هل يؤدي انقلاب أقطاب الأرض إلى انقطاع الكهرباء عالميًا؟.. العلم يجيب
ماذا يحدث إذا انقلب المجال المغناطيسي للأرض؟.. خطر حقيقي يهدد التكنولوجيا لا البشر
يُعد المجال المغناطيسي للأرض أحد أهم الدروع الطبيعية التي تحمي الكوكب، إذ يعمل على صد الجسيمات المشحونة القادمة من الرياح الشمسية والانبعاثات الإكليلية، ويسهم في حماية الغلاف الجوي والحفاظ على الظروف التي سمحت باستمرار الحياة على سطح الأرض.
لكن هذا الدرع ليس ثابتًا إلى الأبد، فالمجال المغناطيسي للأرض يتغير باستمرار، كما شهد الكوكب عبر تاريخه الجيولوجي العديد من الانقلابات الكاملة للأقطاب المغناطيسية.
ويطرح ذلك سؤالًا مثيرًا للقلق: ماذا سيحدث إذا انعكس المجال المغناطيسي للأرض اليوم؟ وهل يمكن أن يؤدي ذلك إلى انقطاع الكهرباء والاتصالات على نطاق عالمي؟

المجال المغناطيسي للأرض.. درع يتغير باستمرار
أظهرت السجلات الجيولوجية أن أقطاب الأرض المغناطيسية انعكست مرات عديدة خلال تاريخ الكوكب.
وتشير بيانات ناسا إلى حدوث 183 انقلابًا مغناطيسيًا خلال آخر 83 مليون سنة، إلى جانب تغيرات مؤقتة في المجال تُعرف باسم «الرحلات المغناطيسية».
ولا يعني الانقلاب المغناطيسي أن القطبين الشمالي والجنوبي سيتبادلان موقعيهما فجأة خلال ساعات أو أيام، إذ إن العملية تحدث تدريجيًا على مدى آلاف السنين.
وتحتفظ بعض الصخور الغنية بالحديد بسجل لاتجاه المجال المغناطيسي وقوته عندما تشكلت، وهو ما أتاح للعلماء إعادة بناء تاريخ الانقلابات المغناطيسية للأرض.
وقبل حدوث انقلاب كامل، يضعف المجال المغناطيسي تدريجيًا، ويمكن أن يصبح أكثر تعقيدًا، مع ظهور مناطق متعددة ذات أقطاب مغناطيسية مؤقتة، قبل أن يستقر المجال مرة أخرى في صورة مجال ثنائي القطب.
آخر انقلاب مغناطيسي حدث قبل نحو 780 ألف سنة
يُعرف أحدث انقلاب كامل للمجال المغناطيسي باسم انقلاب برونز-ماتوياما (Brunhes–Matuyama reversal)، ويُقدر حدوثه قبل نحو 780 ألف سنة.
وتختلف الدراسات في تقدير المدة التي استغرقها هذا التحول، إذ أشارت دراسة نُشرت عام 2019 إلى أن عملية الانتقال ربما امتدت لنحو 22 ألف سنة، بينما قدمت تحليلات أخرى تقديرات زمنية مختلفة.
وهذا يعني أن انقلاب المجال المغناطيسي ليس حدثًا مفاجئًا يمكن أن يستيقظ العالم على حدوثه في صباح يوم واحد، وإنما عملية جيولوجية بطيئة تمتد لآلاف السنين.

ماذا يحدث للمجال المغناطيسي أثناء الانقلاب؟
طوّر العالمان جاري جلاتزماير وبول روبرتس، نماذج حاسوبية ثلاثية الأبعاد لمحاكاة «الدينامو الجيولوجي» للأرض، وهو النظام المسؤول عن توليد المجال المغناطيسي في باطن الكوكب.
وأظهرت النماذج إمكانية حدوث تغيرات مؤقتة في المجال قبل أن يستقر في اتجاه جديد، بما يتوافق مع بعض الأنماط التي كشفها السجل الجيولوجي.
وخلال فترة الانقلاب يمكن أن تنخفض قوة المجال المغناطيسي إلى مستويات أقل بكثير من قوتها المعتادة، لكن ذلك لا يعني اختفاء المجال تمامًا أو تحول الأرض إلى كوكب مكشوف أمام الإشعاع الفضائي.
الخطر الأكبر ليس على البشر.. بل على التكنولوجيا
قد يبدو ضعف المجال المغناطيسي للأرض مخيفًا من الناحية البيولوجية، إلا أن السجل الجيولوجي لا يقدم دليلًا على ارتباط الانقلابات المغناطيسية السابقة بحدوث انقراضات جماعية أو اضطرابات بيولوجية شديدة.
الخطر الأبرز في العصر الحديث يتعلق بشيء لم يكن موجودًا خلال الانقلابات السابقة: البنية التحتية التكنولوجية شديدة الاعتماد على الكهرباء والأقمار الصناعية والاتصالات.
ففي حالة ضعف المجال المغناطيسي، قد تصبح الأقمار الصناعية أكثر عرضة لتأثير الجسيمات عالية الطاقة الناتجة عن العواصف الشمسية، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى أضرار في الأنظمة الإلكترونية الموجودة على متنها.
وقد تتأثر أيضًا أنظمة الملاحة العالمية، والاتصالات، وخدمات تحديد المواقع، وأنظمة تتبع الطائرات وغيرها من البنية التحتية التي تعتمد على الأقمار الصناعية.
أما على سطح الأرض، فإن العواصف الشمسية القوية يمكن أن تولد تيارات كهربائية غير مرغوبة في شبكات نقل الكهرباء، ما يزيد الضغط على المحولات وخطوط الجهد العالي.

عاصفة شمسية أسقطت شبكة كهرباء كبرى خلال ثوانٍ
ولا يحتاج العالم إلى انتظار انقلاب مغناطيسي كامل حتى يرى تأثيرات الطقس الفضائي على شبكات الكهرباء.
ففي 13 مارس 1989، ضربت عاصفة جيومغناطيسية قوية شبكة الكهرباء في مقاطعة كيبيك الكندية، ما أدى إلى انهيار الشبكة خلال نحو 90 ثانية، وانقطاع الكهرباء عن نحو 6 ملايين شخص لمدة وصلت إلى 9 ساعات.
كما تسببت العاصفة في أضرار لمحول كهربائي عالي الجهد في محطة سالم النووية بولاية نيوجيرسي الأمريكية.
وتوضح هذه الحادثة مدى سرعة تأثير العواصف الشمسية الشديدة في البنية التحتية الأرضية، حتى في ظل وجود المجال المغناطيسي للأرض بحالته الطبيعية.
هل يمكن أن ينقطع التيار الكهربائي عن العالم كله؟
لا تشير الأدلة العلمية إلى أن انقلاب المجال المغناطيسي للأرض سيؤدي تلقائيًا إلى انقطاع الكهرباء عن الكوكب بأكمله.
لكن ضعف المجال لفترة طويلة قد يزيد من تعرض البنية التحتية للعواصف الشمسية، ما يجعل شبكات الكهرباء والأقمار الصناعية وأنظمة الاتصالات أكثر عرضة للاضطرابات.
ولهذا يركز العلماء والمهندسون على تطوير نماذج أفضل للتنبؤ بسلوك المجال المغناطيسي والعواصف الشمسية، إلى جانب تعزيز قدرة شبكات الكهرباء على تحمل التيارات الناتجة عن العواصف الجيومغناطيسية.

انقلاب الأقطاب ليس «نهاية العالم»
رغم المخاوف التي تحيط بفكرة انقلاب المجال المغناطيسي للأرض، فإن التاريخ الجيولوجي للكوكب يقدم رسالة أكثر هدوءًا.
فالأرض شهدت انقلابات مغناطيسية عديدة، واستمرت الحياة خلالها، ولا توجد علاقة واضحة بين هذه الانقلابات وحدوث انقراضات جماعية.
لكن العالم الحديث يختلف جذريًا عن العالم الذي شهد تلك الانقلابات السابقة؛ فالمجتمعات تعتمد الآن على شبكة معقدة من الأقمار الصناعية والكهرباء والاتصالات والملاحة.
لذلك، فإن الخطر الحقيقي المحتمل من ضعف المجال المغناطيسي لا يتمثل في اختفاء الحياة من على الأرض، وإنما في زيادة هشاشة التكنولوجيا أمام العواصف الشمسية الشديدة.
والأهم أن انقلاب المجال المغناطيسي لا يحدث بين عشية وضحاها، بل يستغرق آلاف السنين.
أما العواصف الشمسية القوية، فهي قادرة بالفعل على التأثير في البنية التحتية خلال دقائق أو ثوانٍ، وهو ما يجعل الاستعداد للطقس الفضائي تحديًا أكثر إلحاحًا من الخوف من انقلاب مغناطيسي مفاجئ.





