الحرارة تلتهم جبال الألب.. سويسرا تواجه “كارثة” وتفقد 5.5% من جليد أنهارها خلال عام
الجبال تتحول إلى صخور عارية.. ذوبان قياسي يضرب أنهار سويسرا الجليدية.. خزان أوروبا المائي يذوب بسرعة قياسي
فقدت الأنهار الجليدية السويسرية نحو 5.5% من حجم جليدها خلال السنة الهيدرولوجية 2025-2026، في ثاني أكبر خسارة مسجلة بعد عام 2022، بعدما اجتمع شتاء شحيح الثلوج مع صيف قياسي الحرارة، لتتعرض جبال الألب لواحد من أسوأ مواسم ذوبان الجليد في تاريخ القياسات.
وأظهر تقرير صادر عن شبكة رصد الأنهار الجليدية السويسرية “GLAMOS” واللجنة السويسرية لمراقبة الغلاف الجليدي التابعة للأكاديمية السويسرية للعلوم، أن الأنهار الجليدية في البلاد فقدت أكثر من 5% من جليدها خلال عام واحد.
والأخطر أن الخسارة لم تعد مقتصرة على موسم استثنائي؛ إذ فقدت الأنهار الجليدية السويسرية خلال السنوات الخمس الماضية نحو خُمس حجم جليدها، في مؤشر على تسارع طويل الأمد لظاهرة التراجع الجليدي.
2.2 تريليون لتر من المياه ذابت خلال 3 أشهر
قدّر العلماء أن الأنهار الجليدية السويسرية فقدت بين يوليو وسبتمبر وحدها نحو 2.2 تريليون لتر من المياه، أي ما يعادل أكثر من أربعة أضعاف الاستهلاك السنوي لمياه الشرب لدى الأسر السويسرية.
وقد يبدو ذوبان هذا الحجم الهائل من الجليد مفيدًا على المدى القصير، لأنه يضيف كميات من المياه إلى الأنهار ويساعد على تخفيف نقص المياه خلال أشهر الصيف.
لكن هذه الفائدة المؤقتة تحمل في داخلها مشكلة أكبر، لأن استمرار تقلص مساحة الجليد يعني أن كمية المياه التي تستطيع الأنهار الجليدية توفيرها في المستقبل ستتراجع تدريجيًا.
وقال ماتياس هوس، مدير شبكة GLAMOS، إن العالم يدخل مرحلة جديدة تصبح فيها الأنهار الجليدية أكثر تعرضًا للذوبان المستمر، مشيرًا إلى أن تكرار السنوات شديدة الذوبان أصبح مصدر قلق حقيقي.

أليتش يسجل أكبر ذوبان في تاريخه
سجل نهر أليتش الجليدي، وهو الأكبر في سويسرا، أكبر خسارة جليدية في تاريخه خلال هذا العام.
كما فقد نهر تسَانفلورون الجليدي أكثر من 4 أمتار من متوسط سماكة الجليد، وهو معدل كان من الصعب تصور حدوثه قبل سنوات قليلة.
وفي مناطق أخرى، تراوح انخفاض متوسط سماكة الجليد بين 2.5 و4 أمتار، بينما وصل الانخفاض في بعض أجزاء ألسنة الأنهار الجليدية، وهي الامتدادات المنخفضة التي تتحرك داخل الأودية، إلى نحو 10 أمتار خلال الصيف.
وسجلت أنهار جليدية أخرى، بينها أليتش الكبير والرون، مستويات ذوبان هي الأعلى منذ بدء قياساتها، حتى وإن بقيت الخسارة الإجمالية على مستوى سويسرا أقل قليلًا من الرقم القياسي المسجل عام 2022.

حرارة قياسية وثلوج شحيحة.. وصفة الذوبان المدمر
يرى العلماء أن ما حدث هذا العام نتج بصورة رئيسية عن اجتماع عاملين: شتاء شهد تساقطًا قليلًا للثلوج، وصيف سجل درجات حرارة قياسية.
فالثلوج المتراكمة خلال الشتاء تشكل طبقة واقية فوق الجليد وتوفر مادة جديدة لتعويض جزء من الجليد الذي يذوب خلال الصيف.
لكن مع انخفاض الغطاء الثلجي وارتفاع درجات الحرارة، تنكشف مساحات أكبر من الجليد أمام أشعة الشمس والهواء الدافئ، فتتسارع عملية الذوبان.
وشهدت الفترة من مايو إلى سبتمبر موجة حر واحدة على الأقل كل شهر، وبحلول سبتمبر كانت الثلوج قد اختفت حتى على ارتفاع 3500 متر.
ورغم شدة موسم 2026، لم تصل خسارة الجليد في سويسرا إلى المستوى القياسي المسجل عام 2022، عندما ساهمت جزيئات الغبار القادمة من شمال أفريقيا والمترسبة على الثلوج في تسريع الذوبان.
السنوات المتطرفة أصبحت تتكرر
المشكلة الأكبر، بحسب العلماء، لا تكمن في موسم واحد شديد الحرارة، وإنما في تكرار المواسم الاستثنائية بوتيرة متقاربة.
وقال هوس إن السنوات شديدة الذوبان أصبحت تظهر بصورة شبه متكررة، واصفًا الوضع بأنه “مقلق للغاية”.
وهذا التكرار يغير المعادلة التي حكمت علاقة الأنهار الجليدية بالمياه في جبال الألب لعقود طويلة.
فالجليد لا يعمل فقط كمنظر طبيعي أو مورد سياحي، وإنما يمثل خزانًا طبيعيًا للمياه، إذ يخزن المياه على هيئة ثلوج وجليد خلال الفترات الباردة، ثم يطلق جزءًا منها أثناء الفترات الدافئة والجافة.
لكن مع انكماش المخزون الجليدي، تبدأ هذه الوظيفة في الضعف.

عندما يتحول ذوبان الجليد من حل إلى مشكلة
في البداية، يؤدي ارتفاع الحرارة إلى تسريع ذوبان الجليد، فتزداد كميات المياه التي تصل إلى الأنهار، وهو ما يمكن أن يساعد في تخفيف آثار الجفاف خلال الصيف.
لكن هذه المعادلة لا تستمر إلى الأبد.
فكلما تقلص حجم النهر الجليدي، انخفضت كمية الجليد المتاحة للذوبان مستقبلًا. وبعبارة أبسط، الخزان يعطي مياهًا أكثر الآن لأنه يُستهلك بسرعة أكبر، لكنه يصبح أقل قدرة على العطاء في المستقبل.
وأظهرت دراسة علمية تناولت 88 حوضًا مائيًا تضم أنهارًا جليدية في سويسرا خلال جفاف عام 2022 أن ما بين 60% و80% من مياه ذوبان الجليد جاءت من استهلاك المخزون المتراكم، من دون أن تعوضها ثلوج جديدة خلال العام.
وهذا يعني أن المياه التي ساعدت على تخفيف آثار الجفاف جاءت جزئيًا على حساب الاحتياطي الجليدي نفسه.
أزمة مياه تتجاوز سويسرا
لا تتوقف تداعيات انحسار الأنهار الجليدية عند حدود الجبال، إذ يمكن أن تمتد إلى قطاعات تعتمد على المياه، بينها الزراعة وإنتاج الطاقة الكهرومائية والملاحة النهرية.
وشهدت سويسرا خلال جفاف عام 2022 قيودًا على استخدام المياه المنزلية والزراعية، إلى جانب انخفاض إنتاج الطاقة الكهرومائية، وظهور قيود على حركة السفن في نهر الراين نتيجة تراجع مناسيب المياه.
ولا يعني ذلك أن تراجع الأنهار الجليدية هو السبب الوحيد للجفاف، فالأمطار والثلوج والتبخر ودرجات الحرارة عوامل أخرى تؤثر بصورة مباشرة في موارد المياه.
لكن تراجع الجليد يعني فقدان أحد أهم المخازن الطبيعية التي يمكنها تخفيف الضغط على الموارد المائية خلال الفترات الجافة.

جبال الألب تسخن أسرع من المتوسط العالمي
ترتبط الخسائر الحالية أيضًا بالاتجاه طويل الأمد للاحترار في سويسرا ومنطقة الألب.
وتشير التقييمات المناخية الرسمية إلى أن ارتفاع درجات الحرارة في سويسرا يرتبط أساسًا بالانبعاثات الناتجة عن النشاط البشري، مع توقعات باستمرار زيادة شدة موجات الحر والجفاف الصيفي وتراجع الثلوج الشتوية مع استمرار ارتفاع حرارة الكوكب.
وبذلك، لا يمكن النظر إلى صيف 2026 باعتباره مجرد موسم استثنائي عابر، لأن الأنهار الجليدية تعتمد على التوازن بين ما يتراكم من الثلوج والجليد وما يفقده الجبل خلال موسم الذوبان.
ومع اختلال هذا التوازن بصورة متكررة لصالح الذوبان، يتقلص المخزون عامًا بعد آخر.
خطر مزدوج.. فيضانات اليوم ونقص المياه غدًا
يحمل تراجع الأنهار الجليدية أيضًا خطرًا آخر، إذ يمكن أن تتجمع مياه الذوبان في بحيرات تتشكل أمام الأنهار الجليدية المتراجعة.
وفي حال انهارت الحواجز الطبيعية التي تحتجز هذه المياه، يمكن أن تنطلق كميات كبيرة منها بصورة مفاجئة، بما يرفع خطر الفيضانات الجليدية المفاجئة.
وهنا تظهر مفارقة مناخية شديدة الخطورة: المنطقة نفسها يمكن أن تواجه في مرحلة أولى زيادة في مياه الذوبان وخطر الفيضانات، ثم تواجه على المدى الأطول نقصًا متزايدًا في المياه مع استمرار تقلص الأنهار الجليدية.
وبينما لا يزال العلماء يرصدون معدلات الذوبان ويقيسون التغيرات في سماكة الجليد ومساحته، فإن المشهد الذي يظهر في جبال الألب بات واضحًا: الثلوج تتراجع، والجليد ينكمش، والسنوات شديدة الذوبان لم تعد استثناءً نادرًا.
وهذا يجعل فقدان الأنهار الجليدية قضية تتجاوز حماية الطبيعة، لتصبح مسألة مرتبطة بأمن المياه والطاقة والزراعة والاقتصاد وقدرة المجتمعات الأوروبية على التكيف مع مناخ أكثر حرارة.






