أخبارتغير المناخ

رواسب البحيرات تكشف تاريخ تلوث النيتروجين وتحدد المناطق التي بدأت التعافي

دراسة عالمية: طين البحيرات يسجل بصمة قرنين من تلوث النيتروجين في الغلاف الجوي

كشفت دراسة علمية جديدة أن رواسب البحيرات النائية تحتفظ بسجل كيميائي دقيق لتلوث النيتروجين في الغلاف الجوي عبر أكثر من قرنين، ما أتاح للباحثين تتبع مسار التلوث والتعافي البيئي في ثلاث قارات مختلفة.

 

ورغم أن العديد من هذه البحيرات تبدو بعيدة عن تأثير الأنشطة البشرية، فإن الطبقات المتراكمة من الرواسب في قيعانها سجلت بدقة التغيرات التي طرأت على مستويات النيتروجين المحمولة جوًا منذ القرن التاسع عشر.

 

بحيرات نائية تكشف تاريخ التلوث

بحيرات

 

قاد الدراسة الباحث شين تشو من جامعة العلوم والتكنولوجيا الصينية، حيث قام فريقه بجمع عينات من الرواسب الطينية من 51 بحيرة نائية موزعة بين أمريكا الشمالية وأوروبا وشرق آسيا.

 

ونُشرت الدراسة في دورية “Communications Earth & Environment“، واختيرت هذه المواقع بعناية لابتعادها عن المصانع والمزارع ومصادر التلوث المحلية، ما يجعل النيتروجين الموجود فيها ناتجًا أساسًا عن الترسبات الجوية المتراكمة عبر عقود طويلة.

 

واعتمد الباحثون على تحليل نسب نظيري النيتروجين داخل كل طبقة من الرواسب، إذ تتغير هذه النسب عند تأثرها بالأنشطة الصناعية والزراعية.

 

وتُطلق مصانع الأسمدة وعوادم المركبات ومخلفات الثروة الحيوانية كميات كبيرة من أشكال النيتروجين الخفيفة، تاركة بصمة كيميائية مميزة في الطبقات الرسوبية التي تشكلت خلال كل فترة زمنية.

 

خمسينيات القرن الماضي نقطة تحول

أظهرت نتائج الدراسة، أن رواسب البحيرات في أوروبا وأمريكا الشمالية سجلت تغيرًا حادًا في نسب نظائر النيتروجين ابتداءً من خمسينيات القرن العشرين.

 

ويتزامن هذا التحول مع فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي شهدت توسعًا صناعيًا هائلًا وزيادة كبيرة في إنتاج الأسمدة وارتفاع أعداد المركبات والانبعاثات الناتجة عنها.

 

وقبل تلك الفترة كانت مستويات النيتروجين تتأثر أساسًا بالعوامل الطبيعية والمناخية، إلا أن الإشارة الكيميائية بدأت بالانخفاض بصورة واضحة بعد عام 1950.

 

وظهر هذا النمط في بحيرات متباعدة جغرافيًا، من متنزه يلوستون الوطني في الولايات المتحدة إلى مناطق واسعة من الدول الإسكندنافية، ما يؤكد أن تأثير التلوث تجاوز بكثير حدود المناطق الصناعية.

 

شرق آسيا تسير وفق مسار مختلف

على النقيض من أوروبا وأمريكا الشمالية، لم تظهر بحيرات شرق آسيا زيادة ملحوظة في التلوث إلا بدءًا من منتصف ثمانينيات القرن العشرين.

 

ويربط الباحثون هذا التأخر بالطفرة الاقتصادية والصناعية التي شهدتها المنطقة، خصوصًا في الصين، خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي.

 

وساهمت محطات الطاقة العاملة بالفحم والتوسع في استخدام الأسمدة الزراعية والزيادة الكبيرة في حركة النقل في رفع مستويات مركبات النيتروجين في الغلاف الجوي.

 

حتى البحيرات الواقعة في المناطق الجبلية البعيدة عن المدن الكبرى احتفظت في رواسبها بآثار هذا التلوث المتزايد.

 

أوروبا تقود مسار التعافي

أبرزت الدراسة اختلافًا واضحًا في وتيرة التعافي بين القارات، فابتداءً من عام 1995 تقريبًا بدأت نسب نظائر النيتروجين في البحيرات الأوروبية بالعودة تدريجيًا نحو مستوياتها الطبيعية السابقة للعصر الصناعي.

 

وبدأت البحيرات في أمريكا الشمالية إظهار مؤشرات مماثلة بعد نحو عقد من الزمن، لكن بوتيرة أبطأ بكثير.

 

وتشير النتائج إلى أن معدل التعافي في أوروبا يفوق نظيره في أمريكا الشمالية بنحو أربعة أضعاف، وهو ما يعكس نجاح السياسات البيئية الأوروبية في الحد من مصادر التلوث المختلفة.

 

أما في أمريكا الشمالية، فقد بلغت مؤشرات التعافي نحو 10% فقط حتى الآن.

 

نوعان رئيسيان من تلوث النيتروجين

النيتروجين

يوضح الباحثون أن النيتروجين التفاعلي في البيئة يأتي أساسًا من مصدرين رئيسيين.

 

  • الأول هو أكاسيد النيتروجين الناتجة عن احتراق الوقود في المركبات ومحطات الطاقة والمصانع.
  • أما المصدر الثاني فهو الأمونيا الناتجة بصورة رئيسية عن الأسمدة الزراعية ومخلفات الحيوانات والأنشطة الزراعية المكثفة.

 

وتبنت أوروبا سياسات استهدفت المصدرين معًا، من خلال فرض قيود على الانبعاثات الصناعية وتشديد القواعد المنظمة للقطاع الزراعي خلال تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الجديدة.

في المقابل، ركزت السياسات البيئية في أمريكا الشمالية بدرجة أكبر على الحد من الانبعاثات الصناعية، بينما ظل التلوث الناتج عن الأنشطة الزراعية يمثل تحديًا مستمرًا.

 

بصمة السياسات البيئية في الرواسب

تشير الدراسة إلى أن التعافي الأوروبي لم يكن عشوائيًا، بل جاء متزامنًا مع تنفيذ اتفاقية التلوث الجوي بعيد المدى عبر الحدود وسلسلة من التشريعات الأوروبية الخاصة بخفض انبعاثات النيتروجين.

 

كما ارتبط التحسن المسجل في أمريكا الشمالية بتعديلات قانون الهواء النظيف في الولايات المتحدة والإجراءات البيئية المماثلة في كندا.

 

أما في شرق آسيا، فتظهر الرواسب تباطؤًا في وتيرة التدهور خلال السنوات الأخيرة، لكنها لا تشير بعد إلى انعكاس كامل للاتجاه نحو التعافي.

 

ماذا تحتاج البحيرات الآن؟

تمثل هذه الدراسة أول مقارنة شاملة لسجلات الرواسب في البحيرات النائية عبر ثلاث قارات ضمن إطار زمني موحد.

 

وتؤكد النتائج أن تلوث النيتروجين يترك بصمة واضحة على نطاق قاري، وأن مسارات التعافي تختلف باختلاف السياسات البيئية المطبقة في كل منطقة.

 

ويرى الباحثون أن الأنظمة البيئية المائية تحتاج إلى وقت أطول للتعافي مقارنة بالمدة التي استغرقها تراكم التلوث، إذ تتطلب استعادة المجتمعات الطحلبية والأسماك والتوازن الكيميائي للمياه سنوات وربما عقودًا إضافية.

 

وبالنسبة لشرق آسيا، تشير النتائج إلى أن خفض انبعاثات الأمونيا الزراعية إلى جانب أكاسيد النيتروجين الناتجة عن الطاقة والنقل قد يسرّع من وتيرة التعافي، على غرار التجربة الأوروبية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading