د.منال محمود خيري: التمويل الأخضر وتحديات التنمية المستدامة
أستاذ مناهج واستراتيجيات الاقتصاد- جامعة حلوان

تُعرِّف «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» التمويل الأخضر، بأنه تمويل يستهدف «تحقيق النمو الاقتصادي مع الحد من التلوث وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وتقليل النفايات إلى الحد الأدنى، وتحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية.
ويقصد بالتمويل الأخضر استخدام المنتجات والخدمات المالية مثل القروض والتأمين والأسهم والسندات، وغيرها من أجل تمويل المشروعات الخضراء أو الصديقة للبيئة.
وتشمل تلك الاستثمارات كل من الطاقة المتجددة، معالجة النفايات وإعادة تدويرها، تدوير مياه الصرف الصحي، حماية التنوع البيولوجي، التخفيف من التلوث الصناعي وغيرها.
ويعرف التمويل الأخضر أيضاً، بأنه الأموال التي تحقق التوازن الاستراتيجي المتوسط والطويل الأجل للأهداف البيئية، والخدمية في القطاعات البيئية بالشكل الذي يضمن تلبية حاجات الأفراد من السلع والخدمات وبين المحافظة على البيئة ودوام مواردها.
بينما يشير مفهوم التمويل المستدام إلى الاستثمارات التي تضع بعين الاعتبار العوامل البيئية والاجتماعية وعوامل الحوكمة، فهو اتجاه يدعو البنوك والمستثمرين وكل لاعبي القطاع المالي في مختلف دول العالم، إلى الاهتمام بالبيئة والمجتمع ومعايير الحوكمة عند اتخاذ قراراتهم الاستثمارية.
وعلى الرغم من أن مفهوم التمويل الأخضر Green Finance يستهدف وضع الاعتبارات البيئية في أي نشاط اقتصادي، إلا أن مفهوم التمويل المستدام Sustainable Finance يعد أكثر شمولًا، إذ أنه يرتكز على ثلاث قضايا اساسية وهي:
• قضايا البيئة، التي تتمثل في المناخ، والمقدرات البيئية، والموارد، وغيرها.
• القضايا الاجتماعية، والتي تتعلق بحماية حقوق الإنسان والحيوانات وعدم انتهاكها، وحماية المستهلك، فضلًا عن معايير المساواة والتنوع فيما يتعلق بالتوظيف.
• قضايا الحوكمة، والتي تراعي البعد الإداري والشفافية، وحقوق المساهمين وغيرها.
مبادئ الخدمات المصرفية المستدامة
تقوم الخدمات المصرفية المستدامة والمسؤولة على مبادئ ترتكز على إطار ثلاثي يتناول الجوانب الاجتماعية، والبيئية، والمالية. ويعتمد نموذج أعمال الخدمات المصرفية المستدامة والمسؤولة على الحوكمة، والشفافية، والشمولية.
وتضع الأمم المتحدة مبادئ للخدمات المصرفية المسؤولة وإطار عمل لنظام مصرفي مستدام يساعد البنوك على المساهمة الإيجابية في المجتمع. وتضع الأمم المتحدة مبادئ للخدمات المصرفية المسؤولة على المستويات الاستراتيجية، والإدارية، والمعاملات، في جميع مجالات العمل. وتشمل هذه المبادئ ما يلي:
– المبدأ الأول – المحاذاة: يرتكز هذا المبدأ على مواءمة استراتيجية العمل لتكون متسقة مع احتياجات الأفراد وأهداف المجتمع.
– المبدأ الثاني – تحديد التأثير والهدف: يرتكز هذا المبدأ على زيادة التأثيرات الإيجابية على الأشخاص والبيئة مع تقليل الآثار السلبية الناتجة عن الأنشطة والمنتجات والخدمات.
– المبدأ الثالث – المسؤولية تجاه العملاء: يرتكز هذا المبدأ على العمل بمسؤولية مع العملاء لتشجيع الممارسات المستدامة وتمكين الأنشطة الاقتصادية التي تحقق الرخاء للأجيال الحالية والمقبلة.
– المبدأ الرابع – المسؤولية تجاه مختلف الجهات: يرتكز هذا المبدأ على التشاور بشكل مسؤول والشراكة مع مختلف الجهات المعنية لتحقيق أهداف المجتمع المتكامل.
– المبدأ الخامس – الحوكمة والثقافة: يرتكز هذا المبدأ على تبني حوكمة فعَّالة وثقافة مصرفية مسؤولة.
– المبدأ السادس – الشفافية والافصاح: يرتكز هذا المبدأ على زيادة الشفافية والإفصاح عن الآثار الإيجابية والسلبية للعمليات المصرفية والمساهمة في تحقيق أهداف المجتمع ومبادئ الأمم المتحدة للنمو المصرفي المسؤول المستدام.
وخلال السنوات الماضية، بدأ يتزايد بشكل ملحوظ، التمويل التنموي للمشروعات الخضراء في مصر، والتمويل الأخضر بعد استحداث برامج من قبل المؤسسات المالية الأجنبية مثل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، تسعى لدعم المشروعات التنموية الخضراء، وخاصة لشركات القطاع الخاص المصري، بهدف زيادة رأس المال، عبر برامج إقراض لتمويل المشاريع الخضراء، وتشجيع هذه الشركات على تحقيق وفورات لاستخدام الطاقة وتقليل بصماتها البيئية، لإضافة الى المساهمة بشكل كبير في الجهود العالمية لمكافحة آثار تغير المناخ.
1-تعود المرة الأولى لتقديم البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية تمويلا أخضر لمصر الى عام 2014، من خلال برنامج تجريبي للبنك الأهلي المصري، بقرض تقدر قيمته 30 مليون دولار من أجل إعادة إقراضه للشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الكبيرة، والتي تلتزم بكفاءة الطاقة أو توليدها من مصادر جديدة ومتجددة.
2- ثم جاء برنامج أكبر لمرفق تمويل الاقتصاد الأخضر الإقليمي، التابع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، قدم 140 مليون يورو لأربعة بنوك شريكة، هي” بنك قطر الوطني الأهلي، وبنك الكويت الوطني مصر، وبنك الإسكندرية، والبنك العربي الأفريقي الدولي”.
3- وفى عام 2020، دفع نجاح البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية إلى إطلاق المزيد من البرامج في العامين الماضيين، وتم أطلاق برنامجا بقيمة 70 مليون يورو تحت عنوان” سلاسل القيمة الخضراء” وتم تمديده ليشمل بنك قطر الوطني الأهلي.
4- أما في عامي 2020 و2021، فقد حصل البنك الأهلي المصري على قرضين صديقين للبيئة، بقيمة إجمالية 200مليون دولار، من قبل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.
5- كما أطلق البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، المرحلة الثانية من برنامج مرفق تمويل الاقتصاد الأخضر الإقليمي، حصل فيها بنك قطر الوطني الأهلي على قرض بقيمة 50مليون دولار، كما تلقى بنك الكويت الوطني قرضا بقيمة 25 مليون دولار، من إجمالي 150 مليون يورو المخصص للبرنامج.
6- تغطى برامج البنك كافة المشاريع التي تعمل بشكل أساسي على تقنيات الطاقة المستدامة، مثل كفاءة الطاقة ومشاريع الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى تقنيات التخفيف من حدة المناخ والتكيف مع المناخ، التي تؤدي إلى توفير المياه والري المستدام، وتحلية المياه والإدارة المستدامة للأراضي وإعادة التدوير، وتعد المشاريع المؤهلة في حاجة إلى ضمان خفض استهلاك الموارد أو انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 20 % على الأقل أو استخدام موارد الطاقة المتجددة بدلا من ذلك.
7- وتلقت إحدى الشركات المستفيدة من البرامج، وتسمى شركة سولاريز إيجيبت، وهي إحدى شركات الطاقة الشمسية حوالي 290 مليون جنيه من التمويل الأخضر من صندوق البيئة العالمي، من خلال بنك قطر الوطني الأهلي، لتنفيذ ثمانية مشاريع تنتج حوالي 47 ميجاوات من الطاقة الشمسية، وتراوحت مدة القروض التي حصلوا عليها ما بين ثمانية شهور وسنة.
8- وحصلت شركة الطاقة الشمسية على 70 مليون جنيه لإنشاء نظام الطاقة الكهروضوئية، للشركة العربية للأسمنت، و 70 مليون جنيه أخرى لتحويل حوالي 30% من استهلاك مدينة الجونة للطاقة إلى طاقة شمسية.
9- كما حصلت شركة بيو إنيرجي، لتحويل المخلفات إلى طاقة على تمويل، لإنشاء مصنع لإدارة المخلفات في المنيا، ثم قرض بقيمة 27 مليون جنيه لبناء المرحلة الثانية من مشروع المنيا، وكذلك مصانع جديدة في الجيزة والإسكندرية بمعدل فائدة 5% يدفع على مدى أربع وخمس سنوات.
مبادرات وطنية لدفع التمويل الأخضر
والحكومة المصرية تعمل على إطلاق مجموعة من المبادرات الوطنية لدفع التمويل الأخضر ووضع تعهدات قمة المناخ بجلاسجو موضع التنفيذ، في ظل رئاستها للدورة المقبلة من cop27، من خلال حزم تحفيزية لدعم التحول إلى الاقتصاد الأخضر، وتقديم حوافز مالية للقطاع الخاص لزيادة مساهمته في هذه المشروعات، والعمل على الحد من الانبعاثات الضارة، وزيادة قدرات مصر من الطاقة الجديدة والمتجددة.
وتشير تجربة مصر في مطابقة التمويل التنموي مع الأهداف الأممية للتنمية المستدامة، والتي نتج عنها تصنيف محفظة التعاون الإنمائي بما يعزز تكامل الجهود مع شركاء التنمية لدعم رؤية الدولة التنموية، حيث أظهرت عملية المطابقة أن محفظة التعاون الإنمائي الجارية تضم تمويلات تنموية بقيمة 2.85 مليار دولار لتمويل 28 مشروعًا في مجال التكيف مع التغيرات المناخية بقطاعات الطاقة الجديدة والزراعة والإدارة المستدامة لموارد المياه، بينما تضم 7.8 مليار دولار تمويلات تنموية لـ46 مشروعًا في مجال التخفيف من تداعيات التغيرات المناخية.





