لماذا فشلت أكبر صفقة عالمية للتخلص من الفحم؟ إندونيسيا تكشف أزمة تمويل المناخ
تعثر خطة بـ21.4 مليار دولار لإنهاء الفحم في إندونيسيا يثير الشكوك حول تمويل التحول الأخضر
أثار قرار إندونيسيا التخلي عن خطط الإغلاق المبكر لمحطة «سيريبون-1» العاملة بالفحم، في ديسمبر 2025، تساؤلات واسعة بشأن فعالية نماذج تمويل المناخ الدولية، بعدما كانت المحطة تمثل المشروع الأبرز ضمن واحدة من أكبر المبادرات العالمية الرامية إلى إنهاء الاعتماد على الفحم في الدول النامية.
وكانت محطة «سيريبون-1» تُعد حجر الزاوية في برنامج «شراكة التحول العادل للطاقة» (JET-P)، وهي مبادرة دولية بقيمة 21.4 مليار دولار مدعومة من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي، بهدف مساعدة إندونيسيا على تسريع الانتقال من الفحم إلى مصادر الطاقة النظيفة.
وأُطلقت المبادرة خلال قمة مجموعة العشرين في جزيرة بالي الإندونيسية عام 2022، قبل أن يتم تطبيق نماذج مشابهة في كل من جنوب أفريقيا وفيتنام والسنغال، باعتبارها واحدة من أكثر المحاولات طموحًا لتوجيه التمويل المناخي نحو الدول متوسطة الدخل المعتمدة على الفحم.

لكن الباحثين فريدي دايلي وتشارلي لوري، في تحليل نشرته منصة The Conversation، يرون أن تعثر المشروع الإندونيسي يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة هذا النموذج على تحقيق أهدافه الفعلية، خصوصًا إذا كان غير قادر على إغلاق محطة فحم واحدة في رابع أكبر دولة مستهلكة للفحم في العالم.
فكرة جذابة.. ونتائج محدودة
يقوم نموذج «شراكة التحول العادل للطاقة» على استخدام الأموال العامة المقدمة من الدول الغنية لتحفيز استثمارات القطاع الخاص في مشروعات الطاقة المتجددة وإغلاق محطات الفحم تدريجيًا.
وتقوم الفكرة على أن المنح والقروض منخفضة التكلفة تقلل المخاطر الاستثمارية، ما يشجع البنوك ومديري الأصول على ضخ استثمارات إضافية بمليارات الدولارات في قطاع الطاقة النظيفة.
وبحسب التصور النظري للمبادرة، يحقق هذا النموذج فوائد متبادلة تشمل خفض الانبعاثات، وتحسين جودة الهواء، وتعزيز أمن الطاقة، مع تقليل مخاطر التغير المناخي.
إلا أن الواقع، وفق الباحثين، جاء مختلفًا عن التوقعات، إذ لم تتدفق الاستثمارات الخاصة بالحجم المأمول في أي من الدول الأربع المشاركة في المبادرة.
ففي إندونيسيا، لم يتجاوز حجم التمويل العام المصروف فعليًا حتى مطلع عام 2025 نحو 1.1 مليار دولار فقط، في حين تشير الخطط الوطنية لإزالة الكربون من قطاع الكهرباء إلى حاجة البلاد لاستثمارات تبلغ نحو 97 مليار دولار بحلول عام 2030.

أزمة شفافية وتعقيدات مالية
ويشير التحليل إلى أن أحد أبرز التحديات يتمثل في غياب نظام موحد للإفصاح المالي، حيث تضم المبادرة الإندونيسية نحو 50 حزمة تمويلية مختلفة، لكل منها آلياتها المحاسبية وأدواتها التمويلية الخاصة.
وأدى هذا التشعب إلى صعوبة تتبع الأموال وتقييم حجم الإنفاق الفعلي وتأثيره على أرض الواقع، ما أضاف أعباء بيروقراطية كبيرة على المؤسسات الإندونيسية المسؤولة عن تنفيذ البرنامج.
لماذا لا يرغب المستثمرون في إغلاق محطات الفحم؟
يوضح الباحثان أن إيقاف محطة فحم لا يشبه إنشاء مشروع جديد للطاقة المتجددة، بل يتطلب تعويض المستثمرين عن الأرباح المستقبلية المفقودة، وإعادة التفاوض بشأن عقود طويلة الأجل، وتسوية التزامات قانونية وتجارية معقدة.
كما أن الكهرباء التي كانت تنتجها المحطة يجب استبدالها بمصادر بديلة، ما يتطلب استثمارات إضافية ضخمة في البنية التحتية للطاقة.
ومن ثم، يرى المستثمرون أن العوائد المحتملة لا تتناسب مع حجم المخاطر، خاصة في ظل التحديات التنظيمية والسياسية التي تواجه الاقتصادات النامية.
كما يطالب المستثمرون الدول النامية بعوائد مرتفعة لتعويض المخاطر، بينما يترددون في الاستثمار في بيئات يرون أنها تتسم بتعقيدات تنظيمية أو أعباء ديون متزايدة.
عبء ديون إضافي على إندونيسيا
وتلفت الدراسة إلى أن معظم التمويل الموعود ضمن المبادرة لا يأتي في صورة منح مجانية، بل في شكل قروض تجارية يجب على إندونيسيا سدادها مستقبلًا.
فمن إجمالي 21.4 مليار دولار تم التعهد بها، لا تمثل المنح غير المستردة سوى نحو 2.6% فقط، بينما تتكون الغالبية العظمى من قروض ومساعدات تمويلية مشروطة.
ويرى الباحثون أن هذا الوضع يضع الحكومة الإندونيسية أمام معادلة صعبة؛ إذ يتعين عليها اقتراض الأموال لإغلاق أصول قائمة تدر عائدات اقتصادية وتوفر فرص عمل، ثم شراء الكهرباء لاحقًا من شركات خاصة تستثمر في مشاريع الطاقة البديلة.
ووصف أحد المشاركين في الدراسة هذا الوضع بأن الدولة «تدفع مرتين»، مرة لإغلاق النظام القديم، ومرة أخرى لشراء الطاقة من النظام الجديد.
دور الدولة في التحول الطاقي
يشير التحليل إلى أن تجارب التحول السريع نحو الطاقة النظيفة في دول مثل الصين وفيتنام اعتمدت بصورة كبيرة على مؤسسات حكومية قوية واستراتيجيات صناعية واضحة وقدرة الدولة على توجيه الاستثمارات.
في المقابل، يعتمد نموذج «شراكة التحول العادل للطاقة» بدرجة أكبر على القطاع الخاص وإصلاحات السوق وآليات جذب المستثمرين، وهو ما يثير مخاوف من إضعاف دور المؤسسات الحكومية التي يفترض أن تقود عملية التحول الطاقي.
وفي الحالة الإندونيسية، ارتبطت هذه التوجهات بمقترحات لإعادة هيكلة شركة الكهرباء الوطنية وبيع بعض أصولها، وهي خطوات واجهت معارضة واسعة من النقابات العمالية ومنظمات المجتمع المدني.

هل يحتاج العالم إلى نموذج جديد؟
ورغم الانتقادات الموجهة إلى المبادرة، يؤكد الباحثون أن تمويل المناخ الدولي لا يزال ضرورة أساسية لمساعدة دول الجنوب العالمي على تنفيذ التحول الطاقي وخفض الانبعاثات.
لكنهم يرون أن التجربة الإندونيسية تشير إلى ضرورة البحث عن نماذج بديلة تعتمد بصورة أكبر على المنح المباشرة والدعم الحكومي، بدلًا من التعويل المفرط على المستثمرين الخواص.
كما أشاروا إلى مبادرات بديلة، مثل «مبادرة بريدجتاون» التي طرحتها Mia Mottley، والتي تدعو إلى توظيف موارد المؤسسات المالية الدولية لدعم الاستثمارات المناخية في الدول النامية.
وخلصت الدراسة إلى أن فشل إغلاق محطة «سيريبون-1» لا يمثل مجرد انتكاسة محلية لإندونيسيا، بل يعد مؤشرًا على وجود خلل أعمق في النموذج العالمي الحالي لتمويل التخلص من الوقود الأحفوري، وهو ما قد يبطئ مسار التحول المناخي العالمي في السنوات المقبلة.





