أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

تغير المناخ.. المحرك الخفي للصراعات في الشرق الأوسط.. عطش وفساد وصراعات

كيف يُشعل المناخ نيران الحرب؟ من سوريا إلى العراق.. الشرق الأوسط في قبضة المناخ

رغم استمرار الصراع في الشرق الأوسط، يسهل التغاضي عن تأثير تغير المناخ، إذ تُحدد الصراعات الإقليمية غالبًا باعتبارات جيوسياسية تقليدية. ومع ذلك، من الضروري عدم تجاهل العامل البيئي الذي يعمّق الأزمات السياسية الداخلية ويهدد استقرار الدول والمجتمعات.

حتى الآن، كان يُعتقد أن المناخ يُفاقم الصراعات، لكنه قد يتحول قريبًا إلى السبب الرئيسي لها.

ويتجلى هذا التأثير بشكل خاص في سوريا والعراق، حيث يزداد دور تغير المناخ في إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية.

في الشرق الأوسط، من المتوقع أن ترتفع درجات الحرارة بمعدل يُعادل ضعف المتوسط العالمي بحلول نهاية القرن الحادي والعشرين، لتصل إلى 4 درجات مئوية مقارنة بـ1.5 درجة في السيناريو العالمي المتوسط.

ووفقًا للباحث جورج زيتيس، قد ينخفض معدل هطول الأمطار في المنطقة إلى النصف، مما يعمّق أزمة المياه.

تدهورت موارد المياه بشكل حاد في عدة دول، إذ انخفض نصيب الفرد من المياه إلى ما دون عتبة الإجهاد المائي (500 متر مكعب/فرد سنويًا).

الحرب السورية وأزمة المناخ

كما شهدت المنطقة موجات حر شديدة وعواصف رملية وجفافًا مطولًا، ورافقها تدهور في البيئة والمعيشة، ناجم جزئيًا عن ممارسات اقتصادية وسكنية غير مستدامة.

الحوكمة الضعيفة في العديد من دول المنطقة تحدّ من قدرتها على التكيّف مع التغير المناخي، ما يؤدي إلى نشوء صراعات جديدة.

وقد تم تحليل الحرب في سوريا من هذا المنظور، خاصة منذ عهد إدارة أوباما عام 2015، رغم أن هذا الطرح كان يُستخدم سياسيًا لدعم الانضمام لاتفاق باريس للمناخ.

شهدت سوريا بين عامي 2005 و2010 جفافًا شديدًا أدى إلى انهيار الزراعة، مما تسبب في تراجع الأمن الغذائي ونزوح داخلي واسع.

لم يكن الجفاف وحده السبب في اندلاع الحرب الأهلية، لكنه كان عاملًا معززًا ضمن سلسلة من الضغوط: النمو السكاني، ضعف القيادة، تدهور الخدمات، وزيادة الكثافة السكانية، خصوصًا في منطقة درعا.

مع شح المياه، تعذر الانتقال إلى الزراعة المروية الأكثر ربحًا، بينما توقفت الهجرة إلى دول الخليج ولبنان بسبب الأوضاع الاقتصادية.

لم تستطع دمشق استيعاب تدفق النازحين من الريف، فتكوّنت أحزمة فقر حضرية تحولت لاحقًا إلى بؤر احتجاج.

أدى سوء الإدارة في ظل حكم حزب البعث، والنمو السكاني المتسارع، إلى هشاشة اجتماعية واقتصادية، كانت البيئة فيها ضحية لقرارات سياسية قاصرة.

ومع اندلاع الربيع العربي في تونس ومصر، اندلعت شرارة الانتفاضة في سوريا على خلفية طويلة من التوتر.

تغير المناخ والصراعات في الشرق الأوسط

أصبح دمج بيانات تغير المناخ في دراسة الصراعات قضية ناشئة في الأبحاث حول الشرق الأوسط، حيث تقود مراكز الأبحاث الأمريكية هذه الجهود منذ التسعينيات، ويعد البنتاجون تغير المناخ “عامل تغيير استراتيجي” منذ عام 1991.

تناولت كتابات متعددة هذه العلاقة، منها كتاب “حروب المناخ” لهارالد ويلزر عام 2008، الذي قدم رؤية قاتمة لمستقبل البشرية، وكتاب “أصول الصراع السوري” لمروة داودي (2020)، الذي قدم تحليلاً عميقًا للترابط بين هشاشة البيئة والعوامل الاجتماعية والسياسية.

العراق وتغير المناخ والصراع

في العراق، تسببت أزمة المياه في أعمال شغب بالبصرة عام 2018 واحتجاجات في أربيل عام 2023. ويمكن أن تتحول هذه الاضطرابات المحلية إلى تهديدات وطنية، بفعل تراجع الوصول للموارد وغياب الحوكمة الفعالة.

في كتاب “دروس من الأزمة السورية” (2024)، أوضح الباحث أن نظام الأسد فشل في تكييف الاقتصاد الزراعي مع الجفاف، ولم يضمن إمدادات المياه في المدن، وسمح للزحف العشوائي بابتلاع الأراضي الزراعية. كما فشلت برامج تحديث الري بسبب البيروقراطية والفساد، ولم تُطبق في المناطق الكردية بسبب أهداف تعريبية.

انطلقت الانتفاضة من الريف الفقير الذي يعاني من ندرة المياه، بينما استمرت النخبة في ري أراضيها بفعل الفساد.

المناطق المحيطة بالمدن الكبرى مثل دمشق وحلب تحولت إلى مراكز احتجاج بسبب الانقطاعات المتكررة للمياه والكهرباء.

وفي ظل نقص خدمات الصرف الصحي، تلوثت المياه الجوفية، بينما كانت المنازل العشوائية تستهلك طاقة مفرطة بسبب رداءة العزل.

هكذا، ساهم التدهور البيئي، وسوء التخطيط العمراني، والفساد، وتغير المناخ في خلق أرض خصبة للغضب الشعبي.

قبل اندلاع الصراع، كان النمو السكاني السبب الأبرز في التدهور البيئي، حيث ارتفع عدد السكان من 3.5 مليون نسمة عام 1947 إلى 21 مليونًا في 2011.

تغير المناخ محفز للصراعات في الشرق الأوسط

وبينما انخفض معدل الخصوبة، استمر الضغط على الموارد، خصوصًا في الزراعة، إلى أن بلغ الدعم الحكومي حدودًا لا يمكن تحملها، وتم تقليصه خلال فترة الجفاف.

بذلك، انسجم الجفاف المطول مع أجندة حزب البعث في إعادة توزيع السكان الكرد نحو الغرب وتعريبهم، كما أظهرت ممارسات التمييز في توجيه المساعدات الأوروبية.

خلاصة القول، أن تغير المناخ ليس العامل الوحيد للصراعات في الشرق الأوسط، لكنه محفز خطير يُسهم في تفاقم التوترات القائمة، ويكشف هشاشة بنى الحكم، ويعزز احتمالات الانفجار في غياب حلول مستدامة وشاملة.

تغير المناخ يدفع العراق نحو الهاوية

على مدار العقد الماضي، عانت سوريا من حرب أهلية، والآن تُجرى إعادة الإعمار في ظل ظروف بيئية بالغة السوء. وقد أصبح نقص المياه، الذي كان قائمًا قبل الحرب، مشكلة هيكلية نتيجة انخفاض هطول الأمطار في المنطقة، وبناء تركيا لسدود احتجاز أسفل نهر الفرات. ونتيجة لذلك، تكافح الزراعة السورية من أجل البقاء، متأثرةً بتعطل شبكات التوزيع ونقص الدعم الحكومي.

في شرق سوريا، تُعاد تأهيل المنطقة المروية من نهر الفرات بدعم من المنظمات غير الحكومية. ولكن، هل يجب أن نتساءل عن هذا؟ ينبغي أن تكون إعادة الإعمار فرصةً لتحديث هذه البنى التحتية القديمة، التي تستهلك كميات كبيرة من المياه. ومع ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وهما المانحان الرئيسيان، لا يرغبان إلا في معالجة الحالات الطارئة.

يُعيد السكان بناء منازلهم بمواد رخيصة ودون المستوى المطلوب، وتستهلك كميات كبيرة من الطاقة، على الرغم من نقصها وارتفاع أسعارها. ويُعد عجز البلديات عن تجديد شبكات المياه والصرف الصحي مشكلة بالغة الأهمية. لا يمكنهم سوى معالجة التسربات، مما يجعل المياه غير صالحة للشرب من الصنبور بسبب التلوث الناتج عن تسرب مياه الصرف الصحي. هذا النهج غير مجدٍ في التكيف مع تغير المناخ، مما يُهيئ الظروف لثورة اجتماعية جديدة.

مدينة الحسكة، الواقعة في شمال شرق سوريا، ويبلغ عدد سكانها نحو 400 ألف نسمة، تعتمد بشكل أساسي على شاحنات الصهاريج للحصول على المياه منذ عام 2019. وينتج هذا الوضع عن استيلاء الميليشيات الموالية لتركيا على نبع “علوك”، الذي يزود المدينة بالمياه. وفي هذه البيئة شبه القاحلة، يكون منسوب المياه مالحًا للغاية بحيث لا يصلح للاستهلاك البشري.

أصبح هطول الأمطار غير كافٍ لملء سدود الاحتفاظ التي بُنيت في ثمانينيات القرن الماضي، والتي صُممت لتخدم سكانًا لم يكن عددهم يتجاوز عشر حجمهم الحالي. وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، موّل الاتحاد الأوروبي والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية عمليات نقل المياه في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (AANES) دون السعي إلى حل أكثر استدامة.

مصطلح “إعادة الإعمار” يُعد قضية سياسية مثيرة للجدل بالنسبة للمانحين بسبب العقوبات المفروضة على سوريا، بما في ذلك على المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية الموالية للغرب. وحده التعاون الألماني انحرف عن هذا المبدأ بتمويل تجديد قناة “سوار”، التي تربط نهر الفرات بالحسكة، بتكلفة عشرات الملايين من اليورو.

ورغم هذا الاستثمار الكبير، لا تزال المدينة تفتقر إلى الكهرباء اللازمة لضخ كميات هائلة من المياه اللازمة لإمداداتها. إضافةً إلى ذلك، تواجه القرى العربية الواقعة على طول مسار القناة نقصًا في المياه، وتستغلها بشكل غير قانوني. تفتقر الإدارة الكردية إلى السلطة لوقف هذه الممارسات، لأن القيام بذلك قد يشعل ثورة.

لذا، لا يملك السكان خيارًا سوى شراء المياه، التي تمثل نحو 20% من نفقاتهم الشهرية. وعلى الرغم من المساعدات الدولية، فإن أسطولًا من شاحنات الصهاريج الخاصة يزود ثلثي احتياجات المدينة من المياه من عدد قليل من المصادر القريبة. ومع ذلك، فإن هذه المصادر منهكة للغاية وقريبة من الاستنزاف. وقد تكون الحسكة أول مدينة في الشرق الأوسط يهجرها سكانها بسبب نقص المياه.

السلطات السورية عاجزة، إذ تفتقر إلى الموارد اللازمة لتنفيذ مشروع تجديد حضري شامل قادر على مواجهة التحديات الراهنة. في هذه الأثناء، يعيش الأفراد اللحظة الراهنة ويعطون الأولوية للبقاء الفوري. تبدو عواقب تغير المناخ بعيدة المنال بالنسبة لهم، ويقتصر ردهم على تركيب مكيفات الهواء والمولدات الكهربائية، بدلًا من تكييف منازلهم بطرق مستدامة وإن كانت مكلفة.

لذلك، لا تُستخدم الألواح الشمسية إلا عندما يصبح عجز الطاقة لا يُطاق، وليس بهدف تعويض تكلفتها على المدى الطويل. ولا يزال استخدام مواد البناء العازلة أمرًا بعيد المنال. لقد عمّمت الحرب ثقافة العمل قصير الأجل. فإذا أصبحت المنطقة غير صالحة للعيش، سيفكر معظم السكان في الهجرة بدلًا من التكيف مع الظروف المناخية الجديدة.

علاوة على ذلك، كيف يمكن تحقيق تكيف منتج وفعال على المستوى الفردي دون جهود منسقة أو توجيه من حكومة استباقية؟ في بداية الصراع السوري، تسامحت الحكومة مع بناء المساكن غير القانونية، في محاولة لمعالجة الأزمة الاجتماعية من خلال توفير مساكن بأسعار معقولة للفقراء.

خلال البناء، توقفت المظاهرات. وسرّعت الحرب هذه العملية، إذ أصبح ملايين الأشخاص نازحين داخليًا. في العديد من المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة، اختفت اللوائح، وسعت السلطات الجديدة إلى اكتساب الشرعية من خلال التساهل مع البناء غير القانوني.

شاهدنا التوسع الهائل لمدن الرقة والقامشلي والحسكة على شكل ضواحٍ عشوائية شاسعة، وكذلك على شكل مساكن متناثرة في الريف على أراضٍ زراعية كانت محمية سابقًا. وهذا يحدث في المنطقة التي تسيطر عليها الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا. في وادي الفرات، بين الرقة والحدود العراقية، يبني المزارعون منازل جديدة وسط الأراضي المروية، ويحيطون ممتلكاتهم بجدران لتقسيم الأراضي. لا يستطيع القادة الأكراد معارضة ذلك، خشية الدخول في صراع مع السكان العرب، ما يؤدي إلى اختفاء أفضل الأراضي الصالحة للزراعة، وبالتالي تقليل الإمكانات الزراعية.

انهيار جنوب العراق

يُفاقم تغير المناخ النزاعات، لكن تأثيره يختلف باختلاف السياق المحلي. فهو لا يسبب النزاعات مباشرةً، بل يتفاعل مع عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية. لذلك، من الضروري إجراء دراسات تأخذ في الحسبان السياق المحلي لفهم النزاعات وتأثير الاحتباس الحراري وقدرة المجتمع على التكيف.

معظم التوترات تنشأ على المستوى المحلي، حيث تُضطرب الحياة اليومية عندما تُصبح الموارد شحيحة، مما يؤدي إلى تنافس عنيف. تؤدي عدم قدرة المباني على تحمل الحرارة في غياب الكهرباء لتشغيل أجهزة التكييف إلى اضطرابات قد تتفاقم إلى أعمال شغب.

وقد أدى تدهور الخدمات العامة في المناطق الحضرية المكتظة بالسكان، والمتفاقم بسبب هجرة السكان من الريف، والنمو السكاني السريع، وتدفق اللاجئين، إلى لجوء السكان الأثرياء إلى مجتمعات سكنية مغلقة تتمتع بمرافق متطورة مملوكة للقطاع الخاص. هذه العزلة توسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتؤجج الانقسامات الاجتماعية.

في العراق، تنتشر المدن في شكل مجموعات من منازل الأسرة الواحدة. لم يعد السكان يثقون في الخدمات العامة، ويفضلون الاعتماد على مصادرهم الخاصة، مثل المولدات الكهربائية ومصادر المياه المستقلة. نتيجة لذلك، تقلّ جاذبية المساكن الجماعية، وتختفي بعض أفضل الأراضي الزراعية بسبب التوسع العمراني العشوائي، مما يؤدي إلى انعدام الأمن الغذائي.

تلجأ الدول إلى دعم الغذاء للحفاظ على السلام الاجتماعي، لكنها باتت مضطرة إلى استيراده بتكاليف باهظة، مما يضعها في تبعية جيوسياسية. ويؤدي الجفاف في بعض المناطق إلى هجرات داخلية، مما يقوض الوحدة الوطنية الهشة.

جنوب العراق، الذي كان يُعد حديقة خضراء، يعاني اليوم من تصحر واسع النطاق. الري بالغمر أدى إلى زيادة ملوحة التربة، وتعقيم الحقول، وندرة المياه أثرت على المحاصيل. النظام الزراعي في العراق يهدر أكثر من 90% من المياه بسبب التسرب والتبخر، إضافة إلى مركزية إدارية موروثة من عهد البعث جعلت المزارعين يخشون التعامل مع الحكومة.

ضعف القيادة، وغياب إشراف الدولة على توزيع المياه، أديا إلى استغلال الأقوياء للموارد على حساب الضعفاء. وتفاقم المشكلة بفعل المنافسة الأجنبية، حيث تُباع المنتجات الزراعية المستوردة بأسعار منخفضة، ما يدفع الشباب إلى ترك الزراعة والانخراط في الميليشيات أو البحث عن وظائف خدمية في المدن.

يؤدي هذا إلى نزوح مكثف من الريف، يتركز الفقر في ضواحي المدن الكبرى، فيما يتجه بعض الريفيين إلى مراكز المدن المتداعية. وتعتمد الأسر الجديدة على زعماء العشائر لضمان حقوق الملكية، مما يُسبب توترًا مع السكان الأصليين.

في مدينة البصرة، يعيش مليونا شخص من أصل خمسة ملايين في أحزمة الفقر. تتوسع الأحياء المغلقة بسبب الطلب المرتفع على السكن، ويتم حجز المساكن قبل اكتمال بنائها. وتفشل السلطات المحلية، المرتبطة بمطوري العقارات، في تطبيق سياسات تعزز المعيشة المستدامة وتمنع التوسع العشوائي.

ورغم إمكانيات استخدام مواد بناء عازلة، يُفضل المطورون الربح على الجودة، مما يؤدي إلى تدهور المباني سريعًا. وتوسعت البصرة إلى ضواحي مترامية على النمط الأميركي، معتمدة على السيارات الخاصة، مما يرفع من تكاليف الطاقة والسكن.

انقطاع الكهرباء أو ارتفاع أسعار الوقود قد يؤديان إلى انهيار هذا النموذج. ولذلك، قررت الحكومة العراقية توفير الكهرباء بشكل دائم وبتكلفة منخفضة، خاصة في المجتمعات غير الرسمية. إلا أن الاعتماد المفرط على عائدات النفط لتغطية العجز يجعل هذا الحل غير مستدام.

إذا حدث انقطاع كهربائي خلال موجة حر، فقد يؤدي ذلك إلى رحيل جماعي للسكان. يواجه العراق تحديين رئيسيين: ارتفاع درجات الحرارة وندرة المياه، ويجب توجيه الموارد لمعالجتهما.

الاعتماد على صادرات النفط لتوفير الكهرباء والغذاء قد يُوفر راحة مؤقتة، لكنه يقوض السيادة ويهدر الثروة على الاستهلاك بدلًا من الاستثمار في المستقبل. تصحر المناطق شبه القاحلة سيؤدي إلى هجرة قسرية إلى الشمال الشرقي، مما يُهدد التوازن الديمغرافي.

مستقبل الهجرة والمخاطر الإقليمية

الدول المستقرة مهددة بسبب عدم قدرة جيرانها على التكيف مع ظاهرة الاحتباس الحراري. تمييز دوافع الهجرة في الشرق الأوسط قد يكون معقدًا، لكنه غالبًا نتيجة تفاعل عوامل سياسية واقتصادية ومناخية.

الصراع، والانهيار الاقتصادي، والعجز في مواجهة تغير المناخ، كلها أسباب تُغذي الهجرة. تُبنى الجدران لمنعها، كما تفعل تركيا، ويُضغط على الدول مثل السعودية لمواجهة موجات اللجوء من اليمن والقرن الأفريقي.

دول الخليج تتكيف باستخدام تكييف الهواء وتحلية مياه البحر، وتستثمر في الطاقة المتجددة. لكن الاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري لتلبية الطلب المحلي يُضعف صادراتها ويُهدد أهدافها الاستراتيجية.

تغير المناخ يُعيد رسم الخريطة السكانية، و”لاجئو المناخ” باتوا واقعًا يفرض نفسه على سياسات المستقبل.

فخ الصراع المستدام… إبادة المدن الحديثة

تشهد لبنان، سوريا، العراق، اليمن، والأراضي الفلسطينية حاليًا صراعاتٍ كبيرة.

لبعضها تاريخٌ يمتد لعقود، مما يوحي بأنها عالقة في دوامة عنفٍ متواصل (“فخ الصراع”).

عندما تشهد دولةٌ ما حالة عنفٍ واحدة، فإن ذلك يزيد من احتمالية اندلاع عنفٍ في المستقبل.

لذلك، فإن حل هذه الأزمات المتكررة لا يقتصر على منع ظهورها مستقبلًا، بل يتعلق بمحاولة إنهاء الأزمات التي بدأت بالفعل “بشكلٍ نهائي”.

وهذا يتطلب استراتيجيةً لتحقيق الاستقرار تأخذ في الاعتبار الأسباب الكامنة، بما في ذلك عاملٌ جديد: تغير المناخ.

عادةً ما يُنظر إلى إعادة الإعمار على أنها مسعى ما بعد الصراع، يبدأ بعد وقف إطلاق النار أو معاهدة سلام، ومع ذلك، تشير الأدلة التجريبية إلى أن إرساء استقرار دائم قد يستغرق عقودًا عديدة.

وبالتالي، يتطلب الأمر منظورًا شاملًا، مقرونًا بفهم متعمق لتداعيات القرارات والإجراءات المتخذة على الصعيد السياسي.

غالبًا ما تبدأ إعادة الإعمار خلال الأعمال العدائية الفعلية، خاصةً عندما تكون أقل حدة.

يمكن أحيانًا مقارنة هذه المرحلة بنوعٍ متحوّر من الصراع، حيث بمجرد أن تهدأ الأسلحة، يؤدي ذلك إلى تهجير جزء من السكان، أو إعادة بناء جهاز قسري جديد.

يمكن للتحديات التي تواجهها الأطراف بعد الحرب أن تُغيّر توازن القوى بين الأقوياء والضعفاء.

من المهم إدراك أن طبيعة الصراعات المعاصرة قد تطورت بشكل ملحوظ على مدار الخمسين عامًا الماضية.

لم تعد هناك خطوط قتال واضحة أو نقاط نهاية محددة. لقد أصبحت أكثر ديناميكيةً وغير قابلة للتنبؤ.

أصبحت فترة ما بعد الصراع الآن مدمجة بسلاسة في المرحلة السابقة من العنف الجامح، ولكن على جبهات قتال جديدة، مثل الاقتصاد، وتخطيط استخدام الأراضي، والتخطيط الحضري.

في ظل هذه الظروف، لا يمكن فصل مرحلة إعادة الإعمار عن الصراع الذي يُفترض أن تُنهيه.

للتقدم نحو سلام دائم، يجب أن نفهم الأسباب الجذرية للأزمة.

“إبادة المدن”

لا يمكننا الاستمرار في الوقوع في دوامة الصراع الدائم، لذلك، يجب إيلاء اهتمام خاص للمدن، التي أصبحت الآن بؤر التوتر في الشرق الأوسط.

إن مفهوم “إبادة المدن” أصبح شائعًا لدرجة أنه استُخدم لوصف تدمير العديد من المدن ومناطقها الأساسية.

ومع تزايد التحضّر، أصبحت الصراعات وعواقبها أكثر ارتباطًا بالمجال الحضري.

تشهد حلب، والموصل، وتلعفر، والرقة، وكوباني، ودير الزور، والعديد من المدن الأخرى في الشرق الأوسط دمارًا يُضاهي ما شهدته أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك، فإن إعادة إعمارها لا تُراعي الحاجة المُلحّة للتكيف مع تغير المناخ.

رغم ذلك، يمكن أن يُشكّل هدم أحياء بأكملها حافزًا لإعادة هيكلة شاملة للتصميم الحضري.

حاليًا، تُجرى معظم جهود إعادة الإعمار تلقائيًا، ودون مساعدة خارجية أو تخطيط.

تسمح السلطات المحلية للسكان بإعادة بناء منازلهم بطرقهم الخاصة باستخدام الأساليب التقليدية.

حتى في الموصل، حيث قدم المجتمع الدولي مليارات الدولارات كمساعدات مالية، وحيث تتمتع الدولة العراقية بإيرادات نفطية كبيرة، فإن السكان هم من يتحملون عبء عملية إعادة الإعمار: إذ ينتهي بهم الأمر بإعادة بناء منازلهم كما كانت تقريبًا من قبل.

لا يتلقى سكان الرقة وحلب أي مساعدة أو توجيه، ومنازلهم المُعاد بناؤها أقل جودة من تلك التي كانت قائمة قبل الحرب.

الخدمات الحضرية غير كافية أو ناقصة أو معيبة، مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف المعيشة التي غالبًا ما تتجاوز قدرة السكان.

إن كل هذه المدن هي قنابل موقوتة، والصراعات المستقبلية، خاصةً تلك المرتبطة بالفشل في التكيف مع تغير المناخ، تتفاقم وتُبقي سوريا، ولبنان، والعراق محاصرة في حالة دائمة من الصراع.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading