كم قطعة ملابس نحتاج حقًا؟ دراسة تكشف معادلة خزانة الملابس المستدامة
خزانتك أكبر مما تتخيل.. لماذا أصبحت الملابس الزائدة عبئًا على المناخ؟
يعتقد كثير من الناس أنهم يمتلكون ملابس أكثر مما يحتاجون، لكن القليل منهم يعرف ما العدد المناسب فعلًا لبناء خزانة ملابس مستدامة، وبينما يربط البعض المشكلة بالفوضى المنزلية أو الإنفاق الزائد، تكشف الأبحاث الحديثة أن القضية تتجاوز ذلك لتصبح تحديًا بيئيًا يرتبط مباشرة بتغير المناخ واستهلاك الموارد الطبيعية.
فخلال ستينيات القرن الماضي، كان متوسط ما يمتلكه الفرد من الملابس يقترب من 40 قطعة فقط. أما اليوم فقد ارتفع هذا الرقم إلى نحو 199 قطعة في المتوسط، وفقًا لدراسات حديثة، مع استمرار الاتجاه التصاعدي في معدلات الاستهلاك.
واللافت أن ما بين 25% و50% من هذه الملابس لا يُستخدم بانتظام، بل يبقى حبيس الأدراج والخزائن لفترات طويلة، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من الموارد التي استُهلكت لإنتاج هذه القطع يذهب هباءً.
البصمة البيئية المخفية للملابس
وراء كل قطعة ملابس قصة طويلة من استهلاك الطاقة والموارد والانبعاثات الكربونية، فقبل أن تصل القميص أو السترة إلى خزانة المستهلك، تمر بمراحل إنتاج متعددة تشمل زراعة أو تصنيع الألياف، والغزل، والنسج، والصباغة، والخياطة، والتعبئة، والنقل عبر سلاسل توريد عالمية معقدة.
لذلك فإن أي قطعة تُشترى ثم تُهمل دون استخدام كافٍ تمثل هدرًا للموارد الطبيعية والطاقة المستخدمة في إنتاجها، فضلًا عن مساهمتها في زيادة النفايات والانبعاثات المرتبطة بصناعة الأزياء.
التبرع ليس الحل السحري

عند التفكير في التخلص من الملابس الزائدة، يلجأ كثيرون إلى التبرع بها للجمعيات الخيرية، باعتباره خيارًا بيئيًا وأخلاقيًا.
لكن الدراسات تشير إلى أن معظم المؤسسات الخيرية تواجه تدفقًا هائلًا من الملابس يفوق قدرتها على إعادة البيع أو التوزيع.
وفي كثير من الحالات لا يُعاد استخدام سوى نسبة محدودة من الملابس المتبرع بها، بينما ينتهي الجزء الأكبر إلى مكبات النفايات أو يُصدر إلى دول أخرى، ما ينقل المشكلة بدلًا من حلها.
عدد مرات الارتداء هو العامل الحاسم
توضح الأبحاث الحديثة أن الأثر البيئي للملابس لا يرتبط فقط بطريقة تصنيعها أو نوع خاماتها، بل يعتمد بدرجة كبيرة على عدد مرات استخدامها.
فكلما ارتُديت القطعة مرات أكثر، توزعت البصمة الكربونية الناتجة عن إنتاجها على فترة زمنية أطول، ما يقلل أثرها البيئي النسبي.
وفي هذا السياق، حدد الاتحاد الأوروبي الحد الأدنى المقترح لعدد مرات ارتداء بعض أنواع الملابس لتحقيق قدر أفضل من الاستدامة:
• القمصان والبلوزات: 40 مرة على الأقل.
• القمصان القطنية (تي شيرت): 45 مرة.
• السراويل والفساتين والتنانير والملابس المشابهة: 70 مرة.
• السترات الخفيفة والكارديغان والهودي: 85 مرة.
• المعاطف والسترات الثقيلة: 100 مرة أو أكثر.
وتكشف هذه الأرقام أن الاستدامة لا تبدأ فقط من شراء منتجات أفضل، بل من استخدام الملابس الموجودة بالفعل لفترات أطول.
معادلة خزانة الملابس المستدامة

أظهرت دراسة حديثة أن حجم خزانة الملابس يجب أن يرتبط بمعدل استخدام القطع الموجودة فيها.
فعلى سبيل المثال، إذا امتلك شخص 23 فستانًا ويرتدي فستانًا واحدًا فقط أسبوعيًا، فإنه سيحتاج إلى نحو 31 عامًا حتى يرتدي كل فستان 70 مرة، وهو الحد الأدنى المقترح للاستدامة.
أما إذا كان يرتدي الفساتين خمس مرات أسبوعيًا، فإن المدة اللازمة تنخفض إلى نحو ست سنوات ونصف فقط.
وتوضح هذه الحسابات أنه لا يوجد رقم سحري أو عدد موحد للملابس يمكن اعتباره مستدامًا للجميع، لأن الأمر يعتمد على نمط الحياة والمناخ والعادات الشخصية وطبيعة العمل وعدد مرات الغسيل والتبديل.
هل تكفي 85 قطعة فقط؟
في عام 2022، اقترح تقرير صادر عن معهد “هوت أور كول” الألماني للاستدامة أن امتلاك 85 قطعة ملابس أو أقل يمكن أن يمثل هدفًا معقولًا لتقليل الأثر البيئي المرتبط بالاستهلاك.
لكن الباحثين يؤكدون أن فرض حد ثابت على الجميع لا يعكس الفروق الفردية في أنماط الاستخدام، إذ قد يحتاج بعض الأشخاص إلى عدد أكبر أو أقل من القطع تبعًا لظروفهم المعيشية والمهنية.
ولهذا يعمل الباحثون حاليًا على تطوير أدوات تفاعلية تساعد الأفراد على حساب الحجم المستدام لخزائنهم بناءً على معدل استخدامهم الفعلي للملابس، بدلًا من الاعتماد على أرقام عامة قد لا تناسب الجميع.
الاستدامة ليست في الامتلاك بل في الاستخدام
تخلص الدراسة إلى أن الاستدامة في عالم الأزياء لا تعني التخلص من نصف الملابس أو السعي وراء رقم مثالي ثابت، بل تتمثل في فهم العلاقة بين ما نمتلكه وما نستخدمه بالفعل.
فكل قطعة تُرتدى مرات أكثر تحقق استفادة أكبر من الموارد التي استُخدمت لإنتاجها، بينما تمثل الملابس المهملة عبئًا بيئيًا متزايدًا مهما كانت جودتها أو سعرها.
وفي ظل التوسع المستمر لصناعة الأزياء السريعة، يبدو أن الشعار الأكثر فاعلية للحد من الأثر البيئي ليس “اشترِ أفضل”، بل “ارتدِ ما تملكه أكثر”.






Very well presented. Every quote was awesome and thanks for sharing the content. Keep sharing and keep motivating others.