وجهات نظر

د.محمود محمد عبدالحليم: التغيرات المناخية.. التداعيات وتنمية الوعي المجتمعي

أستاذ الإعلام بجامعة عين شمس

تغير المناخ هل هو حقيقي؟

اليوم يتحدث الجميع عن الطقس، ولكننا لسنا هنا للحديث عن الطقس. نحن هنا للحديث عن المناخ. وهما شيئان مختلفان. فالطقس ظروف مناخية تحدث بمدة قصيرة؛ تكون يومًا، أو أسبوعًا، أو شهرًا، ولكن المناخ؛ هو العالم الذي نعيش فيه جميعًا.

عكس الطقس، نحن جميعًا نؤثر في المناخ يوميًا ويشارك الكثير منا بنشاط في تغييره إلى الأسوأ، يؤثر تغير المناخ على حياتنا جميعًا، ليس فقط من خلال كوارث الطقس المتطرفة اليوم، ولكنه يؤثر في درجات حرارة سطح الأرض المرتفعة بقوة، وأنماط الطقس المتغيرة بشدة، والتي تؤثر في صحتنا وتهدد أمن غذائنا، وسبل عيشنا وتدمر البنية التحتية لبلدنا واقتصادنا.
فعلى مدار تاريخ الأرض الطويل، كانت مرات دافئة ومرات باردة، وحدثت ظاهرة تغير المناخ كثيرًا قبل ذلك، عندما تلقى كوكبنا بسبب التحولات الطفيفة في مداره أشعة الشمس إما بكمية أكبر أو أقل، أو بسبب تغير الغلاف الجوي وسطح الأرض، أو بسبب طاقة الشمس نفسها، ولكن في العصر الحالي كانت قوى جديدة مسببة للتغير المناخي؛ وهي النشاط البشري.
لقد أدت الغازات الدفيئة التي ولّدها النشاط البشري منذ بداية العصر الصناعي إلى ارتفاع درجة حرارة كوكبا بأكثر من درجة واحدة مئوية” 1.01″، وبدون اتخاذ إجراءات جادة للحد من هذه الانبعاثات، فإن الأمر سيزداد سوءًا. لذلك ستتحدد الإجراءات التي تتخذها دول العالم خلال العقد القادم، الدرجة التي سوف يعاني بها الناس في كل أنحاء العالم.

ما هو تغير المناخ ؟

ويُعرف تغير المناخ بأنه التغيرات طويلة المدى التي تحدث على مدى قرون أو عقود، وهو ناتج عن الزيادة السريعة في غازات الاحتباس الحراري بالغلاف الجوي بسبب احتراق الوقود الأحفوري (النفط، والفحم، والغاز الطبيعي)، وتتسبب بدورها في ارتفاع درجة حرارة سطح الأرض والمحيطات، مما أسهم في ارتفاع مستوى سطح البحر، وتغيرات في أنماط العواصف والتيارات المحيطة، وتغيرات في معدل نسب هطول الأمطار، وذوبان الصفائح الجليدية وغير ذلك.

زيادة درجة حرارة الأرض 1.1 درجة مئوية عن مستويات ما قبل العصر الصناعي.

قديمًا شهد كوكبنا تغير المناخ دون مساعدة بشرية، ولكن الاحترار العالمي اليوم حدث بسرعة أكبر من أحداث الاحترار السابقة، حسب التقرير الصادر من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ ” IPCC”، أن الأنشطة البشرية تسببت في احترار عالمي بمقدار ” 1.01″ درجة مئوية فوق مستويات ما قبل العصر الصناعي، ومن المرجح أن يبلغ الاحترار العالمي 1.5 درجة مئوية بين عامي 2030-2052 إذا ما استمرت الزيادة بنفس المعدل الحالي، وهذا المسئول عن جعل كوكبنا أكثر دفئًا.

إذاً ما العلاقة بين زيادة ثاني أكسيد الكربون والاحتباس الحراري؟

تأتي الطاقة التي تدفئ الكوكب من الشمس، والتي تبعد عن الأرض 150 مليون كيلو متر، وبالتالي يستغرق الوصول وصول الأشعة إلينا 8 دقائق، حتى تضرب المحيطات واليابس ثم ينعكس قدر كبير من هذه الأشعة مرة أخرى بالفضاء كأشعة تحت حمراء، ولكن بعض أطراف الغلاف الجوي تمسك هذه الأشعة وتمنعها من الخروج، وتسهم غازات الاحتباس الحراري المتواجدة في غلافنا الجوي بحبس الطاقة بالقرب من سطح الأرض، مما يؤدي لارتفاع درجة حرارة المحيط واليابس، تشمل غازات مثل; بخار الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز، وهذه الغازات تشكل جزءًا صغيرًا فقط من هواءنا، وتتصرف هذه الغازات مثل الغطاء.

في حقيقة الأمر لولا وجود هذه الغازات لكان كوكب الأرض أبرد بحوالي 60 درجة فهرنهايت مما هو عليه الآن، ولذلك فإن أبسط مهمة للمناخ هي تحقيق التوازن بين هذه الطاقة التي تطلقها الأرض والكمية القادمة من الشمس، لذلك لابد أن تتساوي الطاقة الواردة مع الطاقة الخارجة، وإن حدث خلل فسوف ترتفع درجة الحرارة أو تبرد لإعادة التوازن، واليوم نحن نعلم أن الجو يزداد دفئًا ونعلم من الفيزياء أن غازات الاحتباس الحراري هذه فعالةٌ جدًا في تدفئة كوكبنا.

هل الغازات الدفيئة مسئولة عن هذا الاحترار الذي نشهده اليوم ؟

الإجابة نعم قام العلماء بقياس نسبة الغازات الدفيئة بالغلاف الجوي لعقود ولاحظوا ارتفاعًا كبيرًا في تركيزها في غلافنا الجوي، وهذه الزيادة تتطابق مع معدل استخدامنا للوقود الأحفوري منذ 100 عام، لذلك هناك اتفاق علمي يصل لـ 90إلى 100% على أن تغير المناخ يحدث وعلى ارتفاع درجة حرارة الأرض، باستثناء بعض العلماء الذين غردوا خارج السرب من المدافعين عن شركات النفط.

وقد أجمعت جهات الرصد الأربعة الكبرى، NASA، NOAA، ووكالة الأرصاد الجوية اليابانية، ومكتب الأرصاد الجوية بمركز جورج هادلي، على أن مناخ الأرض يتغير، وقد تم كتابة تقارير التقييم من قبل مئات العلماء الذين راجعوا نتائج الأوراق العلمية الفردية التي تتفق مع فكرة أن البشر هم المتسببون في ارتفاع درجة حرارة الأرض، لتتأكد من أنها موضوعية وغير سياسية. لذا فهناك إجماع كاسح بين من يدركون حقائق الأمور على أن الوضع سيزداد سوءًا ما لم نقلل من انبعاثات الغازات الدفيئة.

غاز ثاني أكسيد الكربون وتغير المناخ

قبل الثورة الصناعية تغير مناخ الأرض طبيعيًا ولم يكن للنشاط البشري أي علاقة بالتغير، ولا تزال تلك العوامل الطبيعية موجودة ليومنا هذا، مثل النشاط البركاني والبراكين ولكن تأثيرها ضئيلٌ، ويحدث ببطءٍ شديد مقارنةً بالتأثيرات البشرية، ولذلك تنبأ العلماء العاملون بمرصد ماونا لوا في هاواي، أنه من المفيد قياس تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وبالفعل بدأ القياس منذ خمسينيات القرن الماضي، في حقيقة الأمر لولا هذا الجهد الكبير ما استطعنا اليوم معرفة تأثيرنا على الكوكب، فوصل تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون اليوم لـ 419 جزء من المليون، بزيادة قدرها 130 مليون جزء من المليون منذ الثورة الصناعية مقارنةً بدورات العصر الجليدي التي درسها العلماء من عينات اللب الجليدية العميقة Deep Ice Cores بالقارة القطبية الجنوبية وجرينلاند، وهذا هذا التقلب كبير جدًا مثل أي تقلب عرفناه في 800000 عامًا الماضية،” 800000 سنة ” هي المدة التي تعود فيها أطول نوى جليدية في الزمن، ولكننا احتجنا فقد ل200 عام لإجراء تغير في الكوكب يستغرق آلاف السنين إن لم نقل عشرات الآلاف من السنين.

تشير الأدلة العلمية إلى أن الأنشطة البشرية المعتمدة على حرق الوقود الأحفوري تعكس الزيادة الكبيرة في تركيز الكربون بالغلاف الجوي، وقياساتنا لمقدار ثاني أكسيد الكربون الزائد الذي يمكن للمحيطات والنباتات على الأرض امتصاصه بصورةٍ أصغر بكثير من انبعاثاتنا التراكمية.

نجد أن الدولة الأكثر تصديرًا للكربون والمتحكمة في 30% من الانبعاثات العالمية هي الصين بما يزيد قليلاً عن 10000 ميجا طن أو 10 جيجا طن، ثم الولايات المتحدة مسئولة عن 5400 ميغا طن،ثم صدرت الهند 2500 ميغا طن من انبعاثات الكربون. وتستمر قائمة البلدان في النزول، ومن الملاحظ أن الصين احتلت صدارة القائمة مؤخرًا قبل ذلك كانت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي الأكثر تصديرًا للكربون، وحتى نكون منصفين الصين ليست مسئولة بشكل أوحد عن تلك الانبعاثات لأن معظم المصانع بالأساس هى أمريكية وأوروبية.

القطاعات المتسببة في انطلاق غازات الاحتباس الحراري

نجد أن القطاع الأكبر سببا لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري هو قطاع النقل؛ الذي يطلق 27% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بسبب حرق الوقود الأحفوري واستخدامه بالسيارات والشواحن والقطارات والطائرات والسفن فأكثر من 90% من الوقود المستخدم بالنقل يعتمد على أساسًا البترول، ثم قطاع إنتاج الكهرباء بنسبة 25%، فهناك ما يقرب من 60 ٪ من الكهرباء اليوم تأتي من حرق الوقود الأحفوري، ومعظمها من الفحم والغاز الطبيعي.

ويليه قطاع الصناعة بنسبة 24% والتي تأتي أساسًا من حرق الوقود الأحفوري للطاقة، ثم يليه القطاع السكني والتجاري وهو المسئول عن 13% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري،وتتولد انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من الشركات والمنازل بشكل أساسي من الوقود الأحفوري المحروق لأغراض التدفئة، واستخدام بعض المنتجات التي تحتوي على غازات الاحتباس الحراري، وسوء التعامل مع النفايات.

ثم استغلال الأراضي الزراعية وإزالة الغابات بنسبة 13%، فيمكن أن تعمل الأراضي الزراعة والغابات كبالوعة (تمتص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي) أو كمصدرٍلانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، فمع إزالة الغابات أصبحت متسببة في 13% من إنتاج الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

وأخيرًا قطاع الزراعة مسئول عن 11% تأتي من الماشية مثل زيادة أعداد الأبقار، والتربة الزراعية، وإنتاج الأرز.

الخاتمة

تشير كل التوقعات على أسوأ تقدير استمرار ارتفاع درجة حرارة المحيط واليابس، ولا يوجد أي توقع لو بسيط أن الكوكب سيحافظ على متوسط درجة حرارته الحالية، ولكنه سيدفأ أكثر وأكثر، ومن المحتمل أن ينعكس ذلك على أنماط حياتنا ورفاهيتنا، فكلما زادت الممارسات البشرية زادت معاها التغيرات المناخية، فأمام الأرض حوالي 10 سنوات لخفض غازات الاحتباس الحراري وانبعاثات الكربون لمنع حدوث أضرار لا رجعة.

 

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading