
في عالم يعاني من تلوث الهواء والمياه والتغير المناخي، يبحث البشر عن مصادر طاقة متجددة وصديقة للبيئة.
ومن بين هذه المصادر، يبرز الهيدروچين الأخضر، الذي يُعد واحداً من أنظف أنواع الوقود، إذ لا ينبعث منه سوى الماء عند استخدامه.
لكن، ما هو الهيدروچين الأخضر؟ وكيف يُنتج؟ وما هي فوائده وعيوبه؟ وما هي التحديات التي تواجه تطبيقه على نطاق واسع؟
ما هو الهيدروچين الأخضر؟
الهيدروچين هو أبسط وأخف عنصر كيميائي في الطبيعة، وهو يتكون من ذرة واحدة من البروتون وإلكترون واحد.
ولأن الهيدروچين لا يوجد في حالته النقية على سطح الأرض، فإنه يتطلب طاقة لاستخلاصه من المواد التي يرتبط بها، مثل الماء أو الوقود الأحفوري.
وهنا تظهر الفرق بين أنواع الهيدروچين المختلفة، والتي تصنف حسب مصدر الطاقة المستخدم في إنتاجها ومدى انبعاثاتها الكربونية.
الهيدروچين الأخضر هو النوع الذي يتم إنتاجه من مصادر طاقة متجددة، مثل الرياح أو الشمس، بواسطة عملية تسمى التحليل الكهربائي للماء.
هذه العملية تستخدم تياراً كهربياً لفصل ذرات الهيدروچين عن ذرات الأكسيچين في جزيئات الماء، والتي تتكون من ذرتين من الهيدروچين وذرة واحدة من الأكسيچين، وبما أن هذه العملية لا تنطوي على أي انبعاث لغاز ثنائي أكسيد الكربون Co2 أو غيره من الغازات الضارة إلى الغلاف الجوي، فإنها تعتبر عملية نظيفة وصديقة للبيئة.
ولهذا السبب، يُطلق على الهيدروچين الناتج بهذه الطريقة اسم “الهيدروچين الأخضر“.
ما هي أهمية الهيدروچين الأخضر؟
الهيدروچين الأخضر يمثل في الوقت الراهن مورداً طاقوياً محورياً، لاسيما في ظل التنافس على تقليل الاعتماد على الموارد غير المتجددة من الطاقة، والتي تسبب تلوثاً واحتباساً حرارياً.
وقد برزت هذه المسألة بشكل كبير بعد الحرب الروسية على أوكرانيا عام ٢٠٢٢، والتي أثارت مشاكل حول خطوط أنابيب نورد ستريم، التي كانت تعتمد عليها أوروبا في إمداداتها من الغاز الطبيعي.
ومنذ ذلك الحين، بدأت الدول الأوروبية في البحث عن بدائل لتأمين احتياجاتها الطاقوية، ووضعت خططاً واستراتيجيات لتعزيز استخدام الهيدروچين الأخضر كوقود مستقبلي.
وكل ذلك في ضوء بيئة عالمية تشهد صراعات إقليمية متعددة، وتنافس اقتصادي حاد بين القوى العظمى.
ويتميز الهيدروچين الأخضر بعدة مميزات، منها:
1- سهولة تخزينه للاستخدام اللاحق، وليس كمعظم الغازات الصناعية الأخرى، والتي تستخدم بعد إنتاجها مباشرة.
ويمكن تخزين الهيدروچين الأخضر في صورة غازية أو سائلة أو صلبة، وفقاً للضغط ودرجة الحرارة المناسبين.
2- سهولة نقله عبر أنابيب الغاز الطبيعي، مع بعض التعديلات اللازمة، أو عبر شاحنات أو سفن مخصصة لنقل الهيدروچين.
ويمكن نقل الهيدروچين الأخضر على مسافات طويلة دون خسارة كبيرة في الطاقة.
3- تنوع استخدامه في الأغراض الصناعية الأخرى التي يستخدم فيها الهيدروچين العادي، مثل تكرير النفط وإنتاج الأسمدة والمواد الكيميائية والمعادن والزجاج والورق والنسيج والأدوية وغيرها.
ما هي التحديات التي تواجه الهيدروچين الأخضر؟
رغم كل هذه المميزات، فإن الهيدروچين الأخضر لا يخلو من بعض الجوانب السلبية، والتي تشكل تحديات كبيرة أمام تطبيقه على نطاق واسع.
ومن أبرز هذه التحديات:
1- التكلفة العالية للإنتاج: لاسيما وأنه يعتمد بالأساس على الطاقة المتجددة من الشمس أو الرياح، ومصادر الطاقة المتجددة عموما.
2- الاستهلاك العالي للطاقة اللازمة لإنتاج الهيدروچين الأخضر: حيث يتطلب طاقة أكبر من بقية أنواع الوقود، وهذا يعني أنه لا يمكن الحصول على الهيدروچين الأخضر إلا في الأوقات التي تكون فيها مصادر الطاقة المتجددة متوفرة وفعالة، مثل النهار للطاقة الشمسية أو الرياح القوية.
وهذا يحتاج إلى حلول تخزين ونقل متطورة وموثوقة لضمان استمرارية التزويد بالهيدروچين الأخضر.
3- عنصر الأمان والسلامة: فالهيدروچين غاز قابل للاشتعال بدرجة عالية جداً، مما يتطلب معايير وإجراءات سلامة أعلى لإنتاجه وتخزينه ونقله واستخدامه، تجنباً لمخاطر الانفجار أو التسرب أو الحريق.
وهذا يشمل تدريب العاملين والمستخدمين على التعامل مع الهيدروچين الأخضر بشكل سليم وآمن، وتوفير أنظمة إنذار وإطفاء وإخلاء في حالة الطوارئ.
ما هي آفاق الهيدروچين الأخضر؟
على الرغم من هذه التحديات، فإن الهيدروچين الأخضر يحظى بإهتمام ودعم متزايدين من الحكومات والمنظمات والشركات العالمية، التي ترى فيه فرصة لتحقيق الانتقال الطاقوي والحد من الانبعاثات الغازية.
وقد شهدنا في السنوات الأخيرة إطلاق مبادرات ومشاريع واستثمارات عديدة لتطوير وتوسيع إنتاج واستخدام الهيدروچين الأخضر في مختلف القطاعات والمجالات، مثل النقل والصناعة والزراعة والبناء والتدفئة والتبريد.
ومن بين هذه المبادرات، نذكر مثلاً:
1- خطة الاتحاد الأوروبي للهيدروچين: التي تهدف إلى تحويل أوروبا إلى قارة محايدة كربونياً بحلول عام 2050، والتي تضمن إنتاج 10 جيجاوات من الهيدروچين الأخضر بحلول عام 2030، وإنشاء شبكة أنابيب لنقل الهيدروچين الأخضر بين الدول الأعضاء، وتشجيع استخدام الهيدروچين الأخضر في النقل العام والخاص والصناعات الثقيلة والمنازل والمكاتب.
2- مشروع نيوم في المملكة العربية السعودية: الذي يعتبر أكبر مشروع لإنتاج الهيدروچين الأخضر في العالم، والذي يستخدم الطاقة الشمسية والريحية لتحليل الماء المحلاً من البحر الأحمر، وينتج 650 طناً من الهيدروچين الأخضر يومياً، ويصدره إلى الأسواق العالمية على شكل أمونيا خضراء، والتي يمكن تحويلها مرة أخرى إلى هيدروچين عند الوصول إلى الوجهة.
3- مبادرة الهيدروچين الأخضر الأفريقية: التي تضم 15 دولة أفريقية، والتي تسعى إلى تحقيق الاستقلال الطاقوي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، والتي تستفيد من الإمكانيات الهائلة للطاقة المتجددة في القارة السمراء، وتنتج ملايين الأطنان من الهيدروچين الأخضر سنوياً، وتستخدمه في السوق المحلية أو تصدره إلى الأسواق الدولية.
وهكذا، يبدو أن الهيدروچين الأخضر يملك إمكانيات كبيرة للمساهمة في حل مشكلة الطاقة والبيئة في العالم، إذا ما تم التغلب على التحديات التي تعترضه، وتم تعزيز التعاون والتنسيق بين الدول والمؤسسات والمجتمعات المعنية.
ويمكننا القول بإن “الهيدروچين الأخضر هو الوقود النظيف الذي يمكن أن يغير وجه العالم، إذا ما تحول من حلم بعيد إلى حقيقة قريبة”.
وفي الدولة المصرية، لابد من الاستغلال الأمثل للطاقة المتجددة، والتسريع من عمليات إنتاج هذا المصدر الطاقوي الجديد؛
تزامنًا مع خطة ٢٠٣٠، واتفاقية باريس للمناخ بشأن التغير المناخي، وكذا من أجل إحداث نمو اقتصادي عبر هذا المصدر الذي سيساهم بلا شك في تشكيل السياسات الخارجية للدول مثلما تفعل مصادر الطاقة الغير متجددة.
ولذلك، يوجد خط أنابيب للمشروع بقيمة 83 مليار دولار يمكنه إنتاج ما يصل إلى 15 مليون طن سنويًا من الأمونيا الخضراء.
هذا فضلًا عن تخصيص منطقة حول قناة السويس كمنطقة تجارة حرة لمشروعات الهيدروجين الأخضر.
المراجع
https://acwapower.com/en/projects/neom-green-hydrogen-project/





