تغير المناخ يهدد أشهر أجبان فرنسا.. الجفاف وموجات الحر تضرب «نكهة الأرض»
من المراعي إلى مائدة الطعام.. كيف يهدد تغير المناخ أشهر أجبان فرنسا؟
لم تعد أزمة المناخ في فرنسا مجرد أرقام عن ارتفاع درجات الحرارة أو تراجع الأمطار، بل بدأت تصل إلى أحد أكثر رموز البلاد ارتباطًا بالتراث والثقافة: الجبن الفرنسي.
موجات الحر التاريخية تضع أبقار الألبان التي اعتادت الرعي في الهواء الطلق خلال الصيف تحت ضغط حراري متزايد، بينما تضرب فترات الجفاف الطويلة المراعي الفرنسية، فتحول مساحات كانت خضراء وغنية بالأعشاب إلى حقول جافة صفراء.
وفي الوقت نفسه، يجد مزارعو الألبان الذين يخضعون لقواعد صارمة لإنتاج بعض أشهر أنواع الجبن أنفسهم مضطرين إلى شراء كميات إضافية من الأعلاف لتعويض النقص في المراعي.
ويحذر علماء ومصنعو أجبان من أن تغير المناخ بات يهدد بعض أشهر الأجبان الحرفية في فرنسا، ليس فقط من حيث حجم الإنتاج ودخل المزارعين، وإنما أيضًا من حيث النكهة المميزة المرتبطة بطبيعة كل منطقة.
يقول لوران لور، الذي يعمل مزارع ألبان وصانع جبن منذ 35 عامًا، إن مشكلة نقص العشب كانت تظهر سابقًا مرة كل 15 أو 20 عامًا، لكنها أصبحت الآن تحدث تقريبًا كل عامين، والأسوأ أنها تزداد حدة.
والنتيجة واضحة: الأبقار تنتج كميات أقل من الحليب، وتلد عجولًا أقل أو أضعف، فيما اضطر بعض منتجي الأجبان التقليدية إلى وقف الإنتاج.
ويقول لور: «شهدنا خمس موجات حر حتى الآن هذا العام. لم نشهد درجات حرارة مثل هذه من قبل».

يوليو 2026.. الشهر الأكثر حرارة في تاريخ فرنسا
جاءت هذه المخاوف في أعقاب صيف استثنائي.
فبحسب هيئة الأرصاد الجوية الوطنية الفرنسية، سجل شهر يوليو 2026 أعلى متوسط درجات حرارة في فرنسا منذ بدء تسجيل البيانات عام 1900، كما كان ثالث أكثر أشهر يوليو جفافًا على الإطلاق.
هذه الظروف وضعت قطاع إنتاج الألبان أمام اختبار صعب، خصوصًا الأنواع التي تعتمد على رعي الأبقار في المراعي الطبيعية وتفرض قواعد صارمة بشأن نوعية الأعلاف ومصدرها.
وكان جبن «سالير» Salers من أكثر الأنواع تضررًا.
أكثر من ثلاثة أرباع منتجي «سالير» توقفوا عن الإنتاج
هذا الصيف، اضطر أكثر من ثلاثة أرباع منتجي جبن سالير البالغ عددهم نحو 80 منتجًا في فرنسا إلى التوقف عن الإنتاج، بعدما أدت موجات الحر المتتالية والجفاف إلى تراجع المراعي.
وسالير جبن نصف صلب مصنوع من حليب الأبقار الخام، ويحمل علامة AOP الفرنسية، وهي شهادة «تسمية المنشأ المحمية» التي تضمن ارتباط المنتج بمنطقة جغرافية محددة، وأن مراحل إنتاجه، بدءًا من الحليب وصولًا إلى التعتيق، تتم وفق قواعد دقيقة داخل المنطقة المحددة.
ويُنتج سالير بشكل رئيسي في منطقة كانتال ضمن إقليم أوفيرني-رون-ألب جنوب شرقي فرنسا، حيث ترعى الأبقار على ارتفاعات تتراوح بين نحو 800 و1500 متر فوق سطح البحر، فوق كتلة بركانية تغطيها أعشاب برية غنية بالعناصر الغذائية.
وهذه البيئة ليست مجرد خلفية جميلة للمنتج، بل جزء من هويته.
فطبيعة التربة والمناخ والتضاريس، أو ما يعرف بمفهوم «التيروار» Terroir، تمنح الجبن خصائصه المميزة، التي يمكن أن تتراوح نكهاتها بين الجوز والبندق والعشب، وصولًا إلى القشدة المخمرة والتوابل والفلفل والبصل المدخن أو المشوي.
قواعد صارمة تصطدم بالمناخ الجديد
المشكلة أن إنتاج سالير مرتبط بقواعد دقيقة للغاية.
فالجبن يجب أن يُنتج في الفترة من 15 أبريل إلى 15 نوفمبر، وأن تعتمد الأبقار بشكل رئيسي على الرعي والعشب.
ولا يُسمح بأن تتجاوز الإضافات الغذائية 25% من المادة الجافة في غذاء الأبقار، كما أن الأعلاف المسموح بها تشمل التبن والقمح والشعير والشوفان والذرة من المنطقة نفسها.
لكن الجفاف هذا العام جعل الالتزام بهذه القواعد أكثر صعوبة.
واضطر لور إلى وقف إنتاج سالير في 8 يوليو، والتحول إلى إنتاج جبن «كانتال» Cantal، وهو جبن نصف صلب من حليب الأبقار يشبه سالير في خصائصه، لكنه يخضع لقواعد أكثر مرونة.
فعلى عكس سالير، يمكن إنتاج كانتال طوال العام، كما أن قواعد تغذية الأبقار تسمح بنسبة أكبر من الحبوب والتبن والذرة، فيما يشترط أساسًا أن تتمكن الأبقار من الرعي لمدة 120 يومًا في السنة.
استثناءات مؤقتة لمواجهة الجفاف
أمام الأزمة، أعلنت الهيئة الوطنية الفرنسية المسؤولة عن الإشراف على علامة AOP، المعروفة باسم المعهد الوطني للمنشأ والجودة INAO، تعديلات مؤقتة لبعض منتجي الأجبان استجابة لما وصفته بالجفاف التاريخي الذي شهدته فرنسا خلال الصيف.
وحصل منتجو أجبان مثل بوفور Beaufort وكومتي Comté وأبوندانس Abondance على موافقات مؤقتة لزيادة نسبة الأعلاف المقدمة للأبقار أو الحصول على أعلاف إضافية من خارج المناطق الجغرافية المحددة لإنتاج تلك الأجبان.
ومن المتوقع أن تتسع قائمة المنتجات التي تحصل على مثل هذه الاستثناءات.
لكن منتجي سالير لم يطلبوا إعفاءً مماثلًا، بحسب لور، لأنهم يرون أن خفض الاعتماد على العشب إلى أقل من 50% سيجعل المنتج، من وجهة نظرهم، لا يستحق الاحتفاظ باسم سالير.
هل يمكن أن يتغير طعم الجبن؟
السؤال الأكبر الذي يواجه صناعة الجبن الفرنسية ليس فقط: هل يمكن الحفاظ على الإنتاج؟
بل أيضًا: ماذا سيحدث لطعم الجبن إذا تغير غذاء الأبقار؟
دراسة أجراها باحثون في المعهد الوطني الفرنسي للبحث في الزراعة والغذاء والبيئة INRAE قدمت إجابة مثيرة للاهتمام.
فقد أطعم الباحثون أربع مجموعات من الأبقار أنظمة غذائية مختلفة لمدة أربعة أشهر، لمحاكاة ظروف جفاف متفاوتة، مع تغيير نسب العشب إلى التبن والذرة.
بعد ذلك جُمِع الحليب واستخدم في إنتاج جبن كانتال، ثم خضع الجبن لتحاليل مخبرية واختبارات تذوق أجرتها مجموعة من المستهلكين والخبراء.
وأظهرت النتائج أن الجبن المصنوع من حليب أبقار يعتمد غذاؤها بدرجة أكبر على العشب كان أغنى وأعلى في أحماض أوميغا-3 الدهنية الصحية.
ولم يتوقف الاختلاف عند القيمة الغذائية؛ فقد سجل المستهلكون أيضًا تفوقًا في الطعم والرائحة والنكهة والقوام.
ووفقًا للباحثين، فإن الأبقار التي تتغذى على المراعي تنتج حليبًا يؤدي إلى جبن أكثر نعومة ويميل إلى اللون الأصفر وأكثر عطرية، بينما يؤدي انخفاض الاعتماد على العشب إلى جبن أكثر بياضًا وصلابة وأقل قوة من حيث النكهة.
وهكذا، يمكن أن يتحول تغير المناخ من أزمة إنتاج زراعي إلى تغيير مباشر في خصائص الغذاء الذي يصل إلى المستهلك.

المنتجون بين الحفاظ على التقاليد والبقاء اقتصاديًا
تطالب بعض قطاعات صناعة الأجبان منذ سنوات بتعديل دائم لقواعد AOP، بما يتناسب مع الظروف المناخية الجديدة.
وتشمل المقترحات تعديل فترات الرعي، وزيادة كميات التبن والأعلاف الإضافية المسموح بها، والسماح للمزارعين بشراء الأعلاف من خارج المناطق الجغرافية المحددة.
لكن تعديل هذه القواعد ليس سهلًا؛ إذ يمكن أن تستغرق الإجراءات سنوات قبل اعتماد أي تغيير دائم.
ويرى كريستيان جانييه، وهو بائع أجبان من الجيل الرابع في مدينة ليون، أن تخفيف القواعد قد يؤدي بالفعل إلى تراجع محدود في جودة المنتج، لأن نوعية غذاء الأبقار تؤدي دورًا مهمًا في خصائص الجبن.
لكنه يعتقد أن الفرق قد يكون صغيرًا إلى درجة لا يلاحظها المستهلك العادي.
إنتاج سالير يتراجع.. والمزارعون يدفعون الثمن
لا يقتصر تأثير الأزمة على جودة الجبن.
فالأبقار التي تعاني الإجهاد الحراري تنتج، بحسب لور، نحو 10% حليبًا أقل، كما أدت فترات الجفاف المتكررة والطويلة إلى فقدان نحو شهر من فترة الرعي الخارجية.
وتراجع إنتاج سالير بالفعل من متوسط بلغ نحو 1500 طن سنويًا في أوائل العقد الثاني من القرن الحالي إلى قرابة 1000 طن حاليًا.
وفي الوقت نفسه، يجبر نقص العشب المزارعين على استخدام مخزون التبن الذي كانوا يحتفظون به عادة لفصل الشتاء.
ويقول لور إنه أنفق هذا الصيف وحده ما يقرب من 30 ألف يورو، أي نحو 35 ألف دولار، على شراء أعلاف إضافية.
وبالنسبة لمزارعين يعيشون أصلًا تحت ضغوط اقتصادية، قد يصبح استمرار هذا الوضع مسألة بقاء.
ويقول لور إن بعض المنتجين بدأوا يفقدون الحافز مع تزايد صعوبة العمل وخسارة الحصة السوقية، مؤكدًا أن الاستمرار في العمل أصبح أكثر صعوبة.

خسائر تدفع بعض المنتجين إلى تغيير نوع الجبن
تواجه ستيفاني غارد أيضًا الأزمة نفسها.
فقد اضطرت إلى التوقف عن إنتاج سالير في منتصف الصيف والتحول إلى إنتاج كانتال الأقل ربحية بسبب الجفاف.
وكانت قد خسرت في العام الماضي نحو 20 ألف يورو من الإيرادات بسبب ظروف مماثلة.
وتشير إلى أن منتجي كانتال يحصلون على نحو 3 يورو أقل لكل كيلوجرام مقارنة بسالير، رغم أن حجم العمل المطلوب متقارب.
وهذا الموسم، توقف إنتاجها في وقت أبكر من المعتاد، ما يجعل العام الحالي الأسوأ ماليًا منذ دخولها مجال صناعة الجبن قبل تسع سنوات.
وتقول إن تكرار الأزمة لعامين متتاليين أمر قاسٍ، خصوصًا في ظل عدم معرفة موعد انتهائها.
سالير ليس وحده.. أجبان أخرى تواجه الخطر
لا تقتصر تداعيات موجات الحر والجفاف على سالير وكانتال.
فمنتجو أجبان فرنسية أخرى تحمل علامة AOP، مثل روكفور Roquefort المصنوع من حليب الأغنام الخام في أفيرون جنوب فرنسا، وأبوندانس Abondance المنتج في منطقة هوت سافوا جنوب شرقي البلاد، يواجهون أيضًا صعوبات في الالتزام بمتطلبات الرعي.
وفي حالة أبوندانس، تصعد إيميلي جاكوت وزوجها وطفلاهما كل صيف مع نحو 50 بقرة حلوب إلى الجبال، على ارتفاع يقارب 1500 متر قرب آنسي، حيث ينقلون عملية إنتاج الجبن العضوي بالكامل إلى هناك ويقيمون في كوخ العائلة الجبلي لمدة ثلاثة أشهر.
لكن المناخ نفسه بدأ يتغير حتى في هذه المناطق المرتفعة.
وتقول جاكوت إن هذا العام كان المرة الأولى التي لم تضطر فيها إلى إشعال المدفأة التي تعمل بالحطب داخل الكوخ للتدفئة.
وخلال بقية العام، في الوادي أسفل الجبال، تشهد درجات الحرارة تقلبات حادة يمكن أن تنتقل خلال اليوم الواحد من نحو 5 درجات مئوية تحت الصفر إلى 25 درجة مئوية.
وتقول إن آثار الاحترار العالمي أصبحت واضحة طوال العام؛ ففي الصيف هناك موجات حر، بينما يشهد الشتاء تقلبات كبيرة في درجات الحرارة خلال اليوم نفسه.

الأمطار الغزيرة قد تؤثر في الجبن أيضًا
المفارقة أن تغير المناخ لا يعني الجفاف والحرارة فقط.
فالتغيرات المناخية يمكن أن تؤدي أيضًا إلى هطول أمطار أكثر غزارة، وهو ما قد يؤثر بدوره في جودة الحليب والجبن.
عندما ترعى الأبقار على أعشاب مشبعة بالمياه، يمكن أن تنتج ما يصفه العاملون في الصناعة بـ«الحليب الرطب»، وهو حليب أقل في محتواه من البروتين.
وبحسب جانييه، فإن الأجبان المصنوعة من هذا النوع من الحليب تنضج بسرعة أكبر، وقد تتطور فيها روائح ونكهات نفاذة وغير مرغوبة تشبه رائحة الأمونيا.
ويشبه جانييه الجبن بالمشروبات الروحية: فبعد أن يصل إلى ذروة نضجه وجودته، تبدأ خصائصه في التراجع.

«التيروار» في مواجهة المناخ المتغير
تاريخيًا، ارتبطت جودة الجبن الفرنسي بالمكان الذي يُنتج فيه: التربة، الأعشاب، الارتفاع، المناخ، الحيوانات وطريقة الإنتاج.
لكن تغير المناخ يعيد صياغة هذه المعادلة.
فإذا تغيرت الأعشاب، تغير غذاء الأبقار. وإذا تغير غذاء الأبقار، تغير الحليب. وإذا تغير الحليب، يمكن أن تتغير خصائص الجبن نفسه.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: القواعد التي صُممت لحماية أصالة الجبن والحفاظ على ارتباطه بأرضه قد تصبح، في بعض الحالات، أكثر صعوبة في التطبيق مع تغير الظروف المناخية التي صنعت تلك الهوية أصلًا.
ويرى جانييه أن صناعة الجبن الفرنسية شهدت بالفعل قدرًا من «التوحيد» خلال العقود الماضية بفعل الإنتاج الصناعي واسع النطاق.
فقد انخفض عدد الأجبان السيئة، لكنه يرى في المقابل أن عدد الأجبان الاستثنائية حقًا تراجع أيضًا.
ومع ذلك، يظل يرى في علامة AOP ضمانة مهمة للمستهلك، لأنها تعني أن الجبن خضع لسلسلة من الاختبارات المرتبطة بالقوام والرائحة والنكهة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: هل تستطيع هذه العلامة حماية هوية الجبن الفرنسي من المناخ المتغير؟
فالمعركة لم تعد فقط بين الجبن الصناعي والجبن الحرفي، وإنما أصبحت أيضًا بين تراث غذائي عمره أجيال ومناخ يتغير بوتيرة أسرع من قدرة بعض المزارعين على التكيف معه.





