د. رفعت جبر: الأمن الغذائي وفرص القطاع الزراعي على المنافسة
أستاذ ورئيس قسم التقنية الحيوية- كلية العلوم- جامعة القاهرة
يكتسب القطاع الزراعي المصري بالغ الأهمية منذ الحضارة الفرعونية على ضفاف نهر النيل حتى وقتنا هذا، حيث تسهم الزراعة بنسبة 14,5٪ في الناتج المحلي الإجمالي، وتمثل مايقارب من 30٪ من القوى العاملة في الدولة، 60٪ من القوى العاملة في صعيد مصر.
وتهدف خطة 2023/ 2024م الاستثمارية إلى استثمار 116.6 مليار جنيه بما يعادل 7% من إجمالى الاستثمارات لقطاع الزراعة والري، كما تستهدف معدل نمو 71٪ عن العام السابق ويستوعب القطاع الزراعي وحده أعلى نسبة عمالة ضمن القطاع الاقتصادي بنحو أكثر من 20% من إجمالي عدد العاملين في الأنشطة الاقتصادية خلال عام 2024م.
وتساهم الزراعة بنحو 11.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وما لا يقل عن 15% من إجمالي صادرات السلع غير النفطية، مع احتكار القطاع الخاص لنحو 44% من إجمالي الاستثمارات الزراعية.
وتسعى الدولة إلى توفير مصادر المياه المختلفة، وذلك عن طريق حفر أكثر من 1500 بئر مياه جديد في الصحراء الغربية، كما تسعي جاهدة لعمل أكبر نهر صناعي بالصحراء، وذلك لمحاولة تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الاستراتيجية وخاصة القمح بنسبة تقارب 75% خلال السنوات العشر المقبلة.
لما كان حوالي 75% من السكان الفقراء يعيشون في مناطق ريفية، فإنه من الطبيعى أن تواجه المراكز الحضرية هجرة غير منتظمة نحو المدن، ومن البديهي إنه لا يمكن تحقيق أي خفض مستدام في انتشار الفقر ما لم تتحسن سبل المعيشة فى المناطق الريفية.
سياسات الحد من انتشار الفقر والجوع
ولاجدال أن السياسات الانمائية التي تستهدف على وجه التحديد الحد من انتشار الفقر والجوع لابد أن تمثل هاجسا للتركزات الاقتصادية الخاصة العاملة فى القطاع الزراعى على حساب الحد من التنافس الربحي والاحتكار، مع الوقوف خلف خطة الدولة لتحقيق الأمن الغذائي من خلال ادخال تحسينات أساسية على الأداء الاقتصادي، وتحديد موارد الثروة الطبيعية ومساحة البلاد وعدد السكان وتنمية المهارات الزراعية، وتدريب القوي العاملة والميكنة الزراعية والري بالتنقيط، وزيادة مستويات الدخل لتحفيز الطلب على المنتجات والخدمات غير الزراعية، بما يوفر دعما لمستوى الدخل الريفي الناجم عن الأنشطة غير الزراعية أيضا.
مع التوسع والتركيز على الصناعات القائمة على المنتجات الزراعية، مع تحسين السياسات الاقتصادية وتطوير المؤسسات والانفتاح على الأسواق الاقليمية والعالمية والتعامل الايجابي مع تداعيات جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية.
تمثل التكاليف، المرونة فى التعامل والتعاون، مواعيد التسليم وجودة المنتجات أهم التحديات التنافسية للشركات العاملة فى القطاع الزراعى بمصر، فضلا عن رأس المال السوقي وكيفية إدارته وسمعة تلك الشركات ومدي إلمامها بقواعد التنافس التى تكسبها الميزة التنافسية للنجاح وتوليد قيمة مضافة تجعلها قادرة على التفوق على منافسيها.
إن ماحدث خلال عام 2023م من تعرض أكثر من ملياري شخص لانعدام الأمن الغذائي قد توافق كليًة مع تعريف منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) لذلك على أنه الافتقار إلى الوصول إلى ما يكفي من الغذاء الآمن والمغذي للنمو، والتطور الطبيعي، وجودة الحياة الصحية.
وعلى ذلك فإن تحقيق الأمن الغذائي للفرد والمجتمع هو السبيل الأمثل لتحقيق جهود التنمية المستدامة والمستهدفة من الدولة.
ولذلك تحرص الدولة على تطبيق مفاهيم الأمن الغذائي وفقًا لقواعد منظمة الصحة العالمية: العمل على توفير المواد الغذائية متعددة المصادر؛ الإتاحة للجميع بشكل متكافئ؛ الاستخدام الأمثل؛ توافر وإتاحة وثبات معدلات الإمدادات الغذائية لتلبية احتياجات الجميع.
التعاون الإنمائي فى مجال الأمن الغذائي
لهذا فإن وزارة التعاون الدولي، تسعى من خلال استراتيجيتها تعزيز الاستدامة ورفع القيمة الانتاجية والتصديرية من خلال التعاون الإنمائي الفعال في مجال الزراعة مع الصندوق الدولي للتنمية الزراعية التابع للأمم المتحدة عن طريق إبرام اتفاقيات تمويل ومنح تنموية ميسرة وغير مستردة بقيمة 3.34 مليار دولارلتحقيق الأمن الغذائي، في مجال الزراعة والري والامداد والتموين، من خلال الشراكة مع الصندوق الدولى للتنمية الزراعية، صندوق أوبك، الصندوق العربي، الصندوق الأفريقي، البنك الإسلامي للتنمية، الاتحاد الأوروبي والبنك الأوروبي للاستثمار، الوكالة الفرنسية للتنمية، وأمريكا.
وكان من أبرز مشروعات التعاون الإنمائي فى مجال الأمن الغذائي: زيادة السعة التخزينية للصوامع، مشروع توريد القمح، المشروع الطارئ لدعم الأمن الغذائي والاستجابة المرنة، تعزيز وزيادة الأمن الغذائي والصمود الاقتصادي، التحول العاجل فى سلسلة التوريد للمحاصيل الاستراتيجية، استصلاح الأراضي، زيادة تطبيقات الزراعة الذكية.
ولعل إنضمام مصر إلى مجموعة بريكس يضيف إليها قيمة تنافسية تمكنها من نقل وتوطين التكنولوجيا الحيوية وإعادة انتاجها محليا مما يزيد من فرص الشركات العاملة فى القطاع الزراعى المصري من التطور والنمو وتكتفى مصر فى خلال سنوات قريبة وخاصة من المحاصيل الاستراتيجية.
تهديدات تواجه الأمن الغذائي
يواجه الأمن الغذائي العديد من التهديدات التي تحد من توافره، من بينها: الزيادة السكانية المطردة؛ التغيرات المناخية؛ الصراعات المستمرة في مناطق عدة مثل الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا الشرقية؛ التضخم والضغوط الاقتصادية؛ الطبيعة المترابطة لسلاسل الإمداد الغذائية العالمية تجعلها عرضة للتعطل بسبب الأوبئة؛ التوترات الجيوسياسية؛ القيود التجارية؛ انخفاض أعداد الكائنات الحية التي تسهم في التلقيح مثل النحل نتيجة تدمير المواطن الطبيعية واستخدام المبيدات الكيمائية وندرة المياه.
وقد ظهرت آثار ذلك كله وخاصة على الدول النامية، فى أعقاب جائحة كورونا وتداعيات حرب غزة والحرب الروسية الأوكرانية والضرائب والرسوم والقيود التى تفرضها الولايات المتحدة حاليا على الجميع.
باتت قضية الأمن الغذائي قضية محورية تؤرق الحكومات والمؤسسات الدولية على حد سواء، وأصبح توفير الغذاء الصحى والآمن أحد أهم التحديات الأساسية التي تبناها المجتمع الدولي ضمن أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.
واعتمدت الأمم المتحدة خطتها لتحقيق الأمن الغذائي من خلال الهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة مبدأ محاولة القضاء على الجوع وخلق عالم خالٍ من الجوع بحلول عام 2030م وذلك عن طريق مشاركة حكومات الدول والمنظمات المعنية بالقطاع الزراعي.
استراتجيات لمحاولة تحقيق الأمن الغذائي
ومن أجل ذلك تم اعتماد ممارسات تراعي الحفاظ على المناخ، وتزيد من الوسائل الطبيعية على حساب المدخلات الكيميائية، مع تعزيز: الاستثمار في الطاقة المتجددة للزراعة؛ التعاون الدولي عبر تقوية الاتفاقيات التجارية الدولية؛ خفض الحواجز التجارية؛ برامج المساعدات الغذائية العالمية؛ الابتكار والتكنولوجيا؛ استنباط محاصيل مقاومة للجفاف والظروف المناخية؛ الحد من فقد الأغذية على طول سلاسل الإمداد؛ رفع مستوى الوعي لدى المستهلكين حول أهمية ترشيد الاستهلاك؛ تنويع النظم الغذائية من مرونة الأنظمة الزراعية والحد من الاعتماد على الزراعة الأحادية؛ تبني تقنيات ري حديثة مثل الري بالتنقيط، وإعادة تدوير مياه الصرف لاستخدامها في الزراعة، وتطوير سياسات تهدف إلى الحفاظ على الموارد المائية العذبة؛ تطوير والتوسع فى استخدام أنظمة الإنذار المبكر للتكيف مع الظروف المناخية المتغيرة، والزراعة الحرجية التي تدمج بين الزراعة والغابات لتحسين المرونة البيئية.
والأمل مازال معقودًا ومرهونًا بتنفيذ تلك التعهدات والاستراتجيات لمحاولة تحقيق الأمن الغذائي.





