أكثر من نصف المدن الساحلية في العالم تتراجع بسبب تغير المناخ.. أفريقيا تتصدر القائمة
دراسة عالمية تكشف تحرك أغلبية المدن الساحلية بعيدًا عن الشواطئ
أظهرت دراسة جديدة باستخدام بيانات الأقمار الصناعية الليلية أن أكثر من نصف المستوطنات الساحلية في العالم قد تراجعت نحو الداخل خلال الثلاثين عامًا الماضية، استجابة لتزايد المخاطر المناخية.
شارك في إعداد الدراسة باحثون من جامعة كوبنهاغن، كما حدَّدوا مناطق تتحرك نحو الساحل رغم المخاطر، بما في ذلك كوبنهاجن.
لطالما جذبت السواحل كثافة سكانية ونشاطًا اقتصاديًا كبيرًا، حيث يعيش اليوم أكثر من 40% من سكان العالم ضمن 100 كيلومتر من الساحل، ويواجهون ارتفاعًا متسارعًا في مستوى سطح البحر وتآكلًا للشواطئ وفيضانات وأعاصير مدارية.
يُعد الابتعاد عن الساحل، المعروف باسم “التراجع”،استراتيجية تكيفية، لكن مدى انتشاره وأسبابه على الصعيد العالمي ظل غامضًا، تقدم الدراسة، المنشورة في مجلة Nature Climate Change، أول دليل عالمي على أن التراجع الساحلي يُحدد أكثر بضعف البنية الاجتماعية والتحتية، وليس بمجرد التعرض التاريخي للمخاطر.
أجرى الدراسة فريق دولي بقيادة باحثين من جامعة سيتشوان، وشارك فيها خبراء الاستشعار عن بعد من جامعة كوبنهاجن (ألكسندر بريشيبوف وشينغبينغ دينج، IGN)، حيث تم رسم خرائط تحركات المستوطنات عبر 1071 منطقة ساحلية في 155 دولة.
من خلال دمج ملاحظات الضوء الليلي مع بيانات اجتماعية واقتصادية عالمية، وجد الباحثون أن 56% من المناطق الساحلية تراجعت من 1992 إلى 2019، بينما اقتربت 16% من الساحل، بما في ذلك منطقة كوبنهاغن، وظلت 28% مستقرة.

تصدُّر أفريقيا وأوقيانوسيا للتراجع
يقول دينج، الذي دافع حديثًا عن أطروحته حول موضوع ذي صلة: “أكثر من نصف المناطق الساحلية في العالم تتحرك بعيدًا عن الشاطئ، مع تصدُّر أفريقيا (67%) وأوقيانوسيا (59%) للتراجع، ومع ذلك، في بعض مناطق آسيا وأمريكا الجنوبية، تواصل المجتمعات التوسع نحو الساحل.”
تسلط الدراسة الضوء على فجوة كبيرة في التكيف: فغالبيّة المناطق منخفضة الدخل، خاصة في أفريقيا وآسيا، غير قادرة على التراجع غالبًا بسبب السعي لتحسين الوضع الاقتصادي، واعتمادها على الأراضي الساحلية، وغياب البدائل. وهذا يترك ملايين الأشخاص معرضين للفيضانات وتآكل السواحل.

التراجع الأكثر شيوعًا في البلدان متوسطة الدخل
اللافت أن التراجع الأكثر شيوعًا يحدث في البلدان متوسطة الدخل، إذ تمتلك هذه الدول القدرة المؤسسية والموارد المالية لدعم النقل، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى الثروة الذي يسمح بالاعتماد الكامل على البنية التحتية الوقائية.
في الوقت نفسه، تميل المناطق منخفضة وعالية الدخل إلى البقاء قرب الساحل أو الاقتراب منه لأسباب مختلفة؛ فالأولى تبحث عن سبل العيش، والثانية تثق في قدرتها على إدارة المخاطر المناخية باستخدام البنية التحتية المتقدمة وأنظمة الإنذار المبكر والدفاعات الساحلية.

كوبنهاجن من بين قلائل اقتربوا من الساحل
أثارت زيادة مخاطر الفيضانات في الدنمارك مؤخرًا جدلاً سياسيًا، مع اتهامات للسياسيين بتأجيل تنفيذ السياسات اللازمة لحماية الممتلكات، ومع ذلك، تظهر الدراسة أن كوبنهاجن من بين القلائل الذين اقتربوا من الساحل خلال العقود الماضية.
يقول بريشيبوف: “تمتلك الدنمارك بنية تحتية قوية وقدرة أكبر على التكيف مع المخاطر الساحلية، ومع ذلك، مع وجود تآكل موثق في بعض المناطق، تصبح التخطيط الداخلي والتدابير المرنة ضرورية”.
تشير الدراسة إلى أن التراجع الساحلي يتأثر أكثر بالضعف الحالي أمام المخاطر، وليس بتكرار الكوارث السابقة. فالأماكن ذات الحماية المحدودة والقدرة التكيفية المنخفضة تشهد تراجعًا أسرع.
استُخدمت طريقة “النمذجة متعددة التأثيرات” لتحليل البيانات، حيث أظهرت أن تحسين القدرة التكيفية بنسبة 1% يقلل سرعة التراجع بنسبة 4.2%، وزيادة الحماية الهيكلية بنسبة 1% تقللها بنسبة 6.4%.
يضيف بريشيبوف: “تظهر نتائجنا أن الضعف، وليس مجرد التعرض للخطر، يحدد ما إذا كانت المجتمعات تتكيف استباقيًا أم تضطر للتراجع ردًّا على الظروف”.
ويؤكد الباحثون على أهمية المزيد من الدراسات لفهم تحركات السكان الساحلية عالميًا، خاصة في المناطق الاجتماعية الهشة مثل بعض دول أفريقيا، حيث قد لا تعكس بيانات الضوء الليلي النشاط الاقتصادي بدقة.





