د.سالي فودة: ائتمانات البيوتشار.. كيف يتحول الكربون إلى ذهب أخضر؟
أستاذ مساعد الهندسة الحيوية- مركز البحوث الزراعية- استشاري تكنولوجيا تدوير المخلفات الزراعية
ائتمانات الكربون الحيوي (البيوتشار): الذهب الأخضر نحو الحياد الكربوني والاقتصاد الحيوي الدائري
مع تسارع التغيرات المناخية عالميًا، أصبحت تقنيات إزالة الكربون من أهم الحلول الاستراتيجية لتحقيق الحياد الكربوني وتعزيز الاقتصاد الأخضر. ومن بين هذه التقنيات، يبرز البيوتشار (Biochar) كأحد أكثر الحلول الواعدة، ليس فقط لقدرته على تخزين الكربون لفترات طويلة، بل أيضًا لارتباطه المباشر بأسواق ائتمانات الكربون العالمية التي تشهد نموًا متسارعًا.
البيوتشار مادة كربونية مستقرة تُنتج من التحلل الحراري للمخلفات الزراعية تحت ظروف محدودة الأكسجين. وخلال هذه العملية، يتحول الكربون الحيوي سريع التحلل إلى صورة مستقرة يمكن أن تبقى في التربة لمئات السنين، ما يجعل البيوتشار أداة فعالة لإزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي.
وتمنح أسواق الكربون الدولية قيمة اقتصادية لهذه العملية، حيث يمكن لكل طن من البيوتشار أن يولد أرصدة كربونية (Carbon Credits) تُباع للشركات والمؤسسات الساعية إلى تحقيق أهداف «صافي الانبعاثات الصفري». ويُعرف هذا المجال باسم إزالة الكربون بالبيوتشار (Biochar Carbon Removal – BCR)، والذي يُعد من أكثر حلول الكربون موثوقية واستدامة.
ولا تقتصر فوائد البيوتشار على تخزين الكربون فقط، بل يمتد تأثيره إلى:
- تحسين خصوبة التربة وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالمياه
- تقليل انبعاثات الميثان وأكسيد النيتروز من التربة الزراعية
- تحويل المخلفات الزراعية إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية
- إنتاج طاقة متجددة مثل الغاز التخليقي والزيوت الحيوية
- دعم الزراعة المستدامة وتعزيز الاقتصاد الدائري
وتتمتع مصر بفرص كبيرة للاستفادة من هذه التكنولوجيا، نظرًا لتوفر كميات ضخمة من المخلفات الزراعية مثل قش الأرز، ومخلفات النخيل، وتفل الزيتون، وحطب القطن. كما يمكن أن تسهم مشروعات البيوتشار في دعم جاهزية الصادرات المصرية لمتطلبات آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM)، وتعزيز تنافسية المنتجات الزراعية منخفضة الكربون.
ورغم التحديات المرتبطة بالتشريعات والتمويل وأنظمة التحقق الكربوني، فإن مستقبل البيوتشار يبدو واعدًا في ظل التوسع العالمي في أسواق الكربون، والطلب المتزايد على حلول إزالة الكربون الدائمة.
في النهاية، لم يعد البيوتشار مجرد منتج زراعي أو بيئي، بل أصبح أصلًا مناخيًا واستثماريًا جديدًا قادرًا على تحويل المخلفات الزراعية إلى «ذهب أخضر» يدعم التنمية المستدامة والاقتصاد الحيوي الدائري.





