تغير المناخ والتوترات الجيوسياسية.. مخاطر متشابكة تهدد استقرار الأسواق والقطاع المالي
من الطاقة إلى المعادن وسلاسل الإمداد.. كيف تتداخل المخاطر المناخية والجيوسياسية؟
تواجه المؤسسات المالية ضغوطًا متزامنة ناجمة عن تغير المناخ والتقلبات الجيوسياسية.
ورغم أن المخاطر تبدو مختلفة في طبيعتها، فإنها تشترك في سمات مهمة؛ فكلاهما يمكن توقع بعض مساراته، لكن توقيت حدوثه وحجمه يظلان غير مؤكدين، كما يصعب تحديد آثارهما الاقتصادية بدقة عبر سلاسل الإمداد والمناطق المختلفة.
ولا تعمل هذه المخاطر بمعزل عن بعضها. فالتغيرات الجيوسياسية يمكن أن تؤثر في سرعة التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون، بينما يمكن أن يصبح تغير المناخ والتدهور البيئي بدورهما عاملين محفزين للمخاطر الجيوسياسية، من خلال ندرة الموارد، وضغوط الهجرة، والاضطرابات الاجتماعية، وعدم الاستقرار الإقليمي.
ويرى خبراء في السياسات المالية أن البنوك تستطيع البناء على الأدوات التي طورتها بالفعل لإدارة المخاطر المناخية، مثل تحليل السيناريوهات واختبارات التحمل، وتوسيع استخدامها لتكوين إطار أكثر تكاملًا لإدارة المخاطر الناجمة عن عدم اليقين الجيوسياسي.
الاعتماد على الوقود الأحفوري يربط بين المخاطر المناخية والجيوسياسية
يعيش نحو ثلاثة أرباع سكان العالم في دول مستوردة صافيًا للوقود الأحفوري، وفق بيانات مؤسسة «إمبر»
ويشكل هذا الاعتماد إحدى أوضح نقاط التقاء المخاطر المناخية والجيوسياسية؛ فالوقود الأحفوري ليس فقط مصدرًا رئيسيًا لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، بل يجعل الاقتصادات والمؤسسات التي تمولها عرضة أيضًا لصدمات أسعار لا تملك السيطرة عليها.
وأي اضطرابات في مراكز إنتاج الطاقة أو إمدادات النفط والغاز يمكن أن تنتقل بسرعة عبر سلاسل الإمداد، بما يؤثر في الشركات والأسواق والقطاع المالي.
وتصل التأثيرات الجيوسياسية إلى المؤسسات المالية عبر قنوات متعددة يمكن أن تعزز بعضها بعضًا. ومن منظور مخاطر الائتمان، تواجه الشركات التي تعتمد بدرجة كبيرة على مصادر الطاقة الأحفورية مجموعة متراكمة من المخاطر، تشمل ارتفاع تكاليف التحول المناخي، مثل تسعير الكربون والتغيرات التنظيمية، إلى جانب التحولات التكنولوجية وتغير الطلب في الأسواق، فضلًا عن عدم القدرة على التنبؤ باضطرابات إمدادات الطاقة المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية.
ومع مرور الوقت، يمكن أن تمتد هذه الضغوط من الميزانيات العمومية للمؤسسات إلى نماذج أعمال عملائها ومراكزهم الاستراتيجية.
وقد يساعد تسريع التحول في مجال الطاقة على تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، لكنه في الوقت نفسه قد ينقل بعض مخاطر التركّز إلى مصادر أخرى، خصوصًا المعادن الحرجة.

المعادن الحرجة.. مخاطر جديدة مع تسارع التحول الأخضر
تعتمد البطاريات والبنية التحتية للطاقة المتجددة على معادن مثل الليثيوم والنحاس والعناصر الأرضية النادرة.
ومع تزايد أهمية هذه المواد في الاقتصاد منخفض الكربون، يمكن أن تظهر أشكال جديدة من مخاطر التركّز، إذا تركز إنتاج أو معالجة المواد الأساسية في عدد محدود من الدول أو المناطق.
وبذلك لا يعني التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري اختفاء المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة، وإنما يمكن أن تتغير طبيعة مصادر التعرض للمخاطر، من الاعتماد على النفط والغاز إلى الاعتماد على سلاسل إمداد جديدة ترتبط بالمعادن والتكنولوجيا والبنية التحتية للطاقة النظيفة.
التوترات الجيوسياسية تزيد عدم اليقين بشأن سياسات المناخ
تعتمد المؤسسات المالية والشركات على إشارات سياسية مستقرة نسبيًا لاتخاذ قرارات الأعمال وتخصيص رؤوس الأموال.
ويوفر مسار منظم للتحول نحو اقتصاد منخفض الكربون قدرًا من الاستقرار اللازم للتخطيط والاستثمار طويل الأجل، وهو ما تؤكده أيضًا سيناريوهات شبكة البنوك المركزية والجهات الرقابية من أجل تخضير النظام المالي «NGFS».
لكن التفتت الجيوسياسي والتوترات التجارية يمكن أن يدفعا بعض الدول إلى إعطاء الأولوية للمنافسة الصناعية والأمن الاقتصادي قصير الأجل على حساب أهداف المرونة طويلة الأجل.
وفي الدول المصدرة للوقود الأحفوري، يمكن أن تصبح السياسات المناخية أكثر ارتباطًا بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية قصيرة الأجل، ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى تأجيل إجراءات التحول أو إعادة ضبطها.
وبالنسبة إلى المؤسسات المالية والشركات، يترجم ذلك إلى مزيد من عدم اليقين بشأن الجداول الزمنية للتحول، وتكاليف الكربون، والمتطلبات التنظيمية التي تستند إليها قرارات الاستثمار طويلة الأجل.
ويأتي ذلك في ظل ارتفاع أوسع في حالة عدم اليقين المتعلقة بالسياسات الاقتصادية منذ منتصف العقد الماضي، إذ وصلت إلى مستويات لم تُسجل خلال العقود الثلاثة السابقة، وفق ما أشار إليه البنك المركزي الأوروبي في إطار تناوله للمخاطر الجيوسياسية.
تغير الدعم والرسوم التجارية قد يتحول إلى مخاطر ائتمانية
لا يقتصر تأثير التوترات الجيوسياسية على الطاقة والتجارة بصورة مباشرة، إذ يمكن لإعادة توجيه الدعم البيئي أو تغيير الحواجز التجارية أن يضعف شروط التمويل ويزيد مخاطر الائتمان.
كما تواجه المؤسسات المالية التي تعمل عبر دول متعددة تحديًا إضافيًا يتمثل في اختلاف المعايير والقواعد التنظيمية بين الأسواق، الأمر الذي يجعل تقييم المخاطر الانتقالية والمخاطر المادية المرتبطة بالمناخ أكثر تعقيدًا.
الجفاف والفيضانات والحرارة.. المخاطر المناخية تصل إلى الائتمان والسيولة
في النهاية، تتحول المخاطر المناخية والجيوسياسية إلى أشكال تقليدية من المخاطر المالية، مثل مخاطر الائتمان والسوق والسيولة.
ولا يقتصر الأمر على قطاع الطاقة. فالجفاف والنزوح والفيضانات والإجهاد الحراري يمكن أن تعطل الإنتاج، وتضغط على سلاسل الإمداد، وتزيد المخاطر المرتبطة بالديون السيادية.
وتكمن إحدى الصعوبات في أن هذه الأحداث يمكن أن تتطور بطرق لا تعكسها البيانات التاريخية بصورة كاملة، ما يحد من قدرة النماذج الكمية وحدها على تقييم المخاطر.
ولهذا يمكن للمؤسسات المالية أن تجمع بين النماذج الكمية والتحليلات الاستشرافية وتصميم السيناريوهات النوعية.

البنوك لا تحتاج إلى البدء من الصفر
تتمثل الخطوة الأولى في الاستفادة من القدرات التي طورتها المؤسسات المالية بالفعل لإدارة المخاطر المناخية.
فخلال السنوات الماضية، استثمرت المؤسسات المالية في أدوات مثل تحليل السيناريوهات، واختبارات التحمل، ورسم خرائط سلاسل الإمداد، وتقييم التعرض للآثار المادية لتغير المناخ، وتحديد مخاطر الأصول العالقة.
ويمكن استخدام هذه الأدوات نفسها إلى حد كبير لفهم المخاطر الجيوسياسية.
فعلى سبيل المثال، يمكن أن يمثل عميل يعتمد بشدة على سلعة واحدة مصدرها دولة معرضة للمخاطر المناخية أو السياسية ملفًا أكثر تعقيدًا من حيث المخاطر. ويمكن لأطر إدارة المخاطر المناخية الحالية أن تساعد في الكشف عن هذا النوع من نقاط الضعف والتعامل معه.
اختبارات التحمل يمكن أن تكشف سيناريوهات الصدمات الجيوسياسية
بدأت الممارسات الرقابية بالفعل في التحرك نحو دمج المخاطر الجيوسياسية في أطر الرقابة المالية.
فالبنك المركزي الأوروبي أدرج المخاطر الجيوسياسية ضمن منهجيته الرقابية، وطلب من البنوك إجراء اختبارات تحمل عكسية لتحديد السيناريوهات الجيوسياسية التي يمكن أن تؤدي إلى استنزاف كبير لرؤوس أموالها.
وتتشابه هذه المنهجية إلى حد كبير مع الأساليب المستخدمة في اختبارات مخاطر المناخ.
كما يمكن أن يوفر مفهوم «الأهمية المزدوجة» إطارًا مفيدًا للتحليل، إذ يسمح للمؤسسات بالنظر ليس فقط إلى كيفية تأثير التطورات الجيوسياسية في أوضاعها المالية، ولكن أيضًا إلى الكيفية التي يمكن أن تسهم بها قراراتها التمويلية في تكوين تبعيات هيكلية أو تعزيز بعض مصادر عدم الاستقرار.
دمج المخاطر بدل التعامل معها كل على حدة
الخطوة الثانية تتمثل في فهم كيفية تفاعل المخاطر المناخية والجيوسياسية معًا، وهو أمر يحدث بالفعل بصورة ضمنية داخل العديد من المؤسسات.
فعلى سبيل المثال، يشير سيناريو «التحول غير المنظم» إلى مسار يفشل فيه التنسيق المطلوب بين السياسات، ويمكن أن يكون العامل الجيوسياسي أحد أسباب هذا الفشل.
ومن خلال جعل هذا العامل واضحًا داخل السيناريوهات، تستطيع المؤسسات المالية بناء نماذج تجمع بين مسارات مختلفة للتحول في مجال الطاقة ومستويات متفاوتة من التفتت الجيوسياسي.
وتختلف نتائج هذه السيناريوهات بحسب مستوى التعاون الدولي وسرعة التطور التكنولوجي، ولكل مسار منها ملف مختلف من المخاطر.
ولا تهدف هذه السيناريوهات إلى التنبؤ بالمستقبل، وإنما إلى توضيح المسارات المحتملة التي يمكن أن تتطور فيها المخاطر.

الحماية التجارية قد تطيل الاعتماد على الوقود الأحفوري
في ظل سياسات حمائية، على سبيل المثال، قد تحصل صناعات الوقود الأحفوري على حماية أكبر، بينما تصبح أسواق الطاقة أكثر تجزؤًا.
وقد يؤدي ذلك إلى إطالة أمد الاعتماد على الوقود الأحفوري، وزيادة تقلبات أسعار الطاقة وإمداداتها، وهو ما قد يرفع بدوره مستويات المخاطر التي تواجهها البنوك.
ويمكن بعد ذلك ترجمة هذه السيناريوهات إلى آثار مالية باستخدام أدوات اختبارات التحمل الموجودة بالفعل لدى المؤسسات المالية.
من إدارة المخاطر المناخية إلى إطار أوسع للمرونة المالية
يمثل الترابط بين المخاطر المناخية والجيوسياسية أكثر من مجرد تحدٍ تحليلي، إذ يمكن أن يتحول هذا الترابط نفسه إلى مصدر من مصادر الهشاشة النظامية.
وقد طورت المؤسسات المالية وصانعو السياسات بالفعل أساسًا تحليليًا يمكن البناء عليه، من خلال الأدوات المستخدمة لتقييم المخاطر المرتبطة بالمناخ والمخاطر الجيوسياسية.
لذلك لا تتمثل المسألة بالضرورة في بناء قدرات جديدة بالكامل، بقدر ما تتعلق بتوسيع نطاق استخدام الأدوات القائمة.
وسيختلف التطبيق العملي من مؤسسة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى، لكن استمرار التفتت الجيوسياسي لا يلغي وجود مسارات للتنسيق الدولي عبر المنصات متعددة الأطراف.
والهدف من دمج المخاطر ليس التنبؤ بالمستقبل بدقة، وإنما تحسين القدرة على تحديد نقاط الضعف وفهم كيفية تطورها عبر مجموعة أوسع من السيناريوهات المحتملة.
وفي عالم يتسم بقدر أكبر من عدم اليقين والتجزؤ، يصبح النظر إلى المخاطر المناخية والجيوسياسية باعتبارها أجزاء مترابطة من منظومة واحدة أحد المسارات التي يمكن للمؤسسات المالية من خلالها تعزيز قدرتها على الصمود.





