د.حسن أبوالنجا: مصر في قمة المناخ COP29: التحديات والحلول ورؤى المستقبل
الخبير الدولي فى المياه والمناخ و عضو المجلس الاستشاري الاستراتيجي في تحالف التكيف مع المياه العالمي (AGWA)
تعقد الدورة التاسعة والعشرون لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP29) في العاصمة الأذربيجانية باكو، في الفترة من 11 إلى 22 نوفمبر 2024، تحت شعار “الاستثمار في كوكب صالح للعيش للجميع”.
يُعدّ هذا الحدث العالمي فرصة حاسمة لتعزيز التعاون الدولي وتسريع الإجراءات لمواجهة أزمة المناخ التي تهدد كوكب الأرض ومستقبل الأجيال القادمة.
تمثل المشاركة المصرية الفاعلة في قمة COP29 نقطة تحول هامة في مسار التفاوض العالمي بشأن المناخ.
من خلال التأكيد على أهمية التمويل المناخي وتوسيع التعاون بين الدول الإفريقية والدول المتقدمة، تسعى مصر إلى تعزيز مكانتها كداعم رئيسي لقضايا المناخ في القارة الإفريقية.
ومع وضع هذه التحديات والفرص في الاعتبار، يمكن لقمة COP29 أن تكون خطوة هامة نحو تحقيق الأهداف المناخية الطموحة التي تضمن استدامة البيئة وتحقيق العدالة المناخية على مستوى العالم
تشارك مصر في قمة COP29 بتوجهات استراتيجية تهدف إلى وضع الحلول الفعالة التي تتماشى مع التحديات البيئية على المستويين المحلي والعالمي. ومن أبرز الأهداف التي تسعى مصر لتحقيقها هو زيادة نسبة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة إلى 42% بحلول عام 2030، في خطوة تعكس التزام البلاد بمكافحة التغير المناخي وتحقيق التنمية المستدامة.
ولتحقيق هذا الهدف الطموح، تبذل الحكومة المصرية جهودًا كبيرة لإنشاء بيئة مواتية لجذب الاستثمارات في قطاع الطاقة المتجددة، من خلال سياسات تحفيزية مثل التعريفات التفضيلية للطاقة والأنظمة التنافسية للمناقصات.
ورغم التقدم الذي أحرزته مصر في هذا المجال، أكّد رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، خلال مشاركته في القمة على ضرورة توفير المزيد من الدعم المالي والتقني من قبل المجتمع الدولي.
حيث أشار إلى أن تحقيق الأهداف المناخية يتطلب تحديثًا للبنية التحتية للطاقة، وهو ما يواجه تحديات كبيرة نتيجة نقص التمويل والدعم الفني من الدول المتقدمة.

تأثير التغير المناخي على القارة الإفريقية: تحديات اقتصادية واجتماعية
تعتبر القارة الإفريقية من أكثر المناطق التي تواجه تحديات بيئية حادة نتيجة لتغير المناخ. فقد أثبتت الدراسات أن إفريقيا تخسر أكثر من 70 مليار دولار سنويًا بسبب الكوارث الطبيعية مثل الجفاف والفيضانات.
ويعد القطاع الزراعي أحد أكبر القطاعات المتضررة، حيث يعتمد ملايين الأشخاص على الزراعة كمصدر رئيسي لعيشهم.
كما أن هذه التأثيرات البيئية تؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ما يزيد من معدلات النزوح والهجرة الداخلية، ويؤثر على الأمن الغذائي.
هذه التحديات تجعل من الضروري توفير دعم مالي وتقني مناسب للدول الإفريقية. ومن هنا، تأتي أهمية الدور المصري في التفاوض على تخصيص حصص عادلة من التمويل المناخي للقارة، وهو ما تطرحه مصر في جميع محافلها الدولية.
الدور المصري في دعم قضايا إفريقيا في COP29
تلعب مصر دورًا حيويًا في الدفاع عن مصالح الدول الإفريقية في قمة COP29. على الرغم من أن إفريقيا تُسهم فقط بحوالي 4% من الانبعاثات العالمية، إلا أنها تتحمل العبء الأكبر من تبعات التغير المناخي، مما يجعلها بحاجة ماسة إلى دعم مالي وتقني أكبر.
ولهذا، تدعو مصر في قمة COP29 إلى زيادة الدعم المالي لدول إفريقيا عبر آليات مبتكرة مثل “مقايضات الديون من أجل المناخ” التي تتيح للدول الإفريقية الحصول على التمويل الذي تحتاجه لمكافحة التغير المناخي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور حسن أبو النجا، خبير التنمية المستدامة والتغير المناخي، أن “التمويل المناخي يجب أن يكون أحد الأولويات الأساسية في قمة COP29، حيث إن الدول الإفريقية ليست مسؤولة عن حجم الانبعاثات العالمية لكنها تتحمل الأضرار المترتبة على هذه الانبعاثات”.
ويضيف: “مصر تُعتبر بمثابة الجسر الذي يربط بين الدول النامية والدول المتقدمة لتحقيق العدالة المناخية، وهذا يتطلب منها أن تواصل الضغط على المجتمع الدولي لضمان الوفاء بتعهدات التمويل المناخي”.
التحديات الرئيسية التي تواجهها قمة COP29
تتمثل التحديات الرئيسية التي تواجهها قمة COP29 في عدة محاور رئيسية.
أولها ضرورة توفير التمويل المناخي المناسب لدول الجنوب العالمي، وخاصة القارة الإفريقية التي تعاني من فجوة تمويلية تقدر بحوالي 200 مليار دولار سنويًا.
ثانيًا، الحاجة إلى تقنيات مبتكرة في مجالات الطاقة المتجددة والزراعة المستدامة التي يمكن أن تساعد في تحقيق أهداف التكيف مع التغير المناخي. ثالثًا، الضغط المستمر على الدول المتقدمة للوفاء بتعهداتها المالية لمساعدة الدول النامية في مواجهة التحديات البيئية.

الحلول المستقبلية: خطوات عملية لتحقيق الأهداف المناخية
وفقًا لرؤية الدكتور حسن أبو النجا، فإنه “يجب أن تتحول القرارات التي سيتم اتخاذها في COP29 إلى إجراءات ملموسة على الأرض، مع ضرورة تخصيص التمويل المناسب للمشروعات المناخية في البلدان النامية”.
ويقترح أبو النجا أن “التعاون بين القطاعين العام والخاص في مجال الطاقة المتجددة يجب أن يكون النموذج الذي يتم تعميمه في الدول الإفريقية الأخرى، كما أن دعم الدول النامية في تطوير تقنيات الزراعة المستدامة يجب أن يكون أولوية لتحقيق التكيف مع التغير المناخي”.
وفي هذا الصدد، تعمل مصر على نشر تجربتها الناجحة في مجال الطاقة المتجددة عبر نظام المناقصات التنافسية والحوكمة الرشيدة التي ساعدت في جذب استثمارات كبيرة إلى البلاد.
ويمكن للدول الإفريقية الأخرى الاستفادة من هذه التجربة من خلال تطبيق سياسات تحفيزية مشابهة في مجالات الطاقة المتجددة والزراعة المستدامة.
الخطوات القادمة: من COP29 إلى التنفيذ الفعلي
أهم خطوة بعد قمة COP29 هي تحويل الالتزامات إلى مشروعات فعلية على الأرض.
يجب على الدول المتقدمة أن تفي بتعهداتها المالية، ويجب على الدول النامية أن تكون مستعدة لتطبيق مشروعات ملموسة باستخدام هذه الأموال. كما يجب أن يكون هناك آلية للمحاسبة والمتابعة لضمان تنفيذ المشاريع وقياس تأثيراتها.
فيما يلي الخطوات الأساسية التي يجب اتخاذها لتحقيق التنفيذ الفعلي بعد COP29:
1. تعزيز التمويل المناخي
تعتبر مسألة التمويل من أبرز التحديات التي تواجه الدول النامية في مواجهة تغير المناخ.
خلال COP29، تم التأكيد على ضرورة زيادة الدعم المالي للدول الفقيرة والمتوسطة الدخل، خاصة في إفريقيا.
مصر ستواصل الضغط من أجل الوفاء بالتعهدات السابقة للدول المتقدمة، والتي تتضمن تخصيص 100 مليار دولار سنوياً للتمويل المناخي.
كما ستسعى مصر إلى تعزيز آليات التمويل المستدام مثل المبادلات المناخية مقابل الديون، لتوفير الموارد اللازمة لمشاريع التكيف مع تغير المناخ.
2. تحويل الالتزامات إلى سياسات وطنية
من الضروري أن تقوم الحكومات بتفعيل الالتزامات التي تم الإعلان عنها في المؤتمر عبر استراتيجيات وطنية واضحة.
في مصر، تم تحديد هدف طموح لتحقيق 42% من الطاقة المتجددة بحلول 2030، ومن هنا ينبغي للحكومة المصرية التركيز على تطوير السياسات التي تدعم الاستثمار في الطاقة النظيفة، بما في ذلك توسيع استخدام الطاقات المتجددة مثل الشمس والرياح.
بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تُوضع أطر قانونية وتشريعية لدعم الشركات التي تركز على حلول مستدامة للطاقة والمياه.
3. تعزيز الابتكار التكنولوجي
تعد التكنولوجيا أداة أساسية لتحقيق أهداف تغير المناخ. من خلال التعاون مع الشركات العالمية والمؤسسات البحثية، ينبغي لمصر أن تركز على استثمارات في تقنيات جديدة للمساعدة في إدارة المياه، والطاقة النظيفة، والتخفيف من آثار الكوارث الطبيعية.
يمكن أن تكون الابتكارات التكنولوجية في مجالات مثل الطاقة الشمسية، والري الذكي، وتخزين الطاقة، بمثابة محرك رئيسي لتحقيق التنمية المستدامة.
4. مراقبة التقدم وضمان الشفافية
من أجل ضمان التنفيذ الفعلي للاتفاقيات، يجب أن تكون هناك آليات فعّالة لمراقبة التقدم وتقييم الأداء. سيتعين على مصر والدول المشاركة في قمة COP29 وضع أنظمة لرصد نتائج المشاريع والمبادرات المناخية، وتقديم تقارير دورية لمتابعة تحقيق الأهداف المناخية. كما يجب أن يتم تشجيع الشفافية والمساءلة لضمان أن يتم استخدام الأموال والموارد بشكل فعّال في مشاريع التكيف والتخفيف.
5. بناء القدرات المحلية
النجاح في مواجهة تغير المناخ يتطلب دعم المجتمعات المحلية وتمكينها من المشاركة الفعالة في هذه الجهود. في مصر، ستكون هناك حاجة لبناء القدرات الوطنية والمحلية من خلال توفير التدريب والتعليم والموارد اللازمة. كما يجب أن تتم إقامة شراكات بين الحكومة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني لتعزيز القدرة على تنفيذ الحلول المناخية في المجتمعات الأكثر تأثراً.
6. التركيز على التأقلم مع آثار التغير المناخي
بالإضافة إلى التخفيف من آثار التغير المناخي، يجب على مصر والدول الإفريقية التركيز على التأقلم مع هذه الآثار من خلال تطوير مشاريع تتعلق بالبنية التحتية المقاومة للتغير المناخي، مثل تحسين شبكات المياه والري، وتعزيز حماية السواحل، وزيادة قدرة المجتمعات على التكيف مع الفيضانات والجفاف. تلك المشاريع ستكون أساسية لمواكبة التغيرات البيئية المتسارعة.
7. التعاون الإقليمي والدولي
من الضروري أن تستمر مصر في دورها القيادي في تعزيز التعاون الإقليمي بين الدول الإفريقية والعربية. حيث تساهم مصر بشكل فاعل في إنشاء مبادرات إقليمية لمواجهة التحديات المناخية المشتركة مثل ندرة المياه، والتصحر، وارتفاع درجات الحرارة. كما سيكون من المهم تعزيز التعاون مع الدول المتقدمة لتبادل الخبرات والتكنولوجيا، وتوفير الدعم اللازم لتحقيق الأهداف المناخية العالمية.






Noodlemagazine This was beautiful Admin. Thank you for your reflections.