د.طارق قابيل: دبلوماسية العلوم لمواجهة التحديات العالمية
كاتب ومترجم- عضو هيئة التدريس بكلية العلوم- جامعة القاهرة

الدبلوماسية العلمية هي مفهوم جديد نسبيًا ظهر في القرن الحادي والعشرين. يتم تعريفه على أنه استخدام العلم والتكنولوجيا لتعزيز التعاون الدولي والتفاهم والسلام.
وتعد دبلوماسية العلوم أداة مهمة للحكومات والمنظمات الدولية لسد الفجوة بين العلم والسياسة، ولتعزيز التعاون بين البلدان في القضايا المتعلقة بالعلوم والتكنولوجيا والابتكار.
اكتسب مفهوم دبلوماسية العلوم زخمًا في السنوات الأخيرة بسبب قدرته على المساعدة في مواجهة التحديات العالمية مثل تغير المناخ والأوبئة والأمن الغذائي وأمن الطاقة وأمن المياه والحفاظ على التنوع البيولوجي.
يمكن أيضًا استخدام دبلوماسية العلوم لتسهيل الحوار بين البلدان حول مواضيع مثل حقوق الملكية الفكرية والوصول إلى المعرفة العلمية.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تساعد في بناء الثقة بين الدول من خلال توفير منصة للتعاون في المشاريع البحثية التي يمكن أن تفيد كلا الطرفين.
تقوم دبلوماسية العلوم على فكرة أن المعرفة العلمية يجب أن يتم تقاسمها بين الدول من أجل تعزيز التفاهم والثقة المتبادلين.
ويتضمن هذا النوع من الدبلوماسية تبادل المعلومات العلمية بين البلدان من أجل تعزيز التعاون في مشاريع البحث أو المبادرات السياسية.
كما أنه ينطوي على استخدام الأدلة العلمية في عمليات صنع السياسات من أجل ضمان أن تستند القرارات إلى أدلة سليمة بدلاً من المصالح السياسية أو الأيديولوجية.
يمكن استخدام دبلوماسية العلوم من قبل الحكومات أو المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة أو منظمة الصحة العالمية (WHO) من أجل تسهيل الحوار بين الدول حول القضايا المتعلقة بالعلوم والتكنولوجيا.
على سبيل المثال، استخدمت منظمة الصحة العالمية الدبلوماسية العلمية في جهودها لمكافحة الأمراض المعدية مثل الإيبولا من خلال التواصل مع البلدان المتضررة من أجل تبادل المعلومات حول استراتيجيات الوقاية من الأمراض.
وبالمثل، استخدمت الأمم المتحدة الدبلوماسية العلمية في جهودها لتعزيز أهداف التنمية المستدامة من خلال الانخراط مع الدول الأعضاء في مواضيع مثل مصادر الطاقة المتجددة واستراتيجيات التخفيف من تغير المناخ.
وتعد دبلوماسية العلوم أداة مهمة للحكومات والمنظمات الدولية التي تسعى إلى سد الفجوة بين العلم وعمليات صنع السياسات، وتوفر منصة للحوار بين البلدان حول الموضوعات المتعلقة بالعلوم والتكنولوجيا والابتكار والتي يمكن أن تؤدي إلى زيادة التفاهم بين الدول بالإضافة إلى زيادة التعاون في المشاريع البحثية التي يمكن أن تفيد كلا الطرفين المعنيين.
دبلوماسية العلوم في مصر
لطالما كانت مصر رائدة في مجال العلوم والتكنولوجيا في الشرق الأوسط. فهي موطن لبعض من أرقى الجامعات في المنطقة، مثل جامعة القاهرة وجامعة الإسكندرية.
وتمتلك مصر أيضًا بنية تحتية بحثية قوية، مع العديد من مراكز البحوث والمعاهد المخصصة لتطوير المعرفة العلمية.
على هذا النحو، فهي في وضع جيد لقيادة الجهود المبذولة لتعزيز الدبلوماسية العلمية في المنطقة.
في مصر، أصبحت الدبلوماسية العلمية ذات أهمية متزايدة حيث تسعى البلاد إلى تطوير اقتصادها وتعزيز علاقات أفضل مع الدول الأخرى. وفي السنوات الأخيرة، خطت مصر خطوات كبيرة في مجال العلوم والتكنولوجيا.
واستثمرت الدولة بكثافة في البحث والتطوير، مع التركيز على مجالات مثل الطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الحيوية، وتكنولوجيا النانو، وتكنولوجيا المعلومات.
وقد أدى هذا الاستثمار إلى زيادة عدد الأبحاث العلمية من الباحثين المصريين، والتي تم الاعتراف بها على نطاق واسع من قبل المنظمات الدولية مثل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).
لعبت مصر دورًا نشطًا في جهود تعزيز دبلوماسية العلوم. وقد استضافت العديد من المؤتمرات الدولية حول دبلوماسية العلوم، وركزت على “دبلوماسية العلوم: الجسور بين الثقافات من أجل التنمية المستدامة”.
جمعت المؤتمر ات خبراء من جميع أنحاء العالم لمناقشة كيفية استخدام العلم كأداة لبناء السلام وحل النزاعات.
بالإضافة إلى ذلك، استضافت مصر أيضًا عدة ورش عمل حول دبلوماسية العلوم تهدف إلى بناء القدرات بين الباحثين من مختلف البلدان.
كما اتخذت الحكومة المصرية خطوات لتعزيز الدبلوماسية العلمية من خلال مبادرات مختلفة.
وعملت على تسهيل التعاون بين العلماء من مختلف البلدان، وتعزيز برامج التبادل العلمي بين مصر والدول الأخرى.
بالإضافة إلى ذلك، قدمت الحكومة ممثلة في العديد من الوزارات مثل وزارة التعليم العالي ووزارة البيئة وأكاديمية البحث العلمي وغيرها من المؤسسات والجامعات المصرية الدعم للمشاريع البحثية التي تهدف إلى مواجهة التحديات العالمية مثل تغير المناخ والتخفيف من حدة الفقر.
يتضح التزام مصر بدبلوماسية العلوم من خلال مشاركتها في العديد من المنتديات الدولية، والذي أتاح الفرصة للعلماء المصريين لعرض نتائج أبحاثهم والدخول في حوار مع أقرانهم من جميع أنحاء العالم.
وقد مكنهم ذلك من اكتساب رؤى قيمة حول المناهج المختلفة لمعالجة القضايا العالمية مع تعزيز العلاقات بين مصر والدول الأخرى.
تعد دبلوماسية العلوم أداة مهمة لتعزيز التعاون الدولي وتعزيز التنمية الاقتصادية في مصر. من خلال المبادرات والمشاركة في المنتديات الدولية، تُظهر مصر التزامها باستخدام العلم للأغراض الدبلوماسية.
وسيساعد هذا على ضمان بقاء مصر في طليعة الجهود العالمية نحو التنمية المستدامة كما تقوي علاقاتها مع الدول الأخرى حول العالم.
دور أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا
الأكاديمية هي بيت الخبرة المصرية وتقوم بتنظيم خطط ومشاريع لأفضل العلماء فى مصر لتقديم خبراتهم ومعرفتهم وعمل دراسات استراتيجية وتقديم استشاراتهم للحكومة وللمجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا ولصناع القرار بشأن القضايا المتعلقة بالعلوم والتكنولوجيا في مصر.
وتتمثل رسالة الأكاديمية في التوظيف الفعال للطاقات العلمية والتكنولوجية وتوجيهها نحو خدمة القضايا التنموية، وتدعيم الروابط وتقوية التلاحم بين مؤسسات البحث العلمي والتكنولوجي وجهات الإنتاج والخدمات، والعمل على إشراك القاعدة العلمية والتكنولوجية في النقل المؤثر للتكنولوجيات المتقدمة، وتعميق الاتصالات وتنمية التعاون الثنائي والإقليمي والدولي في مجال البحث العلمي وتنمية التكنولوجيا مع مراكز التميز العلمي والتكنولوجي، وتنمية الابتكارات الوطنية لدعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة في إطار من حماية حقوق الملكية الفكرية.
وتواصل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا مسيرتها في خدمة مجتمع البحث العلمي في مصر من خلال تشكيلاتها العلمية، والتي يناهز عددها نحو مائتي وخمسون تشكيلاً علمياً، تضم أكثر من أربعة آلاف من علماء مصر وخبرائها من الجامعات ومراكز البحوث والوزارات المختلفة.
وتتولى الأكاديمية المعاونة في وضع السياسات العلمية والتكنولوجية وإعداد الخطط التفصيلية لبرامج تطوير البحث العلمي والتنمية التكنولوجية في إطار الخطة الاستراتيجية القومية للبحث العلمي، وتوفير مقومات وبرامج تنمية الموارد البشرية من العلماء والباحثين.
وبشكل عام، لعبت أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا (ASRT) دورًا مهمًا في النهوض بدبلوماسية العلوم في مصر من خلال توفير منصة للتعاون الدولي والحوار بين العلماء من مختلف البلدان.
ومن خلال برامجها ومبادراتها المختلفة، ساعدت في تعزيز فهم أكبر بين الدول مع تعزيز التعاون أيضًا في قضايا مهمة مثل تغير المناخ أو مبادرات الصحة العالمية.
على هذا النحو، من الواضح أن جهود أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا كانت لا تقدر بثمن في مساعدة مصر على أن تصبح مشاركًا نشطًا في دبلوماسية العلوم اليوم.
ومؤخرا، كشفت أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا أنها ستنظم حلقة نقاشية عن دبلوماسية العلوم في عالم متغير، ضمن معرض القاهرة الدولي للابتكار في نسخته السابعة، والذي سينظم على مدار يومي 13-14 فبراير 2023 بالعاصمة الإدارية الجديدة، تحت رعاية رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي بحضور دولة البرتغال كضيف شرف المعرض هذا العام، وهيئة تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار (STDF) كشريك استراتيجي والمعهد المتحد للعلوم النووية بروسيا الاتحادية.





