.
العمل جنبًا إلى جنب مع الرجال
أثبتت التجارب في مختلف القطاعات البيئية أن النساء قادرات على أداء الأدوار نفسها التي يؤديها الرجال، سواء في العمل الميداني أو في مواقع القيادة وصنع القرار.
وتشارك النساء في حملات التشجير ومشروعات استعادة النظم البيئية وبرامج التوعية البيئية، كما يبرز حضورهن المتزايد في مجالات البحث العلمي والنشاط البيئي والعمل المجتمعي.
وتشير الدراسات إلى أن مشاركة النساء في إدارة الموارد الطبيعية غالبًا ما تسهم في تحقيق نتائج أكثر استدامة، نتيجة لارتباطهن الوثيق بالمجتمعات المحلية واهتمامهن بحماية الموارد للأجيال القادمة.
تحديات قائمة وفرص واعدة
رغم هذا التقدم، لا تزال النساء يواجهن عددًا من التحديات في القطاعات البيئية، من بينها الصور النمطية المرتبطة بالأدوار المهنية، ومحدودية فرص التوظيف، وضعف التمثيل في المناصب القيادية، إضافة إلى صعوبات العمل في المناطق النائية.
ويؤكد الخبراء أن تجاوز هذه التحديات يتطلب تبني سياسات أكثر شمولًا تراعي المساواة بين الجنسين، وتوفير فرص التدريب والتعليم، وتعزيز بيئة عمل داعمة للنساء في القطاعات البيئية.
مستقبل أخضر يقوده تمكين المرأة
تشير المؤشرات إلى أن مستقبل العمل البيئي عالميًا سيعتمد بشكل متزايد على تمكين النساء وإشراكهن في إدارة الموارد الطبيعية وصياغة السياسات البيئية.
فكلما زادت فرص التعليم والتدريب والقيادة أمام النساء، تعززت قدرة المجتمعات على حماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة.
ويمثل شعار اليوم العالمي للمرأة لعام 2026 «العطاء لتحقيق المكاسب» نموذجًا واضحًا لهذه الفلسفة، إذ إن الاستثمار في النساء لا يحقق مكاسب اجتماعية فقط، بل ينعكس أيضًا على حماية النظم البيئية وتعزيز قدرة الكوكب على مواجهة التحديات المناخية.
خاتمة
تشكل النساء اليوم قوة محورية في جهود حماية البيئة والعمل المناخي. فمن استعادة الغابات وحماية الحياة البرية إلى صياغة السياسات البيئية وإدارة السواحل، تؤكد التجارب أن تمكين المرأة يعزز فعالية برامج الحفاظ على الطبيعة.
إن الاستثمار في النساء ليس مجرد التزام أخلاقي، بل استراتيجية عملية لضمان مستقبل أكثر استدامة للأرض، حيث تزدهر المجتمعات والطبيعة معًا.





