يشهد الجهد العالمي للحد من تغير المناخ حالة من التعقيد المتزايد، نتيجة انزلاقه إلى صراع جيوسياسي جديد بين واشنطن وبكين، ما جعل التحول نحو الطاقة النظيفة جزءًا من منافسة سياسية واقتصادية واسعة.
فقد أدى تصاعد التوترات الجيوسياسية، بما في ذلك النزاعات في الشرق الأوسط، إلى ارتفاع أسعار الوقود عالميًا، وهو ما انعكس على أرباح شركات النفط والغاز التي استفادت من موجات عدم الاستقرار.
وفي المقابل، عززت هذه الأزمات من جاذبية الطاقة المتجددة بوصفها خيارًا أكثر أمانًا واستقرارًا على المدى الطويل.
في هذا السياق، برزت الصين كقوة مهيمنة في قطاع الطاقة النظيفة، بعد أن استثمرت منذ عقدين في بناء صناعة ضخمة للطاقة المتجددة.
واليوم، تنتج بكين ما بين 80 و90% من الألواح الشمسية وتوربينات الرياح عالميًا، كما تتصدر تسجيل براءات اختراع تقنيات الطاقة النظيفة، وتضيف قدرات جديدة تفوق ما يضيفه باقي العالم مجتمعًا.
ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل أن الصين لا تزال تعتمد بشكل كبير على الفحم، ما يجعل صورتها في ملف المناخ معقدة وليست خضراء بالكامل، لكنها تبقى، وفق خبراء، الدولة الأكثر تقدمًا في وتيرة التحول الطاقي عالميًا.
في المقابل، تتبنى الولايات المتحدة مسارًا متذبذبًا، فبينما حاولت إدارة بايدن دفع سياسات للوصول إلى الحياد الكربوني بحلول 2050 عبر حوافز واستثمارات ضخمة في الطاقة المتجددة، عاد المسار إلى التراجع بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025، حيث تم تقليص الدعم للطاقة النظيفة وتوسيع إنتاج الوقود الأحفوري.
هذا التحول أدى إلى خفض توقعات نمو الطاقة المتجددة في الولايات المتحدة بشكل كبير، ما اعتبرته مؤسسات دولية من بينها “وكالة الطاقة الدولية” تراجعًا مؤثرًا في مسار التحول العالمي.

“مأساة السياسة الخضراء”
يأتي التحول العالمي للطاقة في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن العالم يسير نحو ارتفاع حراري يبلغ 2.6 درجة مئوية بحلول عام 2100، وهو ما يتطلب تسريعًا هائلًا في نشر الطاقة المتجددة.
لكن الصراع بين الولايات المتحدة والصين يخلق بيئة تنافسية تعيق هذا التحول، حيث تتحول الطاقة النظيفة من أداة مناخية إلى ساحة نفوذ اقتصادي واستراتيجي.
ففي حين تدفع الصين نحو توسيع صادراتها من التكنولوجيا الخضراء، تعمل واشنطن على تقييد هذا النفوذ عبر الرسوم الجمركية وتشجيع الشركاء على شراء الطاقة الأحفورية الأمريكية.
كما تسعى الولايات المتحدة لتعزيز صادرات الغاز والنفط إلى حلفائها مقابل امتيازات سياسية واقتصادية، في خطوة تعكس استخدام الطاقة كأداة جيوسياسية.

تحولات آسيا.. مركز الثقل القادم
مع انتقال مركز النمو العالمي إلى آسيا، تزداد أهمية دول مثل الهند وإندونيسيا وفيتنام في تحديد مستقبل الطلب على الطاقة.
وفي هذا الإطار، تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة تشكيل سلاسل الإمداد عبر اتفاقيات طويلة الأجل، بينما تتجه بعض الدول الآسيوية إلى سياسات أكثر توازنًا.
وتبرز الهند كنموذج مهم، حيث تعمل على تطوير صناعة محلية للطاقة الشمسية، تجاوزت قدرتها الإنتاجية 210 جيجاوات، ما يمنحها قاعدة قوية لتأمين احتياجاتها المستقبلية من الطاقة.

خلاصة المشهد
يرى محللون أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في التكنولوجيا أو التمويل، بل في كيفية فصل التحول الطاقي عن صراعات النفوذ الدولي.
فبينما تتقدم الطاقة المتجددة عالميًا، يظل المسار مرهونًا بقدرة القوى الكبرى على تحويل المنافسة من صراع صفري إلى تعاون يسرّع مواجهة أزمة المناخ.

