40 عامًا من صور الأقمار الصناعية تكشف أسرار المد والجزر على آلاف الكيلومترات من السواحل
حتى الشواطئ القريبة تختلف.. خرائط بالأقمار الصناعية تكشف تغيرات دقيقة في المد والجزر
كشفت دراسة جديدة أن المد والجزر الساحلي يمكن أن يختلف بصورة ملحوظة بين الشواطئ المتجاورة، رغم قرب المسافة بينها، وهو ما قد يكون له تأثير مباشر في مخاطر الفيضانات الساحلية وسلامة الملاحة والأنشطة البحرية.
واستخدم باحثون 40 عامًا من صور الأقمار الصناعية لرسم تقديرات لحركة المد والجزر على امتداد آلاف الكيلومترات من سواحل المحيط الهادئ، بدقة مكانية تصل إلى نحو 100 متر فقط، أي ما يعادل 330 قدمًا.
وتقدم هذه الطريقة صورة أكثر تفصيلًا للتغيرات المحلية في المد والجزر، في مناطق ظلت لفترة طويلة أقل قياسًا من المحيطات المفتوحة.
قاد الدراسة مايكل هارت-ديفيس من معهد البحوث الجيوديسية الألماني DGFI-TUM في الجامعة التقنية بميونخ، بالتعاون مع باحثين من جامعة أكسفورد ومؤسسات بحثية أخرى.
ونُشرت الدراسة كاملة في دورية Communications Earth & Environment.
وقال توماس موناهان، من قسم علوم الهندسة بجامعة أكسفورد، إن البحث أظهر أن المد والجزر يمكن أن يتغير بصورة كبيرة عبر مسافات قصيرة نسبيًا، مشيرًا إلى أن هذه الاختلافات لا تهم أنشطة مثل الصيد وركوب الأمواج فقط، وإنما يمكن أن يكون لها تأثير كبير على الفيضانات الساحلية.
وأوضح أن الاختلافات قصيرة المدى في المد والجزر قد تجعل منطقتين متجاورتين، على سبيل المثال، إحداهما آمنة من الفيضانات والأخرى معرضة لها خلال العاصفة نفسها.

المناطق الساحلية الأكثر أهمية هي الأقل قياسًا
ظل قياس المد والجزر يعتمد بصورة أساسية لقرون على مقاييس المد والجزر، وهي أجهزة تقيس ارتفاع المياه على مدار الساعة في مواقع ثابتة.
لكن هذه الأجهزة متباعدة جغرافيًا، ما يعني أنها لا تستطيع تقديم صورة دقيقة للتغيرات التي تحدث بين موقع وآخر على امتداد الساحل.
وساعدت الأقمار الصناعية الرادارية في سد كثير من فجوات البيانات في المحيطات المفتوحة، وأسهمت في تحسين النماذج العالمية للمد والجزر.
لكن المشكلة تظل أكبر بالقرب من الشاطئ؛ إذ يغطي القياس الفضائي التقليدي مساحات واسعة من الساحل في قراءة واحدة، وهي مساحة قد تكون أكبر بكثير من المسافات التي تتغير خلالها خصائص المد والجزر من شاطئ إلى آخر.
ويرى الباحثون أن هذا يمثل فجوة مهمة، لأن المناطق الساحلية هي الأكثر ارتباطًا بالأنشطة البشرية وتأثيرات المد والجزر، بما في ذلك الملاحة والتلوث العرضي والسلامة والفيضانات.
وقال هارت-ديفيس إن المد والجزر يمثل عاملًا رئيسيًا في حركة المحيط والنظام المناخي، ورغم دراسته على مدى قرون، فإن المنطقة الساحلية، حيث تكون آثاره أكثر أهمية، لا تزال تعاني نقصًا في البيانات والمعرفة التفصيلية.
كيف تكشف رمال الشاطئ ارتفاع المد؟
اعتمد الباحثون على صور التقطتها أقمار Landsat التابعة لوكالة ناسا وهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، والتي تراقب السواحل نفسها منذ سبعينيات القرن الماضي.
واستخدم الفريق برمجيات لتحديد خط المياه في الصور الخالية من السحب، وصولًا إلى أجزاء صغيرة من البكسل.
وعادةً ما يستخدم علماء السواحل خطوط المياه هذه لرصد تغير شكل الشاطئ، بينما يتعاملون مع تأثير المد والجزر باعتباره عاملًا ينبغي طرحه من الحسابات.
لكن الباحثين استخدموا هذه المرة الشاطئ نفسه كأنه مسطرة طبيعية لقياس ارتفاع المياه.
فعندما يرتفع المد، يتحرك خط المياه إلى أعلى منحدر الشاطئ، وعندما ينحسر المد يتراجع الخط إلى أسفل.
ومن خلال قياس المسافة التي يتحركها خط المياه على الشاطئ ومعرفة درجة انحدار الرمال، تمكن الباحثون من تحويل الحركة الأفقية إلى تقدير لارتفاع المياه.
ورغم أن القمر الصناعي Landsat يمر فوق الموقع نفسه مرة كل 16 يومًا، بينما يرتفع المد وينخفض مرتين تقريبًا يوميًا، تمكن الباحثون من الاستفادة من اختلاف توقيت الصور بالنسبة إلى دورة المد والجزر لاستخراج المكون الرئيسي للمد، وهو المسؤول عن جزء كبير من تغيرات ارتفاع المياه.
وبعض سجلات خطوط الشواطئ التي اعتمد عليها الباحثون تمتد لأكثر من 40 عامًا.

اختلافات كبيرة داخل الخليج الواحد
كشفت الدراسة عن فروق ملحوظة في المد والجزر حتى على امتداد مناطق ساحلية متقاربة.
وفي خليج جنوب تاراناكي في نيوزيلندا، على سبيل المثال، اختلف ارتفاع المد والجزر بنحو 3 أقدام، أو متر واحد تقريبًا، على امتداد ساحل يبلغ نحو 56 ميلًا، أي 90 كيلومترًا.
كما ظهرت تغيرات داخل خليج واحد بالقرب من مدينة كرايستشرش النيوزيلندية.
وفي خليج بيجاسوس شمال المدينة، ارتفع حجم المكون الرئيسي للمد والجزر بنحو بوصتين، أي 5 سنتيمترات، من أحد طرفي الخليج إلى الآخر، وهو ما يعادل أقل قليلًا من 10% من ارتفاع المد هناك.
وفي خليج كانتربري جنوب المدينة، تغير المقياس نفسه بنحو 4 بوصات، أو 10 سنتيمترات، عبر قطاع ساحلي يبلغ نحو درجة واحدة من خط العرض.
أما مضيق كوك، فشهد نقطة تدور حولها حركة المد والجزر، حيث يقترب ارتفاع المد عندها من الصفر.
وعلى طول الحافة الجنوبية للجزيرة الشمالية في نيوزيلندا، تغير توقيت وصول المياه إلى أعلى مستوى بأكثر من نصف دورة المد والجزر عبر مسافة لا تتجاوز 10 أميال، أو 16 كيلومترًا، وهو تغير أكدته أيضًا مقاييس المد والجزر الموجودة في المنطقة.
مقارنة القياسات بالأجهزة والأقمار الصناعية
اختبر الباحثون دقة الطريقة الجديدة من خلال مقارنتها بالقياسات التقليدية في نيوزيلندا.
وفي بعض المناطق التي يتجاوز فيها نطاق المد والجزر 3 أقدام، أو مترًا واحدًا، جاءت تقديرات الطريقة المعتمدة على خطوط الشاطئ ضمن 2.3 بوصة، أو 5.8 سنتيمترات من القياسات الفعلية باستخدام إحدى طرق التحليل، وضمن 3 بوصات، أو 7.7 سنتيمترات باستخدام طريقة أخرى.
ولا تزال النماذج العالمية الرائدة للمد والجزر أكثر دقة، إذ بلغت أخطاؤها مقارنة بمقاييس المد والجزر نحو بوصة واحدة، أو 2.5 سنتيمتر.
لكن الطريقة الجديدة توفر ميزة مهمة، لأنها تعتمد على مصدر بيانات مستقل عن مقاييس المد والجزر وقياسات الارتفاع الفضائية التي بُنيت عليها النماذج العالمية.
كما قارن الفريق نتائجه مع بيانات القمر الصناعي SWOT، الذي أُطلق عام 2022، ويقيس مساحة واسعة من سطح البحر بدلًا من الاعتماد على خط واحد.
وجاءت قياسات SWOT ضمن 1.4 بوصة، أو 3.5 سنتيمترات من مقاييس المد والجزر، بينما اتفقت تقديرات SWOT مع تقديرات الطريقة المعتمدة على خطوط الشاطئ ضمن 1.8 بوصة، أو 4.5 سنتيمترات.
انحدار الشاطئ يمثل التحدي الأكبر

تعتمد الطريقة الجديدة بصورة أساسية على درجة انحدار الشاطئ، وهي أيضًا أحد أكثر عناصر القياس عدمًا في اليقين.
فالطريقة المتاحة لتقدير الانحدار بهذه الدقة المكانية تنتج قيمة خطية واحدة لكل قطاع من الشاطئ يمتد لنحو 20 عامًا.
لكن الرمال تتغير باستمرار بفعل الأمواج، وهو ما يعني أن قيمة الانحدار الواحدة قد لا تمثل جميع التغيرات التي طرأت على الشاطئ بمرور الوقت.
وواجه الباحثون هذه المشكلة عندما حاولوا دراسة تغير المد والجزر عبر العقود.
ففي 5 من أصل 8 مناطق، أشارت سجلات خطوط الشاطئ إلى تغير في المد والجزر على مدار العقود، لكن الباحثين وجدوا أن حجم هذه التغيرات أكبر بكثير من الاتجاهات التي رصدتها مقاييس المد والجزر والأقمار الصناعية الرادارية.
ولذلك يرجح الفريق أن هذه الإشارات تعكس تغير شكل الشواطئ وتحرك الرمال، وليس تغيرًا حقيقيًا في المد والجزر.
المد والجزر الأصغر لا يزال من الصعب قياسه
تواجه الطريقة الجديدة أيضًا صعوبة في رصد بعض أشكال المد والجزر صغيرة النطاق.
فالمد والجزر الذي يحدث مرة واحدة يوميًا في بعض هذه السواحل لا يتجاوز 4 بوصات، أو 10 سنتيمترات، بينما لم يتجاوز أحد مكونات المد والجزر بوصتين، أو 5 سنتيمترات في أي من المناطق التي درسها الفريق.
وأوضح الباحثون أن الإشارات التي تقل عن نحو 4 بوصات تصبح قريبة من مستوى الضوضاء وعدم اليقين في تحديد موقع خط المياه على الشاطئ.
نحو رسم خرائط للمد والجزر في أفريقيا والقطب الشمالي
يرى الباحثون أن أهمية الطريقة لا تقتصر على تحسين فهم المد والجزر، وإنما يمكن أن تساعد في تطوير تقديرات أكثر تفصيلًا للمخاطر التي تواجه المناطق الساحلية.
وقال هارت-ديفيس إن العمل لا يهم المجتمع العلمي فقط، بل كل من يعتمد على السواحل والشواطئ، مشيرًا إلى أهمية دقة جداول وتوقعات المد والجزر بالنسبة إلى الأنشطة البحرية والترفيهية.
ومع ذلك، لا يزال من الصعب في الوقت الحالي تتبع التغير السنوي في انحدار الشاطئ بدقة تصل إلى 100 متر.
وهذا يعني أن الباحثين لا يستطيعون حتى الآن الفصل بشكل كامل بين تغير المد والجزر الحقيقي وتغير شكل الشاطئ نتيجة حركة الرمال، وهي مسألة مهمة للغاية للمجتمعات الساحلية التي تواجه ارتفاع مستوى سطح البحر.
ومن المتوقع أن توفر صور الأقمار الصناعية الجديدة مزيدًا من البيانات، إذ تلتقط أقمار Sentinel-2 التابعة لبرنامج كوبرنيكوس صورًا للسواحل بوتيرة أعلى من Landsat.
ويعتزم الباحثون تطبيق الطريقة مستقبلًا على مناطق القطب الشمالي وأفريقيا، حيث تعاني شبكات مقاييس المد والجزر من نقص أكبر في البيانات.





