أخبارتغير المناخ

مياه أعماق القارة القطبية الجنوبية قد تعيد تشكيل دوران المحيطات عالميًا

ذوبان الجروف الجليدية يضعف إنتاج «مياه القاع القطبية» بنسبة تصل إلى 36%

كيف يمكن لمياه أعماق القارة القطبية الجنوبية أن تغيّر توازن المحيطات العالمية؟

في رأس دارنلي بشرق القارة القطبية الجنوبية، يعتمد تكوّن «مياه القاع القطبية الجنوبية» على توازن شتوي دقيق. وتُظهر محاكاة علمية أن اختلال هذا التوازن قد يؤدي إلى انخفاض تصدير هذه المياه بنسبة تصل إلى 36%.

تتبّع باحثون أستراليون هذه المخاطر في شرق أنتاركتيكا، مع التركيز على منطقة رأس دارنلي وجرف أميري الجليدي خلال فترة نمو الجليد البحري في الشتاء.

تتكوّن هذه الكتلة المائية العميقة عندما تصبح المياه السطحية أكثر ملوحة وكثافة، فتهبط إلى الأعماق، دافعة دورانًا محيطيًا عالميًا ينقل المياه بين السطح والعمق.

قاد الدراسة الدكتور ديفيد جويثر من جامعة كوينزلاند في بريزبن، الذي يدرس تفاعل الرياح القطبية الجنوبية والجليد البحري وذوبان الجليد السفلي في تحديد إنتاج مياه القاع كل شتاء.
نُشرت الدراسة في دورية Geophysical Research Letters.

مياه أعماق القارة القطبية الجنوبية

لماذا يُعد رأس دارنلي موقعًا حاسمًا؟

يبدأ إنتاج مياه القاع في مناطق تُعرف باسم «البولينيا»، وهي فتحات مائية دائمة نسبيًا داخل الجليد البحري الشتوي، وتملأ هذه المياه ما بين 30 و40% من كتلة المحيطات العالمية.

يقع رأس دارنلي على بعد نحو 3 آلاف كيلومتر من البر الرئيسي الأسترالي، ما يجعل القياسات الشتوية معتمدة إلى حد كبير على أدوات رصد عن بُعد.

ولا تنتج هذه المياه إلا في أربع مناطق رئيسية حول أنتاركتيكا، ما يجعل أي تغير في موقع ساحلي واحد ذا تأثير واسع، خاصة عند تغيّر الجليد أو الرياح المجاورة.

في رأس دارنلي، يتشكل ماء القاع نتيجة صراع بين المياه العذبة الناتجة عن ذوبان جرف أميري الجليدي، والمياه المالحة القادمة من بولينيا ماكنزي.

وتشهد هذه البولينيا، وهي فتحة شتوية متكررة غرب الجرف الجليدي، رياحًا مستمرة تعزز تكوّن الجليد البحري، ما يركز الأملاح في المياه ويعوض تأثير مياه الذوبان القريبة.

ويقول الدكتور جويثر: «مياه الذوبان من جرف أميري تُخفف ملوحة المياه المتدفقة شمالًا نحو رأس دارنلي».

ذوبان الجليد وتأثيره في غوص المياه

يضعف إنتاج مياه القاع عندما يضيف الذوبان القاعدي مياه عذبة تقلل كثافة المياه. وفي المحاكاة، أدى تضاعف ذوبان جرف أميري إلى تقليص التصدير الشتوي بنحو 7%، ما يشير إلى حساسية مستمرة، وإن كانت أقل حدة.

كما تزيد المياه العذبة من التطبّق المائي، حيث تستقر المياه الأخف فوق الأثقل، ما يؤخر عملية الخلط التي تعيد بناء الملوحة.

وأظهرت النماذج أن توقف نشاط بولينيا ماكنزي، وتحديدًا إنتاج الجليد البحري فيها، أدى إلى أكبر انخفاض متوقع في تصدير مياه القاع من رأس دارنلي.

وقد يتراجع نشاط هذه البولينيا عندما تضعف الرياح أو يتكدس الجليد البحري قرب الساحل، ما يقلل المساحات المفتوحة القابلة للتجمد.

مياه أعماق القارة القطبية الجنوبية

اختبار مياه الأعماق القطبية

اعتمد الباحثون على نموذج حاسوبي لتتبع الملوحة ودرجة الحرارة والتيارات البحرية في رأس دارنلي، مع استخدام بيانات الرياح والجليد البحري لعزل تأثير الذوبان والتجمد المجاورين.

وأظهرت النتائج أن تكوّن المياه العميقة يعتمد على رياح ساحلية قوية تدفع الجليد بعيدًا، كاشفة مياه سطحية يمكن أن تتجمد مجددًا، مطلقة كميات إضافية من الملح في المياه الساحلية.

وقد يؤدي تغيّر أنماط الرياح إلى تغيير وتيرة انفتاح رأس دارنلي شتاءً، وبالتالي كمية المياه الكثيفة المتشكلة هناك.

الشتاء محرك الأعماق

يبلغ تكوّن مياه القاع ذروته في الشتاء، حين تنخفض درجات الحرارة الجوية ويتسارع نمو الجليد البحري. في المقابل، قد يرسل الذوبان الصيفي تحت جرف أميري مياه أخف نحو رأس دارنلي، ما يجعل موسم التجمد اللاحق أكثر صعوبة.

كما أن تأخر التجمد الشتوي قد يؤخر بدء تصدير المياه الكثيفة من الرف القاري، في حين يمكن لارتفاع الحرارة المبكر في الربيع أن ينهي هذه العملية أسرع.

تنحدر هذه المياه الثقيلة على طول قاع البحر، وتمتزج بطبقات أعمق، لتكوّن مياه القاع القطبية الجنوبية التي تنتشر شمالًا، حاملة البرودة والأكسجين إلى الأعماق، ومساعدة على احتجاز الحرارة والكربون بعيدًا عن السطح.

تغيرات في المحيط العميق

تشير سجلات حديثة إلى أن مياه القاع القطبية الجنوبية باتت أقل ملوحة وتتقلص عالميًا مع زيادة اختلاط مياه الذوبان.

وبما أن دوران المياه العميقة بطيء للغاية، فإن أي تغير طفيف في الكثافة قرب أنتاركتيكا قد يستمر لعقود.

انخفاض الملوحة يجعل المياه أخف وزنًا، ما يقلل من غوصها وإنتاجها خلال المواسم الباردة، ويضعف قدرة المحيط العميق على تخزين الحرارة والكربون.

وقد تمتد آثار هذه التغيرات إلى أنماط ارتفاع مستوى البحر وهطول الأمطار إقليميًا، حتى وإن بدأت التحولات في أقصى جنوب العالم.

آفاق البحث المستقبلية

تعتمد دقة النماذج على جودة بيانات الرياح والجليد البحري، وأي فجوات في الرصد قد تشوّه النتائج.

ويقترح الباحثون دمج مراصد جديدة مع محاكاة متكررة لدراسة «التهيئة المسبقة» للمياه، أي الخصائص الأولية التي تحدد سلوكها لاحقًا.

في رأس دارنلي، يبقى إنتاج مياه القاع نتيجة توازن حساس بين مياه الذوبان التي تخفف الملوحة، والتجمد الشتوي الذي يركزها، ومع استمرار الاحترار المناخي، قد يميل هذا الميزان، ما يجعل مراقبة ذوبان جرف أميري ونمو الجليد في بولينيا ماكنزي أمرًا بالغ الأهمية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading