خريطة جديدة لاقتصاد المناخ حتى 2100.. 3 قوى كبرى تتقاسم المصالح رغم التنافس
13% من الاقتصاد العالمي في معسكر الرابحين من العمل المناخي.. والنفوذ في مكان آخر
دراسة دولية ترسم خريطة مكاسب وخسائر 169 دولة من سياسات خفض الانبعاثات حتى عام 2100.. وتكشف أن الدول الأكثر استفادة من التحرك المناخي ليست بالضرورة الأكثر نفوذًا في الاقتصاد العالمي
كشفت دراسة علمية حديثة عن مفارقة لافتة في اقتصاد المناخ: الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي، رغم اختلاف أنظمتها الاقتصادية ومزيج الطاقة وأولوياتها السياسية، تقع جميعها ضمن مجموعة واحدة من الاقتصادات التي يُتوقع أن تكون آثار التحول المناخي عليها متوسطة نسبيًا، وفق مجموعة محددة من المؤشرات الاقتصادية والبيئية.
لكن المفاجأة الأهم أن الدول التي يُتوقع أن تحقق مكاسب قوية من العمل المناخي لا تملك بالضرورة النفوذ الاقتصادي نفسه الذي تتمتع به القوى الكبرى، ما قد يعقّد المفاوضات الدولية بشأن خفض الانبعاثات وتمويل التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون.
الدراسة، المنشورة في دورية Nature Sustainability في 15 أكتوبر 2026، قادتها الباحثة جوانا بان من معهد بوتسدام لأبحاث تأثير المناخ في ألمانيا، وشارك فيها باحثون من مؤسسات أكاديمية أوروبية.
ووضعت الدراسة خريطة للأصول والمصالح الاقتصادية المرتبطة بالمناخ في 169 دولة، اعتمادًا على نماذج وسيناريوهات تمتد حتى نهاية القرن.

أربعة عوامل تحدد من يربح ومن يخسر
لم تكتفِ الدراسة بقياس الانبعاثات أو تكلفة التحول إلى الطاقة النظيفة، بل حللت أربعة جوانب يمكن أن تعيد سياسات المناخ تشكيل قيمتها الاقتصادية:
- عائدات الوقود الأحفوري: الدول التي تعتمد على إنتاج الفحم والنفط والغاز قد تواجه تراجعًا في الإيرادات مع انخفاض الطلب العالمي على هذه الموارد.
- الأضرار المناخية التي يمكن تجنبها: خفض الاحترار قد يقلل الخسائر الاقتصادية الناتجة عن تغير المناخ، بما يشمل الأضرار التي تطال الأنشطة الاقتصادية والمحاصيل.
-
إمكانات الطاقة المتجددة: موارد الشمس والرياح يمكن أن تكتسب قيمة اقتصادية أكبر مع توسع الاعتماد على الكهرباء النظيفة.
-
قدرة الأراضي على تخزين الكربون: الغابات والأراضي المدارة القادرة على امتصاص الكربون قد تصبح أكثر أهمية اقتصاديًا مع زيادة الطلب على حلول خفض الانبعاثات.
وجمع الباحثون بيانات من نماذج مناخية واقتصادية، وسيناريوهات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، ونماذج استخدام الأراضي وتخزين الكربون. وقارنوا بين سيناريوهات لخفض الانبعاثات بدرجات مختلفة، مع استخدام سيناريو مرجعي للمقارنة.
وتعكس النتائج توقعات نماذج بشأن قيمة هذه الأصول وتغيرها، وليست قياسات فعلية لما ستكسبه الدول أو تخسره مستقبلًا.
19 دولة تعتمد على الوقود الأحفوري
حددت الدراسة مجموعة تضم 19 دولة يعتمد ملفها الاقتصادي بدرجة كبيرة على الوقود الأحفوري، وتشمل دولًا عديدة أعضاء في منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك».
وتمثل هذه المجموعة نحو 6% من الناتج الاقتصادي العالمي، لكنها مسؤولة عن 10.4% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وفق بيانات الدراسة.
وتشير النماذج، في سيناريو خفض الانبعاثات الأكثر صرامة، إلى أن إيران وفنزويلا وكندا والنرويج من بين الدول التي قد تواجه أكبر الخسائر في عائدات إنتاج الوقود الأحفوري.
ولا يعني ذلك أن اقتصادات هذه الدول ستخسر بالضرورة إجماليًا من التحول المناخي؛ فالنتيجة تتعلق بالأصول التي قاستها الدراسة، ولا تشمل كل مصادر الدخل أو الفرص الاقتصادية المحتملة.
وتوضح هذه النقطة جانبًا من صعوبة المفاوضات الدولية: فخفض الطلب على النفط والغاز والفحم قد يمثل تهديدًا ماليًا لدول تعتمد على صادراتها، حتى لو كان خفض الانبعاثات يحمل فوائد اقتصادية وبيئية أوسع للعالم.

من الأكثر استفادة من العمل المناخي؟
قسم الباحثون الدول إلى خمس مجموعات بحسب أوجه التشابه في ملفاتها المناخية والاقتصادية.
إلى جانب مجموعة الاقتصادات المعتمدة على الوقود الأحفوري، حددت الدراسة:
• 51 دولة تتمثل أبرز مصلحتها في تجنب الأضرار الاقتصادية الناجمة عن تغير المناخ، وتشمل دولًا في أفريقيا وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية.
• 13 دولة تتميز بإمكانات مرتفعة للطاقة المتجددة مقارنة بملفات الدول الأخرى.
• 17 دولة تتمتع بإمكانات بارزة لتخزين الكربون في الأراضي.
• 69 اقتصادًا ضمن مجموعة التأثيرات المتوسطة، تضم القوى الاقتصادية الكبرى وغيرها.
وتضم مجموعات الدول الثلاث التي تتميز بمكاسب محتملة من تجنب الأضرار أو الطاقة المتجددة أو تخزين الكربون نحو 13% من الناتج الاقتصادي العالمي و35% من سكان العالم.
وتبرز هنا فجوة مهمة: فهذه الدول تضم عددًا كبيرًا من السكان، ولديها مصالح قوية في الحد من الأضرار المناخية أو الاستفادة من الموارد الطبيعية، لكنها لا تمتلك مجتمعة الوزن الاقتصادي نفسه الذي تتمتع به القوى الكبرى.
وتشير الدراسة إلى أن جمهورية الكونغو الديمقراطية قد تتجنب أضرارًا مناخية تعادل 3.3% من ناتجها الاقتصادي التراكمي بحلول 2100 في أحد السيناريوهات التي حللتها، بينما تظهر الصومال إمكانات كبيرة للطاقة الشمسية والرياح مقارنة بحجم اقتصادها.
كما تبرز غيانا وسورينام وبابوا غينيا الجديدة وعدد من دول وسط أفريقيا بإمكانات لتخزين الكربون في الأراضي.
وهذه المقارنات لا تعني أن المكاسب ستتحقق تلقائيًا؛ إذ يتوقف تحويل الإمكانات الطبيعية إلى عوائد فعلية على الاستثمارات والبنية الأساسية والتكنولوجيا والسياسات المحلية والتعاون الدولي.
لماذا ظهرت أمريكا والصين والاتحاد الأوروبي في المجموعة نفسها؟
من أكثر النتائج إثارة للاهتمام أن الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي صُنفت جميعها ضمن مجموعة «الاقتصادات متوسطة التأثير» وفق المؤشرات الأربعة التي اعتمدتها الدراسة.
وتضم هذه المجموعة 69 اقتصادًا، وتمثل نحو 81% من الناتج الاقتصادي العالمي و72% من الانبعاثات بحسب الدراسة.
ولا يعني التصنيف أن الدول الثلاث متشابهة في سياساتها المناخية أو في أنظمتها الاقتصادية أو في مصادر الطاقة التي تعتمد عليها.
بل يشير إلى أن التغير المتوقع في الأصول الأربعة التي قاستها الدراسة يقع ضمن نمط عام متقارب نسبيًا، مقارنة بالمجموعات الأخرى.
وتتمثل المصلحة المشتركة الأوضح في المكاسب الاقتصادية المحتملة من تجنب بعض الأضرار المناخية، بينما تبدو هذه المكاسب محدودة نسبيًا عند قياسها كنسبة من اقتصادات ضخمة.
وقالت الباحثة جوانا بان إن تشابه تصنيف الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كان من النتائج التي فاجأتها في البداية، نظرًا للاختلاف الكبير بين هياكلها الاقتصادية وأنظمة الطاقة لديها.
لكنها أوضحت أن هذه الاختلافات لا تؤدي بالضرورة إلى تباعد مماثل في ملفات الأصول المناخية التي درستها.
وقد يوفر هذا التقاطع أرضية مشتركة للتعاون، لكنه لا يضمن توافق السياسات أو إنهاء الخلافات بشأن سرعة خفض الانبعاثات وتقاسم تكاليف التحول.

تشابه المصالح لا يعني تشابه الاقتصادات
أجرت الدراسة أيضًا مقارنة أكثر تفصيلًا بين الدول، اعتمادًا على ثمانية مؤشرات فرعية تشمل خسائر عائدات الفحم والنفط والغاز، والأضرار المناخية التي يمكن تجنبها، وإمكانات الطاقة الشمسية والرياح، وقدرة الأراضي على تخزين الكربون.
وأظهرت المقارنة أن أقرب دولة إلى الصين من حيث ملف الأصول المناخية هي البوسنة والهرسك، بينما كانت بلغاريا الأقرب إلى الهند.
وجاءت العراق في مقدمة الدول الأكثر تشابهًا مع السعودية، وبيرو مع البرازيل، والمكسيك مع الولايات المتحدة.
ولا تعني هذه الروابط أن الاقتصادات متشابهة عمومًا، أو أن الدول تتبنى مواقف سياسية واحدة؛ فهي مقارنات لملفات الأصول المناخية التي حددتها الدراسة فقط.
ووجد الباحثون أن 146 دولة من أصل 169 كانت أقرب في هذه المؤشرات إلى دولة أخرى تنتمي إلى المجموعة نفسها، ما يشير إلى وجود أنماط متكررة للمصالح المناخية، مع تداخل بين بعض المجموعات.
معضلة المفاوضات.. من يحتاج إلى التحرك أكثر ليس بالضرورة من يملك النفوذ الأكبر
تسلط النتائج الضوء على مشكلة أساسية في السياسة المناخية العالمية. فالدول التي قد تحقق مكاسب كبيرة من خفض الانبعاثات، سواء عبر تجنب الأضرار أو استثمار الطاقة المتجددة أو تخزين الكربون، لا تملك بالضرورة نفوذًا اقتصاديًا يكفي لفرض أولوياتها على المفاوضات الدولية.
في المقابل، تتمتع مجموعة الاقتصادات متوسطة التأثير، التي تضم الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي، بوزن اقتصادي كبير، رغم أن مصالحها المرتبطة بالأصول الأربعة ليست بالحدة نفسها لدى بعض الدول الأخرى.
وترى الدراسة أن هذا الاختلال قد يساهم في تعثر العمل المناخي؛ إذ لا تتطابق دائمًا المصالح الاقتصادية المباشرة مع القدرة على التأثير في القرارات العالمية.
واقترح الباحثون أن يساعد التعاون الدولي في تخفيف الخسائر التي قد تواجه الدول المعتمدة على الوقود الأحفوري، من خلال الدعم المالي ونقل التكنولوجيا واتفاقات تربط العمل المناخي بالتجارة أو البحث العلمي.
ويمكن لمثل هذه الترتيبات أن تجعل التحول أكثر قبولًا للدول التي تخشى تراجع عائداتها التقليدية.
وقال أوتمار إيدنهوفر، مدير معهد بوتسدام وأحد المشاركين في الدراسة، إن سياسات المناخ لا تعني الخسائر فقط، بل تعيد أيضًا تشكيل قيمة الأصول الاقتصادية وتخلق أصولًا جديدة يمكن أن تدعم الازدهار على المدى الطويل.
ما الذي لا تقوله الدراسة؟
رغم أهمية النتائج، فإن الخريطة لا تقدم حكمًا نهائيًا على القوة الجيوسياسية للدول، ولا تحسب جميع مصادر الربح والخسارة المحتملة.
فالدراسة تقيس خسائر إنتاج الوقود الأحفوري المحلي، ولا تلتقط بصورة كاملة تعرض الدول التي تمتلك مصالح كبيرة في إنتاج النفط والغاز خارج حدودها. كما أن تقديرات تخزين الكربون في الأراضي لا تشمل جميع الأضرار الناجمة عن الظواهر المتطرفة مثل موجات الحر والفيضانات.
واستخدم الباحثون الناتج الاقتصادي مؤشرًا تقريبيًا للنفوذ، لكنه لا يعكس بمفرده القوة العسكرية أو المؤسسات السياسية أو المسؤولية التاريخية عن الانبعاثات أو أهمية المعادن الاستراتيجية مثل الليثيوم والنيكل.
كذلك، فإن تصنيف الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي في مجموعة واحدة لا يمحو الفوارق الحقيقية في استراتيجياتها المناخية، بل يوضح حدود الاستنتاجات التي يمكن الوصول إليها من مجموعة محددة من المؤشرات الاقتصادية والبيئية.
اقتصاد المناخ يعيد رسم المصالح.. لكنه لا يحسم السياسة
تكشف الدراسة أن التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون لا يعيد توزيع تكاليف الطاقة فحسب، بل يعيد أيضًا تشكيل القيمة الاقتصادية للموارد الطبيعية، ويخلق فرصًا وخسائر متفاوتة بين الدول.
لكن تحقيق المكاسب المحتملة يتطلب أكثر من امتلاك الشمس أو الرياح أو الغابات، كما أن تجنب الخسائر لا يعتمد على الحسابات الاقتصادية وحدها. فالمؤسسات والتمويل والتكنولوجيا والتجارة والقدرة على التفاوض عوامل تحدد ما إذا كانت المصالح المشتركة ستتحول إلى اتفاقات فعلية.
وبالنسبة إلى الدول النامية والأفريقية، تبرز أهمية تحويل إمكانات الطاقة المتجددة وتخزين الكربون وتقليل الأضرار المناخية إلى استثمارات وفرص تنموية ملموسة، مع المطالبة بتعاون دولي يراعي تفاوت القدرات والمسؤوليات.





