أخبارالطاقة

من الذرات إلى بطاريات أكثر أمانًا.. اكتشاف يكشف سر التوصيلية القياسية لمادة LLNOF

16.3 ملليسيمنز.. مادة صلبة جديدة تمهد لبطاريات ليثيوم أكثر أمانًا وكفاءة

قد تقترب بطاريات أيونات الليثيوم من تجاوز واحدة من أصعب معادلاتها: كيف يمكن الجمع بين الأمان العالي والتوصيلية السريعة لأيونات الليثيوم؟

فقد تمكن باحثون في جامعة ناغويا اليابانية من الكشف عن السر وراء الأداء الاستثنائي لمادة صلبة جديدة، ونجحوا في رفع توصيليتها لأيونات الليثيوم إلى 16.3 ملليسيمنز لكل سنتيمتر (mS/cm) عند درجة حرارة الغرفة، لتسجل أعلى توصيلية حجمية مُبلغ عنها حتى الآن بين الإلكتروليتات الصلبة المرتبطة بمواد الأكسيد.

وقد يمثل هذا الاكتشاف خطوة مهمة نحو تطوير بطاريات ليثيوم صلبة أكثر أمانًا، دون التضحية بالقدرة على نقل أيونات الليثيوم بكفاءة.

ونُشرت الدراسة في دورية Journal of the American Chemical Society.

لماذا تحتاج بطاريات الليثيوم إلى إلكتروليتات صلبة؟

تعتمد بطاريات أيونات الليثيوم التقليدية على إلكتروليت سائل قابل للاشتعال لنقل أيونات الليثيوم بين قطبي البطارية أثناء الشحن والتفريغ.

ولهذا السبب، فإن تعرض البطارية للتلف أو الصدمات أو ظروف تشغيل خطرة يمكن أن يؤدي إلى اشتعال الإلكتروليت وحدوث حرائق شديدة الخطورة.

وتظهر هذه المخاطر حتى في الأجهزة اليومية، مثل الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر والسيارات الكهربائية وبنوك الطاقة المحمولة.

ومن هنا يتجه العلماء إلى تطوير البطاريات ذات الحالة الصلبة، التي تستبدل الإلكتروليت السائل بآخر صلب يمكن أن يقلل مخاطر الاشتعال.

لكن هناك تحديًا رئيسيًا: لا يكفي أن يكون الإلكتروليت الصلب آمنًا؛ بل يجب أن يسمح أيضًا لأيونات الليثيوم الموجبة بالحركة داخله بسهولة وسرعة.

وهذه الخاصية تعرف باسم التوصيلية الأيونية.

بطاريات الليثيوم أكثر أمانًا تقترب.. مادة أوكسيفلوريد تحقق توصيلية قياسية
بطاريات الليثيوم أكثر أمانًا تقترب.. مادة أوكسيفلوريد تحقق توصيلية قياسية

معادلة صعبة بين الأمان والتوصيلية

هناك بالفعل مواد صلبة تتميز بتوصيلية عالية لأيونات الليثيوم، ومن بينها مواد تعتمد على الكبريتيدات والكلوريدات.

ويرجع ارتفاع التوصيلية في هذه المواد جزئيًا إلى قدرة السحب الإلكترونية المحيطة بالأيونات السالبة من الكبريتيد أو الكلوريد على التشوه بسهولة أثناء مرور أيونات الليثيوم.

لكن هذه المواد تحمل في المقابل مخاطر تتعلق بالسلامة.

فعند تعرضها للرطوبة، يمكن أن تطلق غازات سامة مثل كبريتيد الهيدروجين وكلوريد الهيدروجين.

أما المواد القائمة على الأكاسيد والأوكسيفلوريدات، فتتميز بكونها أكثر مقاومة واستقرارًا، كما تتمتع بثبات كهروكيميائي أعلى، وهي خاصية مهمة لأن مكونات البطارية تتعرض لتغيرات متكررة في الجهد أثناء دورات الشحن والتفريغ.

لكن المشكلة أن هذه المواد أظهرت عمومًا توصيلية أقل لأيونات الليثيوم.

ويقول تاكيشي ياجيما، الأستاذ المشارك في قسم هندسة ابتكار تصميم المواد بجامعة ناغويا، إن الوضع الحالي يعكس نوعًا من المفاضلة بين الأمان والتوصيلية؛ فالأوكسيفلوريدات أكثر أمانًا لكنها منخفضة التوصيلية، بينما تتميز الكبريتيدات بتوصيلية مرتفعة لكنها قد تحمل مخاطر أكبر.

مادة LLNOF تفاجئ العلماء

في عام 2024، اكتشف الباحثون بلورة جديدة من الأوكسيفلوريد تحمل الصيغة الكيميائية:

Li₂–xLa(1+x)/3Nb₂O₆F

ويُشار إليها اختصارًا باسم LLNOF.

وأظهرت المادة في ذلك الوقت توصيلية مرتفعة بشكل غير متوقع بلغت نحو 7 ملليسيمنز لكل سنتيمتر، وهي قيمة تقترب من مستويات بعض الإلكتروليتات السائلة.

لكن المشكلة أن العلماء لم يعرفوا في البداية لماذا تتمتع LLNOF بهذه التوصيلية العالية.

فأيون الفلوريد الموجود في مركز البنية البلورية لا يمتلك السحابة الإلكترونية القابلة للتشوه بسهولة التي تتميز بها بعض أيونات الكبريتيد والكلوريد.

وبالتالي، لم يكن التفسير التقليدي لارتفاع التوصيلية كافيًا لفهم ما يحدث داخل المادة.

أكثر من عام لكشف السر

بعد اكتشاف المادة، قرر ياجيما وفريقه إنتاج بلورات عالية الجودة من LLNOF بهدف دراسة آليتها الذرية بالتفصيل.

لكن الوصول إلى البلورات المناسبة لم يكن سهلًا، واستغرق الأمر أكثر من عام.

وكان التحدي الرئيسي هو إنتاج بلورات ذات جودة عالية بما يكفي لإجراء التحليل البنيوي الدقيق.

وفي النهاية، نجح الباحثون في إنتاج بلورات مفردة من LLNOF بحجم يصل إلى المليمترات باستخدام طريقة بريدجمان (Bridgman method).

ثم استخدموا تقنية حيود البلورة المفردة لرؤية الترتيب المحلي للذرات وكيفية إعادة ترتيبها داخل الوحدات البلورية للمادة.

وهنا ظهر السر.

ذرة فلوريد «تفسح الطريق» لليثيوم

اكتشف الباحثون تفاعلًا ديناميكيًا بين أربعة مواقع ذرية تشكل رباعي السطوح حول أيون الفلوريد الموجود في بنية LLNOF.

ويمكن أن يحتوي كل موقع من هذه المواقع على أيون ليثيوم، أو ذرة لانثانوم، أو يظل شاغرًا.

وعندما ينتقل أيون الليثيوم إلى موقع شاغر، تتحرك ذرة الفلوريد المركزية قليلًا في الاتجاه المعاكس، أي باتجاه الموقع الذي كان يشغله الليثيوم في البداية.

وهذه الحركة الصغيرة تؤدي دورًا بالغ الأهمية.

فبدلًا من أن تبقى الذرات ثابتة في أماكنها، تتحرك ذرة الفلوريد بصورة تساعد على خفض حاجز الطاقة الذي يجب على أيون الليثيوم تجاوزه أثناء انتقاله.

وبعبارة أبسط، فإن الفلوريد «يفسح الطريق» أمام أيونات الليثيوم.

وتفسر هذه الآلية لماذا تتمتع LLNOF بتوصيلية أعلى مقارنة بأوكسيفلوريدات أخرى تكون فيها الذرات أكثر صلابة وأقل قدرة على إعادة الترتيب.

تعديل التركيب يرفع التوصيلية إلى رقم قياسي

لم يكتف الباحثون بكشف الآلية الذرية، بل عملوا أيضًا على تعديل تركيب البلورة.

وقاموا بتغيير النسب النسبية لكل من الليثيوم واللانثانوم والمواقع الشاغرة داخل LLNOF، وهي التغيرات التي يمثلها المتغير x في الصيغة الكيميائية للمادة.

وأظهرت التجارب أن خفض قيمة x أدى إلى تحسين التوصيلية الأيونية.

وفي النهاية، وصلت التوصيلية إلى 16.3 mS/cm.

وتمثل هذه القيمة، وفق الدراسة، أعلى توصيلية حجمية مُبلغ عنها لأيونات الليثيوم حتى الآن بين الإلكتروليتات الصلبة المرتبطة بالأكاسيد.

وتكتسب النتيجة أهمية خاصة لأنها تحققت في مادة من فئة الأوكسيفلوريدات، وهي مواد تتمتع بمزايا تتعلق بالاستقرار والسلامة مقارنة ببعض الإلكتروليتات عالية التوصيلية الأخرى.

اكتشاف يتحدى الفهم التقليدي

يرى ياجيما أن الآلية التي اكتشفها الفريق قد تفتح المجال أمام تطوير إلكتروليتات صلبة قائمة على الأكاسيد تتمتع بكفاءة أعلى.

والأهم أن الآلية الجديدة لا تعتمد على وجود أيونات شديدة القابلية للاستقطاب، وهو ما يمثل تحديًا للفهم التقليدي الذي ساد لفترة طويلة حول أسباب ارتفاع توصيلية بعض المواد.

وكان الاعتقاد الشائع أن المواد القائمة على الكبريتيد تتمتع بأفضل قدرة على نقل أيونات الليثيوم بسبب طبيعة الأيونات السالبة الموجودة فيها.

لكن سلوك LLNOF يشير إلى أن هناك طرقًا أخرى يمكن من خلالها تحقيق توصيلية مرتفعة، من خلال السماح للذرات نفسها بإعادة الترتيب محليًا لتسهيل حركة الليثيوم.

وهذا يفتح بابًا جديدًا أمام تصميم مواد صلبة يمكن أن تجمع بين الاستقرار، والأمان، والتوصيلية الأيونية العالية.

نحو بطاريات ليثيوم أكثر أمانًا

لا يعني الاكتشاف أن بطاريات الحالة الصلبة أصبحت جاهزة فورًا للاستخدام التجاري على نطاق واسع، لكنه يقدم عنصرًا أساسيًا في طريق تطويرها: إلكتروليت صلب قادر على نقل أيونات الليثيوم بسرعة وكفاءة مع الاستفادة من استقرار المواد القائمة على الأكسيد.

وتكمن أهمية ذلك في إمكانية تقليل الاعتماد على الإلكتروليتات السائلة القابلة للاشتعال، مع الحفاظ على حركة فعالة لأيونات الليثيوم داخل البطارية.

ومع استمرار الأبحاث في مجال البطاريات ذات الحالة الصلبة، يمكن أن تساعد هذه الآلية الجديدة العلماء على تصميم مواد أخرى تستفيد من الحركة الذرية المحلية بدلًا من الاعتماد فقط على قابلية الأيونات للاستقطاب.

وبذلك لا تقدم مادة LLNOF رقمًا قياسيًا جديدًا في التوصيلية فحسب، بل تكشف أيضًا مبدأً جديدًا لفهم كيفية تحرك أيونات الليثيوم داخل الإلكتروليتات الصلبة، وهو ما قد يسهم مستقبلًا في تطوير بطاريات أكثر أمانًا واستقرارًا وكفاءة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة