نظام ذكاء اصطناعي يصمم وجبات مخصصة لكل فرد.. أكثر صحة وأقل أثرًا بيئيًا
تقنية جديدة تبتكر وصفات طعام تجمع بين الطعم والتغذية والاستدامة
طور باحثون في جامعة ستانفورد الأمريكية نظامًا مبتكرًا للذكاء الاصطناعي يحمل اسم «BurgerAI»، قادرًا على تصميم وصفات برجر مخصصة تلائم احتياجات الأفراد الصحية وأذواقهم الغذائية وأهدافهم البيئية، في خطوة قد تسهم في تطوير أغذية أكثر صحة واستدامة في المستقبل.
ويستند النظام الجديد إلى مفهوم مختلف عن معظم تطبيقات الذكاء الاصطناعي التقليدية التي تعتمد على التنبؤ وتحليل البيانات السابقة، إذ يركز «BurgerAI» على ابتكار حلول جديدة وتصميم منتجات لم تكن موجودة من قبل، بدلًا من مجرد توقع النتائج المحتملة.
ونُشرت نتائج المشروع في دراستين علميتين أعدهما فريق من معهد «Bio-X» للعلوم الحياتية بجامعة ستانفورد بقيادة البروفيسورة إلين كول، مديرة المعهد وأستاذة الهندسة في الجامعة، بينما تولى الباحث فهيد الله تاق، زميل ما بعد الدكتوراه في مختبر كول، دور الباحث الرئيسي في الدراستين.
ونُشرت الدراسة الأولى في مجلة «npj Science of Food»، بينما صدرت الدراسة الثانية في مجلة «Computer Methods in Applied Mechanics and Engineering».
وأوضحت كول أن هناك عددًا هائلًا من وصفات البرغر المحتملة، يقدر بنحو 10 أس 43 وصفة مختلفة، وهو رقم يفوق القدرة البشرية على الاستكشاف أو الاختبار. ومن هنا جاءت فكرة تطوير أداة ذكاء اصطناعي قادرة على التنقل داخل هذا الفضاء الضخم من الخيارات للوصول إلى أفضل وصفة ممكنة وفق معايير متعددة.

وقالت كول: «أردنا أن يخترع الذكاء الاصطناعي ما ينبغي أن يوجد في المستقبل، وليس فقط أن يتنبأ بما هو موجود بالفعل. لا يسأل BurgerAI عن أكثر وصفة احتمالًا، بل يبحث عن الوصفة التي تحقق أفضل توازن بين مجموعة معقدة من الأهداف المهمة».
واعتمد الباحثون في تدريب النظام على قاعدة بيانات تضم 2216 وصفة برغر منشورة على موقع Food.com، حيث تعلم الذكاء الاصطناعي أنماط المزج بين المكونات والكميات المختلفة، قبل أن يبدأ في إنتاج وصفات جديدة بالكامل من الصفر.
ولا تقتصر الوصفات الناتجة على تعديلات طفيفة لوصفات سابقة، بل تمثل تركيبات مبتكرة مصممة لتلبية معايير متعددة في الوقت نفسه، تشمل المذاق والقيمة الغذائية والاستدامة البيئية، إضافة إلى عوامل شخصية مثل العمر والجنس ومستوى النشاط البدني.
وأوضح الباحث فهيد الله تاق أن اختيارات الطعام تعد من أكثر القرارات تأثيرًا في صحة الإنسان والبيئة على حد سواء، مضيفًا أن تصميم أغذية أفضل يمكن أن يخدم هدفين في آن واحد هما تحسين الصحة الشخصية وتقليل الأثر البيئي.
وأشار إلى أن الطعام يمثل بيئة اختبار مثالية لمثل هذه الأنظمة الذكية، لأنه يتضمن دائمًا مفاضلات معقدة بين الطعم والقيمة الغذائية والاستدامة، وهي تحديات مشابهة لتلك التي تواجه العديد من المجالات العلمية والهندسية الأخرى.
ولم يكتف الفريق بالتقييم النظري للنتائج، بل أجرى اختبارًا عمليًا شمل إعداد خمس وصفات مختلفة صممها النظام بواسطة طهاة محترفين، ثم تقديمها لأكثر من 100 شخص في مطعم بمدينة سان فرانسيسكو ضمن تجربة تذوق عمياء، إلى جانب أحد أشهر أنواع البرغر السريع المستخدم كمعيار للمقارنة.
وأظهرت النتائج أن نسختين من «البرجر اللذيذ» الذي ابتكره النظام حققتا تقييمات مساوية أو أفضل من البرغر المرجعي في جوانب المذاق والنكهة والقوام والقبول العام لدى المشاركين.
كما نجح «برجر الفطر» الذي صممه النظام في خفض الأثر البيئي بأكثر من عشرة أضعاف مقارنة ببرغر اللحم التقليدي، بينما حقق «برجر الفاصولياء» قيمة غذائية تقارب ضعف القيمة الغذائية للبرغر السريع المستخدم في المقارنة.
وقالت كول إن النتائج أثبتت أن الذكاء الاصطناعي لم ينجح فقط في ابتكار وصفات تبدو منطقية على الورق، بل تمكن من إنتاج وجبات يستمتع الناس فعلًا بتناولها.
وأضافت، أن قدرة النظام على إيجاد حلول عملية ضمن عدد شبه لا نهائي من التركيبات الغذائية تعكس إمكانات كبيرة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم منتجات جديدة تلبي احتياجات البشر بشكل أكثر كفاءة.
ويرى الباحثون أن تطبيقات هذه التقنية تتجاوز قطاع الأغذية بكثير، إذ يمكن توظيف النهج نفسه في اكتشاف الأدوية وتصميم المواد المتقدمة والهندسة الحيوية، وهي مجالات تتطلب البحث داخل فضاءات ضخمة من الاحتمالات للوصول إلى أفضل الحلول الممكنة.
وأكدت كول أن البرجر ليس سوى نقطة البداية، موضحة أن الطعام يوفر نموذجًا عمليًا لإثبات قدرة الذكاء الاصطناعي على المشاركة في عمليات الابتكار العلمي والهندسي.
وأضافت: «على مدى قرون اعتمد تصميم الأغذية على الحدس والخبرة والتجربة والخطأ، لكننا بدأنا الآن نبرهن أن الذكاء الاصطناعي قادر على تحويل تصميم الطعام إلى علم كمي يمكن أن يمتد تأثيره إلى العديد من المجالات الحيوية الأخرى».





