تراجع المساعدات الدولية يرفع احتمالات العنف المسلح في إفريقيا بنسبة ملحوظة
دراسة: انهيار المساعدات الخارجية يفاقم هشاشة الدول ويغذي العنف
تشهد القارة الإفريقية خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية تراجعًا تاريخيًا في ميزانيات المساعدات التنموية من عدد من الدول المانحة، في وقت تتجه فيه بعض هذه الدول إلى زيادة الإنفاق العسكري. وكان أكبر هذه التحولات ما حدث بعد التخفيض المفاجئ والحاد في المساعدات الأمريكية.
فقد أصدرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد أيام قليلة من تنصيبه في يناير 2025، قرارًا بتجميد جميع برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، وهي أكبر جهة مانحة للمساعدات الإنسانية في العالم.
وجاء القرار بشكل مفاجئ، ما أدى إلى إنهاء العقود المحلية وتعطيل سلاسل إمداد طبية وغذائية، وإجبار العاملين على مغادرة مواقعهم خلال ساعات قليلة.

وتشير دراسة نُشرت في مجلة “The Lancet Global Health” إلى أن برامج USAID ساهمت في منع نحو 92 مليون حالة وفاة بين عامي 2001 و2021، محذرة من احتمال تسجيل أكثر من 14 مليون وفاة إضافية بحلول عام 2030 إذا استمرت التخفيضات.
ويؤكد الباحثون أن التراجع السريع في المساعدات الخارجية لا ينعكس فقط على الصحة أو الاقتصاد، بل يمتد تأثيره إلى زيادة احتمالات اندلاع الصراعات المسلحة في عدد من المناطق الإفريقية.
واعتمدت الدراسة على بيانات جغرافية دقيقة لتوزيع المساعدات الأمريكية، وربطتها ببيانات حوادث العنف المسلح الصادرة عن مشروع “ACLED”، لتغطية 870 منطقة إفريقية خلال نحو عامين.

وأظهرت النتائج أن المناطق التي كانت تتلقى مستويات أعلى من المساعدات الأمريكية شهدت زيادة في احتمالات الصراع بنسبة 3.1% بعد يناير 2025 مقارنة بالمناطق الأخرى.
كما ارتفعت معدلات الاشتباكات بنسبة تقارب 7%، والاحتجاجات بأكثر من 5%، والوفيات المرتبطة بالصراع بنحو 9%.
وتشير الدراسة إلى أن هذه التأثيرات ظهرت خلال أسابيع قليلة فقط من خفض المساعدات، ثم تصاعدت تدريجيًا مع مرور الوقت.
ويرى الباحثون، أن المساعدات الدولية لطالما أثارت جدلًا بين من يعتبرها أداة لتعزيز الاستقرار، ومن يراها عاملًا قد يغذي الصراع عبر خلق موارد قابلة للتنافس. إلا أن الانقطاع المفاجئ للمساعدات يخلق ديناميكية مختلفة، حيث تتقلص الفرص الاقتصادية بشكل حاد، بينما تبقى أسباب الصراع قائمة.
كما توضح النتائج أن قوة المؤسسات تلعب دورًا حاسمًا في امتصاص الصدمة، إذ تكون آثار تراجع المساعدات أقل حدة في الدول ذات الحوكمة الأقوى.
وتخلص الدراسة إلى أن استمرار خفض المساعدات قد يفاقم حالة عدم الاستقرار في إفريقيا جنوب الصحراء، خاصة في ظل اعتماد واسع على الدعم الخارجي في قطاعات الصحة والأمن الغذائي والخدمات الأساسية.
وتدعو الدراسة إلى إعادة التفكير في نماذج المساعدات الدولية، بحيث تركز على بناء المؤسسات وتعزيز فرص العمل والتعليم، إلى جانب دعم برامج الأمم المتحدة لحفظ السلام باعتبارها عنصرًا أساسيًا في الحد من العنف.





