د. طارق قابيل: الزراعة الذكية مناخيًّا.. تواجه المتغيرات المناخية وتحديات الأمن الغذائي
أكاديمي، كاتب، ومترجم، ومحرر علمي، عضو هيئة التدريس -كلية العلوم -جامعة القاهرة

يتزايد عدد سكان العالم بنحو ثلاثة أشخاص كل ثانية، أي ما يعادل 250 ألف شخص في اليوم الواحد، وبحلول عام 2025 سيصل عدد سكان العالم إلى 8 مليارات نسمة، ومن المتوقع أن يصل عدد سكان كوكب الأرض إلى نحو 9.6 مليار نسمة في عام 2050 بحسب الأرقام الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة.
ومع هذه الزيادة الكبيرة المتوقعة في عدد السكان، تزداد المخاوف تجاه توفير الغذاء وتحقيق الأمن الغذائي لسكان الأرض، والحفاظ على الأراضي الصالحة للزراعة، خصوصًا مع تفاقم مشاكل تغير المناخ، ونضوب الموارد النفطية، وتلوث المياه والتربة.
ولمواكبة هذه الزيادة المضطردة يتوجب على المزارعين زيادة إنتاج الغذاء مع الحفاظ على البيئة، واستخدام الموارد الطبيعية بشكل رشيد، لكنهم لا يستطيعون القيام بذلك بمفردهم، كما أن أساليب الزراعة التقليدية لا تمكنهم من فعل ذلك.
ومن المعروف أن الثورة الصناعية أثمرت عن منتجات جعلت الحياة أسهل وأيسر، لكنها في المقابل ألحقت الضرر بالغلاف الجوي للأرض، الذي بات عاجزا عن تصريف مخرجات تلك الصناعة من الغازات، الأمر الذي تسبب في ارتفاع درجة حرارة سطح الأرض، وما ترتب على ذلك من موجات جفاف بدأت تضرب بعض الدول في السنوات الأخيرة.
وتلعب التقنيات الحديثة دورًا حاسمًا في المساعدة في تلبية الاحتياجات الغذائية المتزايدة لسكان العالم، من خلال استخدام أنظمة إدارة وتحليل البيانات، وتقنيات التحكم عن البعد، إضافة إلى استخدام أبرز تقنيات الثورة الصناعية الرابعة مثل الذكاء الاصطناعي والروبوت وإنترنت الأشياء، وذلك لجعل الزراعة أكثر إنتاجيةً وربحيةً، وأقل ضررًا على البيئة وأقل استهلاكًا لموارد الأرض.
ومن المتوقع أن يؤدي تغير المناخ إلى تقليل هطول الأمطار بنسبة تصل إلى 50%، وزيادة درجات الحرارة حتى 4 درجات مئوية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بحلول نهاية القرن، لذلك يجب تطوير تقنيات جديدة ونشرها للاستعداد لمواجهة أسوأ الظروف المناخية.
وهنا يأتي دزر الزراعة الذكية، والزراعة الذكية مناخيا هي وسيلة لتحديد أي نظم الإنتاج والمؤسسات والسياسات هي الأنسب للرد على تحديات تغير المناخ في مواقع محددة.
وفي الوقت نفسه فهي تهدف إلى زيادة الإنتاجية و/أو الدخل. وهي واحدة من 11 مجال مؤسسي لتعبئة الموارد في إطار الأهداف الاستراتيجية لمنظمة الفاو.
وهي تتماشى مع رؤية المنظمة للأغذية والزراعة المستدامين وتدعم هدف المنظمة لجعل الزراعة والغابات ومصايد الأسماك أكثر إنتاجية وأكثر استدامة.
الزراعة الذكية مناخيًّا
الزراعة الذكية مناخيًّا هي النهج الذي يساعد على توجيه الإجراءات اللازمة لتحويل وإعادة توجيه النظم الزراعية لدعم التنمية بصورة فعالة وضمان الأمن الغذائي في وجود مناخ متغير.
وهي توجه متكامل لإدارة المساحات الأرضية الطبيعية بما فيها من أراضٍ مزروعة، ومواشٍ، وغابات، ومصايد سمكية؛ بحيث يخاطب ذلك النوع من الزراعة التحديات المتشابكة للأمن الغذائي وتغير المناخ.
وتهدف الزراعة الذكية مناخيًّا لمعالجة الثلاثة أهداف الرئيسية وهي: زيادة مستدامة في الإنتاجية الزراعية والدخل. التكيف وبناء القدرة على التكيف مع تغير المناخ؛ وخفض و/أو إزالة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، حيثما كان ذلك ممكنا.
وتقوم الزراعة الذكية مناخيًّا على الخبرات الموجودة فعليًّا ومعرفة التنمية الزراعية المستدامة.
ومن أساس الزراعة الذكية مناخيًّا التكثيف المستدام؛ فيسهم الاستخدام الأكثر فاعلية للموارد في التأقلم مع تأثيرات تغير المناخ وتخفيفها من خلال التأثير في إنتاج المزارع ودخولها، وكذلك تقليل الانبعاثات لكل وحدة من المنتج.
التكثيف المستدام بالأراضي الزراعية الحالية إمكانيات كبيرة فيما يتعلق بتخفيف آثار تغير المناخ، وذلك بتخفيض تحويل الغابات والأراضي الرطبة إلى استخدامات أخرى.
تعزز الزراعة الذكية مناخيًّا الأنظمة الزراعية التي تستخدم خدمات الأنظمة البيئية لدعم الإنتاج، والتأقلم، وتخفيف وطأة تغير المناخ.
تشمل الأمثلة على ذلك: المحاصيل والثروات الحيوانية والمائية المدمجة، والإدارة المحسنة للآفات والمياه والمغذيات، والتوجه الشامل إلى الطبيعة الأرضية، والإدارة المحسنة للأراضي العشبية والغابات، والممارسات مثل الحرث المخفض واستخدام أنواع مختلفة، ودمج الأشجار في الأنظمة الزراعية، وإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة، وتحسين كفاءة استخدام المياه والسماد النيتروجيني، وإدارة التسميد، بما في ذلك استخدام الهضم الحيوي اللاهوائي.
ومن شأن تحسين نوعية التربة إفراز فوائد إنتاجية وتأقلمية وتخفيفية عن طريق تنظيم دورات الكربون، والأكسجين، والمغذيات النباتية؛ ما يؤدي إلى مرونة محسنة في مواجهة الجفاف والفيضان، وكذلك حبس الكربون.
إلا أنه يجب مصاحبة تلك التغيرات في الإمدادات بمجهودات لتغيير أنماط الاستهلاك، وتخفيض الهدر والمخلفات الناتجة، وإنشاء محفزات إيجابية على طول السلسلة الإنتاجية.
التقليل من انبعاثات غازات الدفيئة
يمكن للممارسات الزراعية الذكية مناخيَّا أن تساعد على التقليل كثيراً من انبعاثات غازات الدفيئة الناجمة عن الحيوانات الزراعية. وكثيراً ما تحقِّق هذه الممارسات فوائد على صعيدي الاقتصاديات الزراعية والبيئة على السواء. وعلى سبيل المثال، فلا تقتصر الفائدة المستمدة من توفير نوعية أفضل من العلف وتحقيق التوازن بين أنواعه على خفض الانبعاثات المعوية والروثية من غازات الدفيئة، وإنما تشمل أيضاً المساعدة على زيادة إنتاجية المزارعين ومن ثمَّ دخولهم.
كما أنَّ تحسين الممارسات في مجالي الاستيلاد والصحة الحيوانية يساعد على تقليل عدد رؤوس الاستيلاد غير المنتجة (الحيوانات التي جرى تخصيصها للاستيلاد ولكنها لم تبدأ في الإنتاج بعدُ رغم أنها تستهلك قدراً من الموارد) وعلى خفض الانبعاثات ذات الصلة.
والانبعاثات التي تصدر عن تربية الماشية لإنتاج اللحوم والحليب معاً، كما يفعل صغار المزارعين في مزارعهم المزدوجة الغرض، أقل مما يصدر عن المزارع المتخصصة التي تقتصر على إنتاج اللحوم أو الألبان.
ويمكن الاستعانة بالتوصيف الوراثي والاستيلاد بمساعدة الواسمات وتحسين التغذية للمساعدة على تحسين جودة وكمية اللحوم الناتجة من حيوانات الألبان.
يستكشف العلماء أيضا في أجزاء أخرى من العالم حلولا تعتمد على التقنية المتقدمة للتعامل مع التداعيات المدمرة لتغير المناخ على الزراعة، بما في ذلك الجفاف وفقدان الأراضي الصالحة للزراعة بسبب التصحر، ولتلبية الطلب المتزايد على الغذاء لسكان العالم الذين تستمر أعدادهم في التزايد.
ومع تقدم التقنيات، تعمل الزراعة الذكية على تحويل الزراعة من ممارسة تعتمد بشكل كبير على خبرة وحدس المزارعين إلى صناعة أساسها البيانات، ما يفتح المجال أمام نطاق أوسع من المشاركة في العملية.
تقنيات المستقبل لتحقيق الأمن الغذائي
الزراعة الذكية مناخياً، يمكن تحقيقها عبر توفير أصناف من المحاصيل المقاومة للمناخ، توفر دفاعا حاسما ضد درجات الحرارة المرتفعة، وندرة المياه والأمراض الجديدة، كما يمكن أن تتحقق أيضا بالترويج لممارسات زراعية مقاومة لتداعيات تغير المناخ مثل ندرة المياه.
ويحمل عدد من مراكز الأبحاث حول العالم في جعبته البحثية الكثير من الحلول يمكن وضعها تحت عنوان “الزراعة الذكية مناخيا”، ويكشف تقرير الإيكاردا لعام 2021 حول جهود الزراعة الذكية مناخيا، الكثير من قصص النجاح، منها قصة محصول القمح في المغرب، والتي كشفت عن نجاح ملحوظ في موسم الجفاف الذي شهدته المغرب عام 2020.
طور برنامج الإيكاردا للقمح في المغرب الممول من الاتحاد الأوروبي والصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)، أصناف قمح خبز مقاوم للحرارة ومقاوم للصدأ وذباب الهس، وأظهرت هذه الأصناف ميزة زيادة الإنتاجية بنسبة 50% عن الأصناف المزروعة حالياً.
وحاليا، يتأرجح العالم على حافة جرف خطر؛ فإذا لم نلتزم معًا لاتخاذ الإجراءات الجادة، فإن مستقبل البشرية يبدو قاتمًا.
ويُعدُّ الأمن الغذائي من بين أكثر أساسيات حقوق الإنسان التي يجب تأمينها واستدامتها إلحاحًا؛ إن لم يكن على رأس القائمة بالفعل.
لذا يجب أن تصبح الزراعة مرنة في مواجهة المناخ، ومن ثم يجب أن تتبني مصر الزراعة الذكية مناخيًّا؛ ويمكنها أن تكون إلهامًا للسياسات والاستثمارات المستقبلية.






تعليق واحد