الأنهار تنقل 263 ألف طن من البلاستيك الدقيق إلى المحيطات سنويًا
دراسة جديدة تكشف الحجم الحقيقي لتلوث المحيطات بالبلاستيك الدقيق عبر الأنهار
كشفت دراسة علمية جديدة أن الأنهار قد تنقل إلى محيطات العالم كميات من البلاستيك الدقيق أكبر مما كانت تقدره العديد من الدراسات والنماذج السابقة، محذرة من أن ظاهرة الأمطار الغزيرة، التي قد تزداد حدة مع تغير المناخ، يمكن أن تؤدي إلى تفاقم هذه المشكلة البيئية.
ووفق الدراسة المنشورة في مجلة Science، قدّرت الأبحاث أن الأنهار نقلت نحو 263 ألف طن متري من البلاستيك الدقيق إلى محيطات العالم خلال عام 2022، في إشارة إلى حجم متزايد من التلوث البلاستيكي ينتقل من اليابسة إلى النظم البحرية عبر المجاري المائية.
والبلاستيك الدقيق هو جزيئات بلاستيكية صغيرة يتراوح حجمها، وفق تعريف الدراسة، بين 1 و5 آلاف ميكرومتر، وتنشأ من تحلل المنتجات البلاستيكية الأكبر حجمًا، فضلًا عن مصادر أخرى مثل الدهانات ومستحضرات التجميل.
وتنتشر هذه الجزيئات في مختلف البيئات حول العالم، وأصبحت مصدر قلق بيئيًا وصحيًا متزايدًا، خاصة بعدما ثبت وجودها في النظم البيئية البحرية وقدرتها على دخول السلاسل الغذائية من خلال ابتلاع الكائنات البحرية لها.
الأنهار.. حلقة رئيسية في دورة البلاستيك الدقيق
يمثل انتقال البلاستيك من اليابسة إلى الأنهار ثم إلى المحيطات أحد المسارات الرئيسية التي تتحرك من خلالها هذه الملوثات في البيئة.
لكن تقدير حجم البلاستيك الدقيق الذي تنقله الأنهار إلى المحيطات ظل لفترة طويلة محل خلاف علمي واسع؛ إذ تراوحت التقديرات السابقة بين 6100 طن و2.31 مليون طن متري سنويًا.
ويرجع هذا التباين الكبير، بحسب الباحثين، إلى محدودية البيانات الميدانية، والاختلاف في طرق جمع العينات، إلى جانب قصور بعض النماذج الحاسوبية السابقة عن التقاط التغيرات المفاجئة في تدفقات الأنهار، خصوصًا تلك التي تحدث بعد هطول الأمطار الغزيرة.
وقالت الدراسة إن الأنهار تمثل قنوات رئيسية في الدورة العالمية للبلاستيك الدقيق، إلا أن حجم ما تنقله إلى المحيطات والعوامل التي تتحكم في هذه العملية لا يزالان من القضايا التي لم تُحسم بصورة كاملة.

نموذج جديد يتتبع الأنهار يوميًا
ولتحسين تقدير حجم المشكلة، قاد هيهاو تشين من جامعة بكين فريقًا بحثيًا طور نموذجًا حاسوبيًا أكثر شمولًا لتقدير كمية البلاستيك الدقيق التي تنتقل من الأنهار إلى المحيطات.
واعتمد النموذج على تتبع ظروف الأنهار بصورة يومية، بدلًا من الاعتماد على متوسطات عامة قد تخفي التغيرات المفاجئة في معدلات تدفق الملوثات.
كما استخدم الباحثون معالجة رياضية لتوحيد القياسات التي جُمعت باستخدام أحجام مختلفة من الشباك وطرق متنوعة لأخذ العينات، وهو ما يساعد على تقليل الاختلافات الناتجة عن طرق القياس نفسها.
وأدخل النموذج كذلك بيانات هطول الأمطار وتدفقات الأنهار اليومية، بما يسمح بالتقاط الارتفاعات المفاجئة في تركيزات البلاستيك الدقيق التي قد لا تظهر في النماذج التي تعتمد على البيانات السنوية أو المتوسطات طويلة الأجل.
ودُرّب النموذج باستخدام 1386 قياسًا ميدانيًا حقيقيًا للبلاستيك الدقيق جُمعت من أنهار في مناطق مختلفة حول العالم.
وبدمج هذه البيانات مع أنماط الطقس اليومية، وبيانات استخدام الأراضي، ومعدلات تدفق الأنهار، تمكن الباحثون من تقدير أعداد جزيئات البلاستيك الدقيق التي تحملها الأنهار حول العالم، ثم تحويل هذه الأعداد إلى كميات بالطن المتري.

263 ألف طن تصل إلى المحيطات في عام واحد
أظهرت نتائج النموذج أن الأنهار نقلت نحو 263 ألف طن متري من البلاستيك الدقيق إلى محيطات العالم خلال عام 2022.
وكشفت الدراسة عن تركّز كبير لمصادر هذا التلوث في دول الجنوب العالمي، إذ أشارت التقديرات إلى أن نحو 96% من البلاستيك الدقيق المحمول عبر الأنهار إلى المحيطات جاء من دول الجنوب العالمي.
وكانت منطقة جنوب شرق آسيا وشرق آسيا مسؤولة عن أكثر من نصف هذه الكمية، وفق نتائج الدراسة، ما يسلط الضوء على الارتباط الوثيق بين إدارة النفايات البلاستيكية على اليابسة وتلوث الأنهار والبحار.

نهر اليانجتسي في صدارة الأنهار الملوثة
وأظهر التحليل أن نهر اليانغتسي، الذي يعد أطول أنهار الصين ومن أهم الأنهار في العالم، كان أكثر الأنهار مساهمة في نقل البلاستيك الدقيق إلى البحر.
وتشير هذه النتيجة إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه الأنهار الكبرى في نقل الملوثات البلاستيكية من المناطق البرية والمراكز السكانية والصناعية إلى البيئات الساحلية والمحيطات.
ولا يقتصر الخطر على كمية البلاستيك التي تصل إلى البحر، إذ يمكن لهذه الجزيئات أن تتراكم في النظم البيئية الساحلية، وتدخل في السلاسل الغذائية بعد ابتلاعها من جانب الكائنات البحرية.

الأمطار الغزيرة تطلق «نبضات التلوث»
لكن أحد أبرز ما كشفته الدراسة هو الدور الذي تلعبه الأمطار الغزيرة في زيادة تدفق البلاستيك الدقيق من اليابسة إلى الأنهار.
ففي العديد من أحواض الأنهار، يمكن للأمطار الغزيرة أن تؤدي إلى ارتفاعات مفاجئة في مستويات البلاستيك الدقيق، وهي ظاهرة وصفها الباحثون بأنها «إثراء نبضي» أو Pulse Enrichment.
وخلال العواصف والأمطار الشديدة، يمكن للمياه أن تجرف البلاستيك الدقيق الموجود على سطح الأرض إلى المجاري المائية، كما قد تؤدي قوة تدفق المياه إلى تحريك الجزيئات التي ظلت عالقة في التربة أو ترسبت سابقًا في قيعان الأنهار.
وبذلك لا تعمل الأمطار على نقل الملوثات الجديدة فقط، وإنما يمكنها أيضًا إعادة تحريك كميات من البلاستيك الدقيق كانت محتجزة في البيئة لفترات طويلة.
تغير المناخ قد يزيد المشكلة سوءًا
وتكتسب هذه النتيجة أهمية إضافية في ظل تغير المناخ، مع توقعات بزيادة شدة بعض أحداث الطقس المتطرفة في العديد من المناطق.
وحذر الباحثون من أن الزيادة المرتبطة بالمناخ في ظواهر هطول الأمطار الشديدة قد تؤدي إلى زيادة هذه «النبضات» من البلاستيك الدقيق، وبالتالي تفاقم التلوث البلاستيكي في البحار والمحيطات.
وأكدت الدراسة أن الحد من هذه المخاطر يتطلب ضوابط أقوى على إنتاج البلاستيك وإدارة النفايات في المناطق الواقعة أعلى مجرى الأنهار، بدلًا من التركيز على تنظيف المحيطات بعد وصول الملوثات إليها.
وتشير النتائج في مجملها إلى أن أزمة البلاستيك الدقيق ليست مشكلة بحرية منفصلة، وإنما تبدأ بدرجة كبيرة على اليابسة، ثم تنتقل عبر شبكة الأنهار إلى المناطق الساحلية والمحيطات.
ومن ثم، فإن مواجهة التلوث البلاستيكي تتطلب إدارة دورة البلاستيك بالكامل، بدءًا من الإنتاج والاستهلاك والتخلص من النفايات، مرورًا بالمجاري المائية، وصولًا إلى حماية البحار والمحيطات من الجزيئات التي يصعب جمعها أو إزالتها بعد انتشارها في البيئة.





