كيف يهدد تغيّر المناخ استقرار العالم؟ وأفريقيا في قلب المعادلة الأمنية
من الصواريخ إلى موجات الجفاف.. قارة أفريقيا ستحدد ملامح الاستقرار العالمي
قرار حلف شمال الأطلسي (الناتو) زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، بما يشمل 1.5% للبنية التحتية والقدرات على الصمود، يُعد التحول الأبرز منذ نهاية الحرب الباردة.
لكن التهديدات اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل مناخية أيضًا. فالأمن الحقيقي في القرن الحادي والعشرين يتطلب الاستعداد لمواجهة فيضانات وحرائق وجفاف ونزوح جماعي، لا تستطيع أي قوة عسكرية ردعها.
في العام الماضي وحده، تسببت الصدمات المناخية في نزوح أعداد تفوق أعداد النازحين بفعل النزاعات.
ففي إسبانيا استُدعي الجيش للتعامل مع فيضانات فالنسيا، وفي كندا وتكساس دعمت القوات عمليات إطفاء حرائق وإنقاذ.
أما في منطقة الساحل، فقد أدت موجات الجفاف وفقدان سبل العيش إلى تعزيز فرص الجماعات المسلحة لاستغلال حالة عدم الاستقرار.

هذا هو خط المواجهة الجديد للأمن العالمي، ليس الأمر متعلقًا فقط بالدبابات أو الصواريخ، بل بقدرة المجتمعات على الصمود أمام كوكب يتغير بسرعة.
غير أن التكيف مع المناخ يحتاج إلى ما هو أكثر من “جنود على الأرض”، يحتاج إلى تمويل، لا على سبيل المساعدات، بل عبر الاستثمار. وأفريقيا هي الساحة الأكثر إلحاحًا والأكثر قدرة على إحداث تحول.
أفريقيا: قارة ستحدد ملامح الاستقرار العالمي
تضم أفريقيا 17 من أصل 20 دولة هي الأكثر هشاشة أمام تغيّر المناخ، لكنها لا تتلقى سوى 3% فقط من التمويل المناخي العالمي.
وفي الوقت ذاته، هي القارة صاحبة أسرع معدلات التحضر وأكبر طاقة شبابية وفرص هائلة للنمو الأخضر. تجاهل الاستثمار في التكيف بأفريقيا سيؤدي إلى تصاعد عدم الاستقرار الذي سيتجاوز حدودها بكثير.
الصدمات المناخية تدفع نحو الهجرة وتغذي الصراعات في مناطق هشة، كما هو الحال في الساحل حيث تحولت المنافسة على مصادر المياه إلى مواجهات دامية تستغلها جماعات مسلحة عابرة للحدود.
هذه التهديدات لا تخص أفريقيا وحدها، بل تمتد لتؤثر على حدود أوروبا وتستهلك موارد الناتو البحرية وتفتح المجال أمام قوى منافسة لتعزيز نفوذها بالقارة.
أفريقيا لا تطلب صدقات، ما تحتاجه هو استثمار في البنية التحتية المقاومة للمناخ، والزراعة القادرة على تحمل الجفاف، وأنظمة الإنذار المبكر، والإدارة الذكية للمياه.
هذه ليست مساعدات إنسانية بل استثمارات في الوظائف والأسواق والسلام.

من التمويل التنموي إلى التمويل الاستثماري
المعضلة في أفريقيا ليست نقص الموارد فحسب، بل نقص الاستثمارات. يجب أن يعمل التمويل التنموي كجسر لفتح الطريق أمام رأس المال الخاص، وتخفيف المخاطر عن المشروعات المناخية، وتوسيع البنية التحتية التي تضمن ازدهارًا طويل الأمد.
ويبرز هنا “برنامج تسريع التكيف في أفريقيا” بقيمة 25 مليار دولار، الذي يقوده البنك الأفريقي للتنمية والمركز العالمي للتكيف، حيث نجح بالفعل في تحويل الطموحات إلى استثمارات عملية.
ففي كينيا وحدها، تم توجيه أكثر من مليار دولار لمشروعات تعزز المجتمعات وتؤمن الغذاء وتدعم البنية التحتية المرنة.
إذا خصصت دول الناتو جزءًا يسيرًا من إنفاقها الجديد على تعزيز الصمود لدعم مثل هذه المبادرات، بالتعاون مع القطاع الخاص والبنوك الإقليمية وقيادات أفريقيا، فإنها ستسهم في بناء أسس اقتصادية وبيئية تضمن استقرارًا طويل المدى.

جاهزية الناتو المناخية تبدأ داخليًا.. ولا تنتهي عند ذلك
النسبة المقررة من الناتج المحلي (1.5%) لبناء القدرة على الصمود يجب أن تبدأ بتحصين بنية الناتو نفسها ضد التغير المناخي.
فموجات الحر قادرة على تعطيل الطائرات وإذابة مدارج المطارات وتشويه خطوط السكك الحديدية، بينما تهدد الحرائق مستودعات الأسلحة، وتغمر الفيضانات القواعد العسكرية. البنية التحتية المدنية والعسكرية يجب أن تُبنى لتواجه مناخ المستقبل لا الماضي.
لكن أمن الناتو لا يعتمد على الاستعداد الداخلي فقط. إن تجاهل ما يجري خارج الحدود سيدفع الحلف إلى مواجهة عواقبه لاحقًا، لهذا فإن دعم التكيف المناخي في أفريقيا يمثل أولوية استراتيجية.
تمامًا كما نستثمر في أنظمة الرادار لاكتشاف التهديدات قبل وصولها، علينا الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر للتنبؤ بالصدمات المناخية، وكما نمول الردع لمنع الحروب، يجب أن نمول الصمود لمنع الانهيار.

خيار استراتيجي للاستقرار العالمي
العالم يقترب من نقاط تحول خطيرة: انهيار الصفائح الجليدية، اضطراب التيارات البحرية، وفشل الأنظمة الزراعية.
هذه التحولات قد تؤدي إلى عدم استقرار سريع ونزوح جماعي وتصاعد النزاعات.
إن الزيادة غير المسبوقة في إنفاق الناتو تمنحنا فرصة للاستعداد بدلًا من الاكتفاء برد الفعل.
ومن خلال دمج التكيف المناخي ضمن أولوياته، يمكن للحلف أن يتحول من الدفاع التقليدي إلى أمن استباقي.
الأمر لا يتعلق بتحويل مسار الأموال العسكرية، بل باستخدامها بذكاء لمعالجة التهديد الأكثر توقعًا وانتشارًا في عصرنا.
فربما لا يأتي الخطر الأكبر من صاروخ، بل من جفاف مدمر، وأفضل وسيلة للدفاع هي بناء صمود مشترك، لا القوة العسكرية وحدها.

لا يمكن ترك الجنوب العالمي، وخاصة أفريقيا، يواجه خطوط المواجهة المناخية دون دعم.
إن جعل الاستثمار في التكيف ركيزة من ركائز الاستراتيجية الأطلسية يعني تعزيز الجسر الهش بين التنمية والسلام، وتأمين مستقبلنا المشترك.





