أخبارالتنمية المستدامةالتنوع البيولوجي

البشر يغيرون كيمياء السواحل.. الزراعة والصرف تضيف نيتروجينًا يتجاوز المصادر الطبيعية

أسمدة وصرف وانبعاثات السيارات.. مصادر بشرية تعيد تشكيل مستويات المغذيات على السواحل

كشفت دراسة عالمية جديدة أن الأنشطة البشرية تضيف كميات من النيتروجين تتجاوز جميع المصادر الطبيعية مجتمعة في نحو ربع المجاري والمناطق المائية الساحلية حول العالم، في مؤشر على حجم التأثير الذي باتت تمارسه الزراعة والصرف الصحي والأنشطة الحضرية والصناعية على كيمياء البحار والمحيطات.

وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة ولاية واشنطن بالتعاون مع علماء من جامعة أوتريخت في هولندا وجامعة تشجيانغ في الصين، خريطة عالمية لتأثير البشر في مدخلات ثلاثة عناصر غذائية رئيسية إلى المناطق الساحلية، هي النيتروجين والفوسفور والسيليكون، وهي عناصر ضرورية للحياة البحرية، لكن اختلال مستوياتها أو نسبها يمكن أن يغير النظم البيئية ويزيد مخاطر التلوث.

ونُشرت النتائج في دورية Global Biogeochemical Cycles، وتقدم واحدة من أكثر المحاولات شمولًا حتى الآن لفهم مصادر هذه العناصر، من البر والبحر معًا، وتأثير الأنشطة البشرية في توزيعها ونسبها في المياه الساحلية.

مصادر بشرية تعيد تشكيل مستويات المغذيات على السواحل

الزراعة والصرف والمدن تضغط على السواحل

يصل النيتروجين والفوسفور إلى الأنهار والمناطق الساحلية من مصادر بشرية متعددة، أبرزها الأسمدة والمخلفات الحيوانية من الأراضي الزراعية، وتصريف مياه الصرف الصحي، والجريان السطحي من المدن والشوارع والحدائق، إضافة إلى الانبعاثات الناتجة عن السيارات ومحطات توليد الطاقة.

وعندما تصل كميات زائدة من هذه المغذيات إلى المياه، يمكن أن تحفز نمو الطحالب بصورة مفرطة، ما يؤدي إلى ظاهرة تعرف باسم الإثراء الغذائي أو التخثث.

وقد تتسبب هذه العملية في ظهور أزهار طحلبية ضارة، ثم استهلاك كميات كبيرة من الأكسجين أثناء تحلل المادة العضوية، بما قد يؤدي إلى نشوء مناطق منخفضة الأكسجين أو ما يعرف بـ*«المناطق الميتة»*، فضلًا عن تغيرات في التنوع البيولوجي البحري ومخاطر محتملة على صحة الإنسان.

وقال جون هاريسون، المؤلف الرئيسي للدراسة والأستاذ المتميز في مدرسة البيئة بجامعة ولاية واشنطن، إن النظم الساحلية توفر الغذاء وفرص العمل والترفيه لمليارات البشر، لكنها تواجه تهديدًا متزايدًا من تلوث المغذيات الذي يمكن أن يغذي تكاثر الطحالب الضارة ويخلق مناطق مستنزفة للأكسجين ويغير التنوع البيولوجي.

أين يتفوق الإنسان على الطبيعة؟

طورت الدراسة قاعدة بيانات عالمية جديدة لمصادر النيتروجين والفوسفور والسيليكون، ودرست هذه المصادر خلال فترات تمتد من ظروف ما قبل الثورة الصناعية إلى العصر الحديث.

وقارن الباحثون بين مساهمة المصادر الطبيعية والمصادر المرتبطة بالأنشطة البشرية، سواء القادمة من اليابسة أو من المحيط، كما درسوا تأثير التغيرات في نسب هذه العناصر وإمكان مساهمتها في حدوث التخثث.

وأظهرت النتائج أن المصادر البحرية الطبيعية لا تزال تمثل أكبر مساهم إجمالي في تدفقات المغذيات على مستوى العالم، لكن الصورة تتغير بصورة كبيرة عندما يتم النظر إلى السواحل والمناطق المتأثرة مباشرة باليابسة.

فالمصادر القادمة من اليابسة، سواء كانت طبيعية أو بشرية، توفر غالبية المغذيات في أكثر من نصف السواحل العالمية.

أما النشاط البشري وحده، فيضيف نيتروجينًا إلى ربع المجاري والمناطق المائية الساحلية تقريبًا بمستويات تتجاوز جميع المصادر الطبيعية مجتمعة.

ويمتد التأثير إلى المناطق البحرية الكبيرة الممتدة من السواحل إلى المحيطات، إذ تتجاوز مساهمة البشر في النيتروجين المصادر الطبيعية في نحو خُمس النظم البيئية البحرية الكبيرة التي حددتها الدراسة.

مصادر بشرية تعيد تشكيل مستويات المغذيات على السواحل

الفوسفور أيضًا تحت الضغط

لم يقتصر التأثير البشري على النيتروجين، ففي حالة الفوسفور، وجدت الدراسة أن الأنشطة البشرية تتجاوز المصادر الطبيعية في نحو 11% من المجاري والمناطق الساحلية.

ويمثل الفوسفور، إلى جانب النيتروجين، عنصرًا أساسيًا في نمو الكائنات الحية، لكن زيادة إمداد النظم المائية به يمكن أن تؤدي إلى اختلال التوازن الغذائي وتعزيز نمو الطحالب.

وتكتسب المسألة أهمية خاصة لأن تأثير المغذيات لا يعتمد فقط على الكمية المطلقة التي تصل إلى البحر، وإنما أيضًا على النسب بين النيتروجين والفوسفور والسيليكون.

السيليكون.. التأثير البشري يسير في الاتجاه المعاكس

في المقابل، وجدت الدراسة أن تأثير النشاط البشري على السيليكون غالبًا ما يسير في الاتجاه المعاكس، إذ يمكن للأنشطة البشرية أن تؤدي إلى خفض كميات السيليكون التي تصل إلى السواحل.

ومن أبرز الآليات المرتبطة بذلك السدود المقامة على الأنهار، والتي تعيق انتقال السيليكون من اليابسة عبر الأنهار إلى المناطق الساحلية.

ولا يعني ذلك أن انخفاض السيليكون يمثل مشكلة مستقلة في كل منطقة، لكن تغير نسب السيليكون مقارنة بالنيتروجين والفوسفور يمكن أن يؤثر في تركيب المجتمعات النباتية والطحلبية البحرية وفي طريقة استجابة النظم البيئية لتدفق المغذيات.

خليج المكسيك وأوروبا وآسيا في دائرة الاهتمام

حددت الدراسة عددًا من المناطق التي يظهر فيها تأثير النشاط البشري بصورة واضحة، ومن بينها خليج المكسيك وسواحل في أوروبا وآسيا.

وتشير النتائج إلى أن شدة التأثير تختلف بدرجة كبيرة من منطقة إلى أخرى؛ فهناك سواحل يمكن أن يؤدي فيها خفض المدخلات البشرية للمغذيات إلى تحسن مباشر في الحالة البيئية، بينما توجد مناطق أخرى تتمتع أصلًا بمستويات طبيعية مرتفعة من المغذيات، ما يجعل إدارة التلوث البشري أكثر تعقيدًا.

وقال هاريسون إن الهدف لا يتمثل فقط في معرفة حجم المشكلة على المستوى العالمي، وإنما في تحديد الأماكن التي يمكن أن يؤدي فيها توجيه الموارد نحو خفض المدخلات البشرية إلى تغيير ملموس في صحة النظم الساحلية.

مصادر بشرية تعيد تشكيل مستويات المغذيات على السواحل

خريطة لتوجيه جهود مكافحة التلوث

ويرى الباحثون أن قيمة الدراسة لا تكمن فقط في تحديد حجم مساهمة الإنسان، بل في إمكانية استخدامها كإطار لتحديد أين ينبغي توجيه جهود الحد من التلوث.

وتشمل الحلول المحتملة مجموعة من الإجراءات، من بينها تطوير تقنيات معالجة مياه الصرف الصحي، وتحسين إدارة استخدام الأسمدة في الزراعة، والحد من فقد المغذيات من الأراضي الزراعية، إلى جانب اعتماد ممارسات زراعية مثل الزراعة دون حرث التي يمكن أن تساعد في الحد من الجريان السطحي وفقد التربة والمغذيات.

ولا تحتاج جميع السواحل إلى النوع نفسه من التدخلات؛ ففاعلية أي إجراء تعتمد على حجم المصادر الطبيعية والبشرية للمغذيات، وعلى طبيعة النظام الساحلي وقدرته على استيعاب هذه المدخلات.

بعض السواحل يمكن إخراجها من منطقة الخطر

أحد الجوانب المهمة التي أبرزتها الدراسة أن بعض المناطق الساحلية تقع بالقرب من حدود يمكن أن يؤدي عندها خفض المدخلات البشرية للمغذيات إلى تغيير ملموس في الحالة البيئية.

وأوضح هاريسون أن هناك سواحل حول العالم يمكن أن يؤدي فيها ارتفاع كبير في مدخلات المغذيات من اليابسة إلى دفع النظام إلى منطقة الخطر، بينما يمكن أن يؤدي خفض هذه المدخلات بدرجة كبيرة إلى إخراجه منها.

وفي المقابل، توجد مناطق ذات مستويات طبيعية مرتفعة من المغذيات، ما يجعل الفصل بين التأثيرات الطبيعية والبشرية أكثر صعوبة، ويعقد عملية الإدارة.

هل يمكن إنقاذ السواحل بخفض التلوث من البر؟

تطرح الدراسة إجابة عملية على سؤال طالما شغل علماء البحار: إلى أي مدى يمكن أن تكون السواحل المتأثرة بالتلوث الغذائي قابلة للتحسن إذا جرى خفض المدخلات القادمة من اليابسة؟

فالنتائج تشير إلى أن الإجابة تختلف جغرافيًا، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن التأثير البشري ليس موزعًا بالتساوي حول العالم، وأن تحديد المناطق التي تتركز فيها مساهمة الإنسان يمكن أن يساعد في توجيه الاستثمارات والإجراءات البيئية نحو الأماكن التي يحتمل أن تحقق أكبر أثر.

وبذلك، لا تقدم الدراسة مجرد تقدير عالمي لتلوث المغذيات، وإنما تضع أساسًا لخريطة يمكن استخدامها في إدارة الأحواض النهرية والسواحل بصورة أكثر استهدافًا، من خلال ربط مصادر التلوث الموجودة على اليابسة بالتغيرات التي تصل في النهاية إلى البحار.

وتشير النتائج إلى أن حماية السواحل لا تبدأ بالضرورة عند خط الشاطئ، بل قد تبدأ في الحقول ومصارف الصرف الصحي والمدن والأنهار والسدود الواقعة مئات الكيلومترات إلى الداخل، حيث تتشكل أجزاء كبيرة من الحمل الغذائي الذي ينتهي في النهاية داخل النظم البحرية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة