أهم الموضوعاتأخبارالطاقة

الذكاء الاصطناعي يزيد أزمة المناخ من بوابة النفط.. انبعاثات قد تصل إلى 1.8 مليار طن سنويًا

1.8 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون.. الذكاء الاصطناعي يفتح جبهة جديدة في أزمة المناخ

بينما تتسابق شركات التكنولوجيا الكبرى لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وبناء البنية التحتية الضخمة اللازمة لتشغيلها، تركزت المخاوف المناخية المرتبطة بهذه الثورة التكنولوجية بصورة كبيرة على استهلاك مراكز البيانات للكهرباء، إلا أن باحثين يحذرون من أن هذه الصورة قد تكون ناقصة، وأن التأثير المناخي الأكبر للذكاء الاصطناعي قد يظهر في مكان آخر: صناعة الوقود الأحفوري.

وتشير دراسة علمية محكمة حديثة إلى أن الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في شركات النفط والغاز يمكن أن يؤدي إلى زيادة كبيرة في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، نتيجة مساعدة هذه التقنيات شركات الوقود الأحفوري على اكتشاف مزيد من احتياطيات النفط والغاز وتطويرها واستخراجها بصورة أسرع وأقل تكلفة.

مراكز البيانات ليست القصة كاملة

ينمو استهلاك مراكز البيانات للكهرباء بوتيرة متسارعة مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، وتشير تقديرات إلى أن استهلاكها قد يصل بحلول عام 2030 إلى ما يقرب من ثلاثة أمثال الاستهلاك السنوي المجمع لدول باكستان وبنغلاديش ونيجيريا.

كما أدى التوسع السريع في بناء مراكز البيانات، خصوصًا في الولايات المتحدة، إلى تحفيز استثمارات جديدة في قطاع الوقود الأحفوري لتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل هذه المنشآت.

ورغم ذلك، فإن الانبعاثات الناتجة حاليًا عن تشغيل مراكز البيانات لا تزال تمثل أقل من 1% من إجمالي الانبعاثات العالمية، وفقًا للتقديرات الواردة في التقرير.

ويرى منتقدون لطريقة تناول القضية أن التركيز على الكهرباء التي تستهلكها مراكز البيانات وحدها قد يؤدي إلى تجاهل جانب آخر أكثر تأثيرًا، يتمثل في الاستخدام الفعلي للذكاء الاصطناعي داخل قطاعات الاقتصاد كثيفة الانبعاثات، وعلى رأسها صناعة النفط والغاز.

الذكاء الاصطناعي يساعد شركات النفط على استخراج المزيد

توضح هولي ألباين، وهي مديرة سابقة في شركة مايكروسوفت، أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة متقدمة في صناعة الوقود الأحفوري، إذ يمكن استخدامه لتحليل مئات التيرابايتات من البيانات الزلزالية وبيانات الآبار التي كان تحليلها يدويًا يستغرق وقتًا طويلًا.

وتستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي معالجة هذه البيانات بسرعة كبيرة وإنشاء صور عالية الدقة للتكوينات الموجودة تحت سطح الأرض، بما يساعد شركات النفط والغاز على تحديد الاحتياطيات التي يُرجح أن تكون قابلة للاستخراج تجاريًا.

ويؤدي ذلك إلى تقليل حالة عدم اليقين المرتبطة بتطوير حقول جديدة، ويجعل بعض مشروعات الوقود الأحفوري التي كانت في السابق شديدة المخاطر أو بطيئة التنفيذ أكثر قابلية للتنفيذ.

وبحسب ألباين، فإن شركات النفط والغاز أصبحت قادرة على استخراج المزيد من الوقود الأحفوري باستخدام موارد أقل، مع انخفاض التكاليف وزيادة الإنتاج.

دراسة تحذر من مليارات الأطنان من الانبعاثات

وتعاونت ألباين وزوجها ويل، وهو أيضًا مدير سابق في مايكروسوفت، مع باحثين آخرين لدراسة حجم اعتماد صناعة الوقود الأحفوري على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ووجدت الدراسة، التي خضعت لمراجعة الأقران ونُشرت في مجلة علمية، أنه إذا تم تبني الذكاء الاصطناعي بمعدلات متقاربة في قطاع الوقود الأحفوري وقطاع الطاقة المتجددة، فإن التأثير الصافي قد يتمثل في زيادة تتراوح بين 0.47 و1.8 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا.

وتعادل الكمية عند الحد الأدنى تقريبًا إجمالي الانبعاثات السنوية للمكسيك، بينما تقترب عند الحد الأعلى من الانبعاثات السنوية لروسيا، التي تعد من أكبر الدول المسببة لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري عالميًا.

والأكثر إثارة للقلق أن هذه الانبعاثات المحتملة تتراوح، وفق الدراسة، بين 3.3 و13.3 مرة حجم الانبعاثات الناتجة حاليًا عن تشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي يهدد المناخ من بوابة النفط.. شركات التكنولوجيا الكبرى في مرمى الاتهام
الذكاء الاصطناعي يهدد المناخ من بوابة النفط.. شركات التكنولوجيا الكبرى في مرمى الاتهام

هل تخدم شركات التكنولوجيا صناعة النفط أكثر من الطاقة النظيفة؟

تثير هذه النتائج تساؤلات حول طبيعة العلاقات التجارية بين شركات التكنولوجيا العملاقة وشركات الوقود الأحفوري، وحجم الموارد الهندسية والبشرية التي تخصصها شركات التكنولوجيا لخدمة هذه الصناعة مقارنة بما تخصصه لقطاعات الطاقة النظيفة.

وتقول ألباين إن الفرق كان واضحًا خلال فترة عملها في مايكروسوفت، حيث كانت الفرق المتخصصة في خدمة شركات الوقود الأحفوري أكبر من حيث عدد الموظفين وحجم العقود وطول العلاقات التجارية.

وتشير إلى أن التعاون بين شركات التكنولوجيا وصناعة الوقود الأحفوري ليس جديدًا، إذ استخدمت شركات النفط والغاز تقنيات التعلم الآلي وتحليل البيانات منذ سنوات طويلة، فيما يمثل الذكاء الاصطناعي أحدث موجة من التكنولوجيا التي يمكن تطبيقها في هذا المجال.

وفي المقابل، توجد بالفعل شراكات بين شركات التكنولوجيا وشركات الطاقة المتجددة ومطوري أنظمة تخزين البطاريات، إلى جانب تطبيقات للذكاء الاصطناعي في مجالات الاستدامة والطاقة النظيفة.

لكن السؤال، وفق ألباين، يتعلق بحجم الموارد التي يتم توجيهها إلى كل قطاع، وما إذا كان من الممكن إعادة توزيع الموارد الهندسية والتقنية من تطبيقات الوقود الأحفوري إلى قطاعات الطاقة منخفضة أو عديمة الكربون.

مايكروسوفت وشركات النفط.. تأثير يتجاوز الانبعاثات المباشرة

تنتقد ألباين الطريقة التقليدية التي يتم بها تقييم التأثير المناخي لشركات التكنولوجيا، إذ تركز معظم الحسابات على الانبعاثات التشغيلية المباشرة للشركة، مثل استهلاك مراكز البيانات للطاقة.

وترى أن هذا التقييم لا يعكس بالضرورة التأثير المناخي الحقيقي للتكنولوجيا عندما تُستخدم منتجات الشركة وخدماتها لزيادة إنتاج الوقود الأحفوري.

مايكروسوفت وشركات النفط.. تأثير يتجاوز الانبعاثات المباشرة
مايكروسوفت وشركات النفط.. تأثير يتجاوز الانبعاثات المباشرة

وتستشهد ألباين بحالة أعلنت فيها شركة إكسون موبيل عام 2019 أنها تمكنت من زيادة إنتاجها بنحو 50 ألف برميل نفط يوميًا بفضل تكنولوجيا مايكروسوفت، إلى جانب صفقة أخرى معلنة وقابلة للقياس مع شركة شيفرون.

وبحسب الحسابات التي أجراها الباحثون، فإن الانبعاثات المرتبطة بهاتين الصفقتين وحدهما بلغت ما يعادل نحو ثلاثة أمثال إجمالي الانبعاثات التشغيلية لمايكروسوفت، بما في ذلك الانبعاثات المرتبطة بمراكز البيانات.

وتطرح هذه المقارنة سؤالًا جوهريًا: هل يجب تقييم شركات التكنولوجيا وفقًا للانبعاثات الناتجة مباشرة عن عملياتها فقط، أم يجب أيضًا احتساب الانبعاثات التي تُمكّن تقنياتها عملاءها من إنتاجها؟

شركة النفط العملاقة إكسون موبيل
شركة النفط العملاقة إكسون موبيل

«الانبعاثات المُمكّنة».. فجوة في حسابات المناخ

تدعو ألباين إلى الاعتراف بفئة جديدة من الانبعاثات أطلقت عليها الدراسة مفهوم «الانبعاثات المُمكّنة»، وهي الانبعاثات التي لا تنتج مباشرة عن تشغيل شركة التكنولوجيا، لكنها تحدث نتيجة استخدام تقنياتها في أنشطة اقتصادية تؤدي إلى زيادة الانبعاثات.

وتقول إن هذه الانبعاثات لا تدخل حاليًا بصورة كافية في أطر الإفصاح والمساءلة المتعلقة بالانبعاثات، ما يخلق فجوة في تقييم الأثر المناخي الحقيقي للتقنيات الحديثة.

وترى أن الخطوة الأولى يجب أن تتمثل في الاعتراف بهذه الانبعاثات باعتبارها فئة قابلة للقياس، ثم فرض مزيد من الشفافية بشأن العقود التي تبرمها شركات التكنولوجيا مع شركات الوقود الأحفوري.

الوقود الأحفوري
الذكاء الاصطناعي يساعد شركات النفط على استخراج المزيد.. انبعاثات قد تصل إلى 1.8 مليار طن سنويًا

هل المطلوب حظر الذكاء الاصطناعي في قطاع النفط؟

لا تدعو ألباين إلى فرض حظر شامل على الذكاء الاصطناعي، سواء على مستوى الاقتصاد أو حتى داخل صناعة الوقود الأحفوري.

وتوضح أن هناك تطبيقات مفيدة للذكاء الاصطناعي داخل القطاع، مثل اكتشاف تسربات غاز الميثان، والتي يمكن أن تسهم في الحد من الانبعاثات وتحسين الأداء البيئي.

لكنها تدعو إلى وضع ضوابط تضمن توافق استخدامات الذكاء الاصطناعي مع أهداف المناخ، بحيث تخضع العقود الجديدة والتطبيقات المقترحة لتقييم واضح يتوافق مع مسار الحد من الاحترار العالمي إلى 1.5 درجة مئوية.

كما تقترح تعزيز الإفصاح والحوكمة ووضع قيود على بعض الآليات التي يمكن أن تؤدي إلى زيادة إنتاج الوقود الأحفوري باستخدام الذكاء الاصطناعي.

دراسة تكشف الجانب المظلم للذكاء الاصطناعي.. التكنولوجيا قد تزيد انبعاثات الوقود الأحفوري

من المسؤول عن وضع هذه الضوابط؟

ترى ألباين أن الاعتماد على المبادرات الطوعية للشركات وحدها لن يكون كافيًا، رغم إمكانية قيام شركات التكنولوجيا بوضع ضوابط ذاتية على كيفية استخدام تقنياتها.

وتدعو إلى تدخلات تنظيمية وسياسات حكومية تحدد بصورة أكثر وضوحًا الاستخدامات المقبولة للذكاء الاصطناعي في القطاعات عالية الانبعاثات.

كما ترى أن تغيير هياكل السوق والحوافز الاقتصادية يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا، خصوصًا إذا أصبحت معايير الاستثمار البيئي والاجتماعي والحوكمة «ESG» أكثر ارتباطًا بالتأثيرات الفعلية للشركات، وليس فقط بانبعاثاتها التشغيلية المباشرة.

ومن شأن إدخال هذه التأثيرات في تقييم الشركات أن يؤثر في تدفقات رأس المال ويوجه الاستثمارات نحو الشركات والتطبيقات الأكثر توافقًا مع أهداف المناخ.

الحاجة إلى إعادة تعريف الاستدامة في عصر الذكاء الاصطناعي

تسعى ألباين وفريق الباحثين إلى البناء على نتائج الدراسة من خلال إدخال هذا النوع من التقييم في أطر الحوكمة والمعايير المناخية، ومن بينها بروتوكول غازات الاحتباس الحراري ومبادرة الأهداف القائمة على العلم «SBTi».

وتشير إلى وجود مسودات واعدة لتطوير هذه الأطر، تتضمن تقييمات وإفصاحات أكثر شمولًا بشأن التأثيرات غير المباشرة للتكنولوجيا.

كما تثير القضية مخاوف بشأن الغسل الأخضر، إذا واصلت الشركات تقديم نفسها باعتبارها قادة في مجال المناخ اعتمادًا على خفض انبعاثاتها التشغيلية، بينما تساهم منتجاتها وخدماتها في زيادة الانبعاثات في قطاعات أخرى.

ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد العالمي، يبدو أن النقاش حول تأثيره المناخي يحتاج إلى تجاوز السؤال التقليدي عن كمية الكهرباء التي تستهلكها مراكز البيانات.

الذكاء الاصطناعي يساعد شركات النفط على استخراج المزيد.. انبعاثات قد تصل إلى 1.8 مليار طن سنويًا
الذكاء الاصطناعي يساعد شركات النفط على استخراج المزيد.. انبعاثات قد تصل إلى 1.8 مليار طن سنويًا

فالقضية، وفق هذه الرؤية، لا تتعلق فقط بالطاقة التي يحتاج إليها الذكاء الاصطناعي للعمل، وإنما أيضًا بما يفعله الذكاء الاصطناعي بهذه الطاقة والتكنولوجيا عندما يصل إلى القطاعات الأكثر تأثيرًا في أزمة المناخ.

ويضع ذلك شركات التكنولوجيا الكبرى أمام سؤال جديد حول مسؤوليتها عن الآثار المناخية التي تمكن تقنياتها من حدوثها، خاصة مع استمرار توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة النفط والغاز، في الوقت الذي يسعى فيه العالم إلى تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة وتحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.

 

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة