أخبارالزراعة

من دلتا النيل إلى صحراء سيناء.. نماذج مصرية تثبت نجاح الزراعة العضوية

كيف نجحت مشروعات مصرية في الزراعة العضوية؟.. تجارب على أرض الواقع ودروس للمستثمرين الجدد

كتب: محمد كامل

كشف الدكتور محمد فاروق عطية, أستاذ المكافحة الحيوية, استشاري الزراعة العضوية عن أهم اشتراطات التحول للزراعة العضوية مع مختلف الأراضي الزراعية المصرية ي ي الذي يتعرض لمشاكل عديدة في التخزين.

مشروعات وتجارب ناجحة في الزراعة العضوية بمصر

إذا كان الدخول إلى الزراعة العضوية يبدو للمزارع أو المستثمر في البداية مشروعًا محفوفًا بالاشتراطات والتحديات، فإن التجارب الموجودة بالفعل في مصر تقدم نماذج عملية توضح أن الزراعة العضوية يمكن أن تتحول من فكرة بيئية إلى مشروع إنتاجي واقتصادي قابل للاستمرار والتوسع.

وتتنوع هذه التجارب بين مزارع عضوية قائمة منذ سنوات، ومشروعات تعتمد على الزراعة التجديدية واستعادة خصوبة التربة، ومبادرات جديدة تستهدف إدخال ممارسات الزراعة العضوية إلى مساحات أكبر ودعم المجتمعات المحلية.

الزراعة العضوية في مصر
الزراعة العضوية في مصر

نموذج من دلتا النيل يجمع الزراعة العضوية باستعادة التربة

من أبرز النماذج المصرية التي يمكن التوقف عندها تجربة رامسكو في دلتا النيل، والتي بدأت الزراعة في مزرعتها منذ عام 2007.

ويقوم النموذج على زراعة المحاصيل الموسمية مع إعادة مخلفات المزرعة إلى التربة، حيث تتحول بقايا النباتات إلى كمبوست وفحم حيوي، بما يسمح بإعادة الكربون والعناصر الغذائية إلى التربة بدلًا من التخلص من المخلفات بالحرق أو الردم.

وتوضح الشركة أن المزرعة تنتج نحو 30 نوعًا من الخضروات والأعشاب، وتستخدم الري بالتنقيط، وتعتمد على التسميد العضوي والممارسات التي تستهدف تحسين صحة التربة، كما توظف نساء من القرى المجاورة وتوفر لهن التدريب والعمل بأجر متساوٍ.

ولا تقتصر التجربة على إنتاج الغذاء، وإنما تربط بين الزراعة وإدارة المخلفات وترشيد المياه واستعادة التربة وخلق فرص العمل الريفية، وهو ما يجعلها نموذجًا مهمًا للمستثمر الذي يريد النظر إلى المزرعة باعتبارها منظومة متكاملة وليست مجرد مساحة لإنتاج المحاصيل.

مشروعات وتجارب ناجحة في الزراعة العضوية بمصر
مشروعات وتجارب ناجحة في الزراعة العضوية بمصر

وتشير رامسكو إلى أن استخدام الفحم الحيوي مع الري بالتنقيط يمكن أن يحقق وفرًا في استهلاك المياه، كما تعتمد المزرعة على إعادة تدوير مخلفاتها في إنتاج الكمبوست والفحم الحيوي.

ما الذي يمكن أن يتعلمه المستثمر من رامسكو؟

  • تحويل المخلفات الزراعية إلى مدخل إنتاج بدلًا من اعتبارها عبئًا.
  • الاستثمار في صحة التربة على المدى الطويل.
  • دمج الكمبوست والفحم الحيوي والري بالتنقيط.
  • عدم الاعتماد على منتج واحد فقط.
  • ربط الإنتاج الزراعي بالتعبئة والتسويق والوصول إلى المستهلك.
  • إدخال البعد الاجتماعي وخلق فرص العمل ضمن نموذج المشروع.

الزراعة العضوية في قلب صحراء سيناء

تقدم مزرعة حبيبة العضوية في نويبع بجنوب سيناء تجربة مختلفة تمامًا، إذ أُسست عام 2007 في بيئة صحراوية قاحلة بين البحر الأحمر وجبال سيناء.

وتصف مصادر متخصصة المشروع بأنه تجربة زراعية تهدف إلى تطوير تقنيات مناسبة للبيئة الصحراوية في سيناء، ونجحت المزرعة في اختبار وزراعة عدد من المحاصيل القادرة على تحمل الظروف القاحلة وارتفاع ملوحة مياه الري المتاحة في المنطقة.

وتتجاوز أهمية التجربة فكرة إنتاج الخضروات العضوية، إذ ارتبط المشروع بتطوير تقنيات زراعية مناسبة للمناطق الجافة، ودعم المجتمعات المحلية، ومواجهة التصحر وتدهور الأراضي. وتصف مبادرات دولية حبيبة بأنها مزرعة عضوية وتجديدية تعمل أيضًا كمركز للتجربة وتبادل المعرفة الزراعية.

مزرعة حبيبة العضوية عام 2007 في صحراء سيناء، وتنتج الفواكه والخضروات والدواجن والأعلاف العضوية
مزرعة حبيبة العضوية عام 2007 في صحراء سيناء، وتنتج الفواكه والخضروات والدواجن والأعلاف العضوية

لماذا تهم هذه التجربة المستثمر؟

لأنها تقدم إجابة عملية عن سؤال مهم: هل يمكن إنشاء زراعة عضوية ناجحة في الأراضي الصحراوية المصرية؟

وتثبت تجربة حبيبة أن طبيعة الأرض الصحراوية لا تعني بالضرورة استحالة الإنتاج، لكنها تتطلب اختيار المحاصيل المناسبة، وإدارة المياه بكفاءة، وتحسين التربة، وفهم الظروف المناخية والبيئية للموقع قبل الاستثمار.

جنوب سيناء.. مشروع جديد على مساحة 600 فدان

ومن التجارب الأحدث في هذا المجال مشروع الزراعة العضوية واستعادة النظم البيئية في جنوب سيناء، الذي يستهدف تطبيق ممارسات الزراعة العضوية والتجديدية على مساحة تصل إلى 600 فدان.

ويُنفذ المشروع بالتعاون بين عدد من الجهات والشركات، من بينها شركة إيني للبترول، وشركة بترول بلاعيم «بتروبل»، ومديرية الزراعة بجنوب سيناء، ومركز البصمة الكربونية بجامعة هليوبوليس، والجمعية المصرية للزراعة الحيوية.

ويستهدف المشروع دعم نحو 250 مزارعًا و60 سيدة وأسرهم، إلى جانب نحو 2000 مستفيد بصورة غير مباشرة، مع التركيز على تحسين جودة التربة والمياه، وتعزيز المرونة الاقتصادية للمجتمعات المحلية.

كما يتضمن المشروع دعم إنتاج النباتات الطبية والعطرية، وتعزيز سلاسل القيمة وفتح أسواق جديدة للمنتجات العضوية، بما يعكس اتجاهًا نحو ربط الزراعة العضوية ليس فقط بالإنتاج الزراعي، وإنما أيضًا بالتصنيع والتسويق والسياحة البيئية والتنمية المحلية.

الزراعة العضوية وتجديد التربة وإعادة تدوير المخلفات والري بالتنقيط وخلق فرص عمل ريفية
الزراعة العضوية وتجديد التربة وإعادة تدوير المخلفات والري بالتنقيط وخلق فرص عمل ريفية

ماذا تكشف هذه التجارب للمستثمر؟

عند النظر إلى هذه النماذج الثلاثة، تظهر مجموعة من الدروس المهمة للراغبين في دخول مجال الزراعة العضوية في مصر.

أولًا: الموقع ليس عائقًا في حد ذاته.

فالتجارب تمتد من دلتا النيل إلى البيئة الصحراوية في جنوب سيناء، لكن لكل منطقة نموذجها الخاص في إدارة التربة والمياه واختيار المحاصيل.

ثانيًا: الزراعة العضوية ليست مجرد استبدال المبيد الكيميائي بمبيد حيوي.

التجارب الناجحة تتعامل مع المزرعة باعتبارها نظامًا متكاملًا يشمل التربة والمياه والمخلفات والعمالة والإنتاج والتسويق.

ثالثًا: المخلفات يمكن أن تتحول إلى قيمة اقتصادية.

تجربة رامسكو تقدم مثالًا على إعادة المخلفات إلى التربة في صورة كمبوست وفحم حيوي، بدلًا من التخلص منها.

رابعًا: المياه عنصر حاسم في المناطق الصحراوية.

وتوضح تجربة حبيبة أهمية تطوير تقنيات زراعية تتناسب مع ظروف المياه والتربة والمناخ في المناطق الجافة.

خامسًا: السوق جزء من المشروع منذ البداية.

لا يكفي إنتاج محصول عضوي؛ فالمستثمر يحتاج إلى التفكير منذ البداية في الاعتماد والتعبئة والتسويق والأسواق المستهدفة، خاصة إذا كان يخطط للتصدير.

سادسًا: الزراعة العضوية يمكن أن تصبح مشروعًا تنمويًا متكاملًا.

فالمشروعات الحديثة لا تركز فقط على إنتاج الغذاء، وإنما يمكن أن تجمع بين استعادة التربة، وترشيد المياه، وإدارة المخلفات، وتوفير فرص العمل، ودعم الصناعات المرتبطة بالإنتاج الزراعي.

مشروع مزرعة القويح على مساحة 125 فدانًا، وذلك بهدف خدمة أهالي المناطق النائية بمدينة القصير
مشروع مزرعة القويح على مساحة 125 فدانًا، وذلك بهدف خدمة أهالي المناطق النائية بمدينة القصير

من التجربة إلى الاستثمار

وتشير هذه النماذج إلى أن الاستثمار في الزراعة العضوية في مصر لا ينبغي أن يُبنى على فكرة «زراعة محصول بدون كيماويات» فقط، وإنما على نموذج أعمال متكامل.

فالمشروع الناجح يحتاج إلى أرض مناسبة، ومياه آمنة، وفترة تحول محسوبة، وبرنامج تسميد ومكافحة مناسب، وعمالة مدربة، واعتماد وتفتيش، ثم قناة واضحة للوصول إلى المستهلك.

ومن هنا، فإن التجارب المصرية القائمة تقدم للمستثمر الجديد فرصة للاستفادة من أخطاء وتجارب من سبقوه، بدلًا من بدء المشروع من الصفر.

وفي ظل امتلاك مصر قاعدة تقدر بنحو 970 مزرعة عضوية على مساحة 276.5 ألف فدان، إلى جانب 232 شركة تعمل في المنتجات العضوية وفق الأرقام التي أوردها الدكتور محمد فاروق عطية، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد توسعًا أكبر إذا جرى تخفيض تكلفة الاعتماد والتفتيش، وتوفير التدريب والدعم الفني، وربط المنتج العضوي المصري بأسواق ذات طلب مرتفع على الغذاء المستدام.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة