د.معتز محمد أبوزيد: النزاعات المسلحة وآليات العدالة المناخية
قاض- محاضر مواد القانون العام- خبير تشريعات حقوق الإنسان
يتابع العالم الآن سريان فعاليات مؤتمر الأطراف بشأن المناخ COP28 في نسخته الثامنة والعشرين و الثانية عربية على التوالي في الإمارات العربية المتحدة بمشاركة العديد من الجهات، وحضور على درجة رفيعة من ممثلي الدول والمنظمات الدولية وهو ما يعبر عن زيادة الوعي و الاهتمام بقضايا المناخ وضرورة التعاون لمواجهة هذه المشكلات وفقا للآليات التي تتفق عليها الدول و تتخذ الطرق اللازمة لحلها بشكل فعال و مستدام.
ويتابع العالم كذلك ما يحدث في المنطقة العربية من نزاع مسلح امتد لما يقرب من شهرين بين الفلسطينيين في قطاع غزة و لقوات الإسرائيلية و الذي شهد من العمليات العسكرية و المواجهات ما نتج عنه العديد من حالات الوفيات والإصابات بجانب ضعف الإمكانيات المتاحة لنجدة وإسعاف ومساعدة الضحايا الفلسطينيين من جراء هذه العمليات و هو ما توافق العالم على المستوى الرسمي و الشعبي برفض ما يحدث من صراع دائر في هذه المنطقة نظرا لما يشكله من تهديد للأوضاع الإنسانية لسكان قطاع غزة و لما تمثله هذه الاعتداءات من انتهاكات للقانون الدولي و مبادئ حقوق الإنسان.
وعود على بدء بشأن الحديث عن قضايا المناخ وما يشكله مؤتمر الأمم المتحدة للأطراف بشأن المناخ و الذي يعقد سنويا والذي سبق و أن ناقش أفكار العدالة المناخية وكيف تنامت المسئولية التاريخية للدول التي قطعت شوطا في التاريخ من الأنشطة الاقتصادية المختلفة و التي حرصت على ممارستها تحقيقا لنهضة اقتصادية ألقت بآثارها على دول أخرى عانت من الفقر وقلة الإمكانيات و تطور ذلك في الوقت الحالي الى معضلات مناخية يصعب حلها و مواجهتها ، و على جانب آخر كان من أسباب تفاقم مشكلات المناخ عدم اهتمام بعض الدول الأخرى بهذه المشكلات و القضايا حيث أن هذه الدول لم تشارك في سباق النهضة الصناعية وإنما تجاوزت في مشكلات اجتماعية أخرى مثل التلوث و الزيادة السكانية ما ساهم في ظهور مشكلات المناخ كذلك.
ومن ناحية ثالثة فان مشكلات المناخ ظهرت كذلك في إطار اعتراض البيئة ذاتها و كوكب الأرض على ممارسات الإنسان على هذه الكوكب من حدوث ظواهر الاحترار و ارتفاع درجة حرارة الأرض و تراجع التنوع البيولوجي و تهديد الأمن المائي و الغذائي للعديد من الشعوب.
و بجانب المسئولية التاريخية على نحو ما سبق فان فكرة التشاركية في مواجهة آثار التغيرات المناخية هي من أسس العدالة المناخية حيث أنه و ان كان يصعب إثبات جذور مشكلات التغير المناخي في حق بعض الدول الا أن العائد من مواجهة هذه المشكلات تقتضي المشاركة و التعاون الدولي و هي من أساسيات تطبيقات العدالة المناخية حيث تعم هذه الفوائد على النطاق الدولي وتتعاظم الاستفادة من هذه الجهود بشأن تغير المناخ.
القضية الفلسطينية والعدالة المناخية
إلا أن ما يجري حاليا من تطورات في القضية الفلسطينية، وما أدى إليه الحال من نزاع عسكري مستمر ومتصاعد يؤثر بلا شك على سياسات العدالة المناخية والتي تعتبر من أهم مواجهات التغير المناخي، فالنزاع العسكري الدائر حاليا يتطلب استخدام أنواع من الأسلحة لم تكن مستخدمة من قبل تعتمد على تأثير واسع النطاق من الناحية التدميرية أو البيولوجية و هو ما يضاعف تأثير هذه الأسلحة على قضايا التغير المناخي بما يؤثر في حرارة الجو في مناطق النزاع بجانب التأثير على الأنشطة الاقتصادية من زراعة و تجارة في هذه المناطق التي تتعرض للقصف ، و كذلك فان استنزاف مصادر الطاقة و الموارد الاقتصادية في العمليات العسكرية يعطل قدرات الدول و الحكومات على اتخاذ خطوات جادة لحل مشكلات التغير المناخي تتطلب توفير مواد مالية ضخمة مما يتم إنفاقه على العمليات الحربية.
ومما يتعين النظر إليه كذلك أن فكرة الدفاع عن النفس التي تسيطر على العمليات العسكرية و حق مواجهة الاحتلال والمقاومة والتي هي من حقوق الإنسان المشروعة و الطبيعية إنما تجعل عملية إثبات المسئولية عملية صعبة فالدفاع الشرعي و المقاومة تتطلب بلا شك استخدام أسلحة، وهو ما يضاعف من تأثير هذه العملية على نطاق التغير المناخي ويشتت كل الجهود التي تحدد نطاقات المسئولية لأطراف النزاع و التي غالبا ما يندرج كل ما تقوم به تحت مفاهيم الدفاع عن النفس وهو ما تسمح به وتوجبه مقتضيات الحروب والنزاعات.
العلاقات الدولية في الحروب والنزاعات المسلحة
الحرب والنزاعات المسلحة في إطار قواعد القانون الدولي، هي إحدى العلاقات الدولية المعترف بها، والتي تحمل معنى العداء أو العقوبة، ومن حيث المبدأ فان الحروب والنزاعات لم تؤثر بشكل مادي مباشر في حياة الأجيال الحالية، وكذلك حياة الأجيال القادمة بما لها من أثر بيولوجي فان ذلك يهدم من حيث الأساس أفكار العدالة المناخية بل وسياسات مواجهة التغير المناخي بشكل عام، والتي تعنى بشكل أساسي حقوق الأجيال القادمة وحفظها بما يضمن رفاه حياة البشر واستمرارية الحياة على ظهر كوكب الأرض، وبشكل غير مباشر فان ما يستنزف من وارد لخدمة هذه الصراعات والحروب قد يصعب تجاوزه وتخطيه أو معالجته أثناء أو بعد العمليات الحربية، وهو ما يتطلب سنوات عديدة لإصلاح ما خلفته هذه النزاعات والعودة لنقطة البدء بشأن مواجهة التغير المناخي ومشكلاته التي قد تكون بالفعل زادت فتتحمل الأجيال القادمة هذه المسئولية بدلا من أن تستفيد من نتائج الجهود الحالية أو على الأقل يبقى لها استكمال هذه الجهود وجني ثمارها.
لا أحد في مأمن
فمشكلات التغير المناخي اتصفت بالعمومية، ونتائجها وآثارها تطال الجميع، وتؤثر على الجميع من بشر وكائنات حية ونباتات في البر والبحر، إلا أنه، ومن الواضح أن النزاعات المسلحة في أوقات الحروب ينتج عنها ضحايا جدد أو تجعل من الكوادر المعرضة للتهديدات المناخية ضحايا على وجه الخصوص، كما ظهر من متابعة حالات إصابات ووفيات النساء والأطفال، خاصة الذين يتواجدون في العديد من الأهداف الحيوية مثل المدارس والمستشفيات وكذلك ما يعانيه معظم الضحايا من قصف المنازل وهدم البيوت وهو ما يحمل تبعاتها النساء والأطفال على وجه الخصوص.
متطلبات العدالة المناخية
تتطلب تفعيل مبدأ التشاركية و هو من الصعب تطبيقه بين طرفين يتبادلان القصف، وإطلاق النيران أن يصل الأمر الى اتفاق تشاركي لتحمل مسئولية مواجهة أخطار التغير المناخي، وبالبناء على ما تقدم فان تطبيقات العدالة المناخية و نطاق العمل بها و ما يحكمها من مبادئ المسئولية المشتركة، وتحديد الأدوار وتوزيعها لا تتفق وطبيعة النزاعات العسكرية والحروب، وما تخلفه من آثار يتضرر منها من يواجه هذه الصراعات ويعيش زمانها أو في الأجيال اللاحقة التي تتحمل مسئولية وتكاليف إعادة الإعمار والبناء لما تهدم أثناء الحروب وهو ما يضيع حق الأجيال القادمة في الوصول الى حلول لمشكلات التغير المناخي والتي يتعين البدء فيها من الآن لإمكانية استدامتها لتصل للأجيال القادمة على نحو مؤثر وسليم، وهو ما يستدعي أن توضع هذه الاعتبارات في نصابها الصحيح خاصة في حالات النزاعات والحروب، والتي أصبح العالم يعاني منها حاليا بصورة مختلفة أكثر تهديدا و قسوة.





