أخبارالمدن الذكيةابتكارات ومبادرات

نموذج جديد يجعل مخلفات البناء نقطة انطلاق للعمارة.. ثورة في تصميم المباني وإعادة استخدام المواد

أقل من 1% يعاد استخدامها.. لماذا تفشل صناعة البناء في إنقاذ موادها القديمة؟

في التصميم المعماري التقليدي، تبدأ العملية غالبًا بفكرة أو رسم تخطيطي للمبنى، ثم تأتي مرحلة اختيار المواد لاحقًا لتحديد الواجهات والأرضيات والنوافذ وغيرها من المكونات.

 

لكن مع تزايد الحاجة إلى خفض الأثر البيئي لقطاع البناء، قد يحتاج هذا الترتيب إلى التغيير، فبدلًا من تصميم المبنى أولًا ثم البحث عن المواد المناسبة، تقترح دراسة جديدة أن يبدأ المعماري من المواد الموجودة بالفعل والتي يمكن إنقاذها وإعادة استخدامها، لتصبح تلك المواد نقطة انطلاق للعملية الإبداعية نفسها.

 

وتقدم الدراسة المنشورة في دورية Archnet-IJAR  International Journal of Architectural Research إطارًا نظريًا لفهم ما يحدث عندما يصبح إعادة استخدام مواد البناء جزءًا أساسيًا من عملية التصميم.

 

وتحمل الدراسة عنوان «Architecture and gathering: on spatiality, conception and revaluation in material reuse practice»، وأعدها دانيال نوريل، المعماري والمحاضر الأول في قسم الهندسة المعمارية والهندسة المدنية بجامعة تشالمرز للتكنولوجيا، بالتعاون مع إينار رود من المعهد الملكي للتكنولوجيا في السويد «KTH».

كما اختبر الباحثان الفكرة عمليًا من خلال مشروع Raamland، الذي نُفذ ضمن ترينالي الفن والعمارة في مدينة بروج البلجيكية.

أقل من 1% يعاد استخدامها.. لماذا تفشل صناعة البناء في إنقاذ موادها القديمة؟
أقل من 1% يعاد استخدامها.. لماذا تفشل صناعة البناء في إنقاذ موادها القديمة؟

من «التصميم أولًا» إلى «الجمع أولًا»

يركز الباحثان على مفهوم «الجمع» أو Gathering، وهو مفهوم يتجاوز مجرد شراء مواد مستعملة أو إدخال مكونات قديمة في مبنى جديد.

الفكرة الأساسية هي تغيير نقطة بداية المشروع المعماري نفسها.

فبدلًا من أن يبدأ المعماري بتطوير مفهوم لمبنى جديد ثم يبحث لاحقًا عن المواد التي تناسبه، يمكن أن يبدأ بجرد الموارد الموجودة حوله: ما النوافذ المتاحة؟ ما الأخشاب التي يمكن استعادتها؟ هل توجد عوارض أو أبواب أو مكونات أخرى يمكن إعادة استخدامها؟

من «التصميم أولًا» إلى «الجمع أولًا»
من «التصميم أولًا» إلى «الجمع أولًا»

وبذلك تصبح المواد الموجودة جزءًا من عملية اتخاذ القرار منذ اللحظة الأولى.

ويرى نوريل أن المعماريين يمكن أن يعتادوا بدء المهمة من خلال حصر الموارد القائمة التي يمكن إعادة استخدامها، بدلًا من اعتبار المادة مرحلة لاحقة تأتي بعد اكتمال الفكرة التصميمية.

وهذا التحول يعني أن التصميم لا يحدد دائمًا المادة مسبقًا، وإنما يمكن للمادة نفسها أن تؤثر في شكل المبنى ووظيفته وتفاصيله.

 

إعادة الاستخدام ليست إعادة تدوير

تفرق الدراسة بوضوح بين إعادة الاستخدام «Reuse» وإعادة التدوير «Recycling».

في إعادة التدوير، يجري تفكيك العناصر والمواد وتحويلها إلى مواد خام يمكن استخدامها في تصنيع منتجات جديدة، وهي عملية قد تتطلب كميات كبيرة من الطاقة.

 

أما إعادة الاستخدام، فتعني استخدام العنصر أو المادة مرة أخرى دون تفكيكها أولًا إلى موادها الخام.

 

فعندما يرغب المعماري في إعادة استخدام نافذة أو كسوة خشبية أو عارضة إنشائية، لا يعود السؤال فقط: ما الشكل الذي يناسب المبنى؟

إعادة الاستخدام ليست إعادة تدوير
إعادة الاستخدام ليست إعادة تدوير

بل يصبح السؤال أيضًا: ما الذي يمكن العثور عليه بالفعل؟

وهنا تتحول عملية اختيار المواد إلى جزء من التصميم، بدلًا من كونها مجرد مرحلة تنفيذية لاحقة.

 

ويرى الباحث أن هذا القيد يمكن أن يؤدي paradoxically إلى زيادة الإبداع، لأن العناصر القديمة قد تحمل تاريخًا وملمسًا وآثار استخدام سابقة، وهو ما يمنح المبنى الجديد شخصية مختلفة.

إعادة الاستخدام إلى طريقة مختلفة للنظر إلى الأشياء
إعادة الاستخدام إلى طريقة مختلفة للنظر إلى الأشياء

«عين» جديدة للمعماري

تحتاج إعادة الاستخدام إلى طريقة مختلفة للنظر إلى الأشياء، ويصف نوريل ذلك بتطوير «عين لإعادة الاستخدام»، أي القدرة على رؤية قيمة العنصر ليس فقط من خلال وظيفته الأصلية، ولكن أيضًا من خلال إمكاناته المستقبلية.

 

فالمعماري يحتاج إلى معرفة طبيعة المادة وخصائصها، وتقدير قيمتها الثقافية والتاريخية، وفهم الوظيفة التي كانت تؤديها، لكنه يحتاج أيضًا إلى تخيل ما يمكن أن تصبح عليه.

 

فالباب القديم، على سبيل المثال، يمكن أن يعاد استخدامه كباب في مبنى جديد، لكن يمكن أيضًا تحويله إلى سطح لطاولة إذا كانت خصائصه ومظهره يسمحان بذلك.

وهنا ينتقل التفكير من سؤال: كيف أعيد استخدام الشيء كما هو؟ إلى سؤال أوسع: ماذا يمكن أن أصنع بهذا الشيء؟

وهذا النوع من التحويل يفتح المجال أمام استخدام المواد بطريقة مختلفة عن وظيفتها الأصلية.

المعماري يحتاج إلى معرفة طبيعة المادة وخصائصها، وتقدير قيمتها الثقافية والتاريخية
المعماري يحتاج إلى معرفة طبيعة المادة وخصائصها، وتقدير قيمتها الثقافية والتاريخية

مشروع Raamland .. عندما بدأ التصميم من المواد

في مشروع Raamland، تبنى نوريل ورود هذا النهج بصورة عملية.

فبدلًا من البدء بمبنى ثم شراء المواد المطلوبة، لعب الباحثان دور جامعي المواد، وجمعا مكونات ومواد بناء محلية من أسواق إعادة الاستخدام ومراكز إعادة التدوير ومستودعات التخزين المستعملة.

 

وبدأ التصميم من هذه المواد نفسها، واستخدمت المكونات التي جرى جمعها في إنشاء حديقة تضم جناحًا ومفروشات خارجية.

وأظهر المشروع كيف يمكن للمواد المتاحة أن تقود العملية التصميمية، بدلًا من أن تكون مجرد عناصر يتم اختيارها بعد تحديد الشكل النهائي للمشروع.

 

وهذا يعني أن محدودية المواد المتاحة لا ينبغي بالضرورة أن تُعامل باعتبارها عقبة أمام العمارة، بل يمكن أن تصبح مصدرًا لأفكار وتصميمات جديدة.

 

متى تصبح النفايات موردًا؟

إحدى الأفكار المركزية في البحث هي الحدود غير الواضحة بين ما يعتبر ذا قيمة وما يعتبر بلا قيمة، وبين المورد والنفاية.

 

في النظام المثالي، يفترض أن تنتقل مكونات البناء التي لا تزال تمتلك قيمة مباشرة إلى إعادة الاستخدام، بينما تذهب المواد التي لم تعد صالحة لذلك إلى إعادة التدوير.

القدرة على رؤية قيمة العنصر ليس فقط من خلال وظيفته الأصلية، ولكن أيضًا من خلال إمكاناته المستقبلية
القدرة على رؤية قيمة العنصر ليس فقط من خلال وظيفته الأصلية، ولكن أيضًا من خلال إمكاناته المستقبلية

لكن تجربة المشروع كشفت أن الواقع أكثر تعقيدًا، فبعض المواد التي تمتلك قيمة حقيقية يمكن أن ينتهي بها الأمر في عمليات إعادة التدوير أو تضيع من السوق، ليس لأنها عديمة الفائدة، وإنما لأن النظام القائم لم يجد لها استخدامًا مناسبًا.

وهنا يمكن للمعماري أن يؤدي دورًا جديدًا: اكتشاف قيمة غير مرئية في المادة.

 

فإذا تمكن المعماري من تحديد استخدام يجعل مظهر المادة وخصائصها جزءًا من جودة التصميم، يمكن أن تتغير قيمتها بالكامل.

وقد يبدو عنصر قديم أو غير مرغوب فيه عديم القيمة في سوق المواد التقليدية، لكنه يمكن أن يتحول إلى مكون معماري ذي قيمة جمالية ووظيفية بعد اكتشاف استخدام جديد له.

 

المعماري كجامع وليس مجرد مصمم

من هنا تأتي صورة «المعماري الجامع» التي تقترحها الدراسة، فالمعماري في هذا النموذج لا ينتظر المواد حتى تصل إليه بعد تحديد التصميم، وإنما يبحث عنها بنفسه، ويزور أسواق إعادة الاستخدام ومراكز التخزين والاسترداد، ويتعرف إلى الموارد المتاحة قبل اتخاذ القرارات التصميمية الأساسية.

 

وتصبح مهمة المعماري شبيهة بعملية اكتشاف: العثور على مواد معرضة للفقدان، وفهم خصائصها، ثم تخيل إمكانات استخدامها.

وهذا يغير العلاقة بين التصميم والمواد، ففي النموذج التقليدي، يحدد التصميم المادة في كثير من الأحيان، بينما في نموذج إعادة الاستخدام يمكن أن تشارك المادة في تحديد التصميم.

أقل من 1% يعاد استخدامها.. لماذا تفشل صناعة البناء في إنقاذ موادها القديمة؟
المعماري كجامع وليس مجرد مصمم

المشكلة ليست في المعماري وحده

لكن الباحثين يشددون على أن تغيير طريقة عمل المعماريين لن يكون كافيًا وحده، فحتى يتمكن المعماري من العثور على مواد قابلة لإعادة الاستخدام، يحتاج القطاع إلى بنية تحتية متكاملة لإعادة الاستخدام.

 

وتشمل هذه البنية أماكن يمكن فيها جمع المواد، وعرضها، وتخزينها، وفهرستها، وإتاحتها للمعماريين والمقاولين والمطورين.

ومن دون هذه البنية، قد تظل المواد القابلة لإعادة الاستخدام مبعثرة أو غير مرئية أو غير متاحة في الوقت والمكان المناسبين.

ويرى نوريل أن هناك طموحًا تنظيميًا نحو زيادة إعادة استخدام مواد البناء، لكن التنفيذ لا يحقق دائمًا الهدف المطلوب.

 

فجوة كبيرة بين الإرشادات والتطبيق

يشير الباحث إلى بروتوكول الاتحاد الأوروبي لإدارة نفايات البناء والهدم باعتباره مثالًا على الفجوة بين الأهداف المعلنة والممارسة الفعلية.

 

وتنص الإرشادات على أن 70% من مواد البناء يجب إعادة تدويرها أو إعادة استخدامها، لكن الباحث يشير إلى أن أقل من 1% من جميع مواد البناء يعاد استخدامها فعليًا.

 

وتذهب كميات كبيرة من المواد إلى إعادة التدوير، لكن هذا لا يعني بالضرورة استعادة قيمتها الأصلية.

فعلى سبيل المثال، يمكن أن يجري تكسير الخرسانة أو الطوب وتحويلهما إلى مواد تستخدم في أعمال الردم.

 

ورغم تصنيف ذلك ضمن إعادة التدوير، فإنه يمثل مستوى منخفض القيمة من الاستفادة من المواد، ويقترب في بعض الحالات من مجرد التخلص منها بدلًا من الحفاظ على قيمتها الإنشائية أو المادية.

 

إعادة الاستخدام قد تغير اقتصاد البناء

وتشير الدراسة إلى أن توسيع إعادة الاستخدام يتطلب أكثر من إقناع المصممين باستخدام المواد القديمة.

 

فالسوق نفسه يحتاج إلى إعادة تنظيم بحيث تصبح المواد المستعملة مرئية وقابلة للعثور عليها والشراء والتخزين والنقل.

كما تحتاج الجهات التنظيمية إلى خلق حوافز وهياكل تجعل إعادة الاستخدام خيارًا عمليًا وليس مجرد فكرة بيئية.

 

وبذلك يمكن أن يتحول قطاع البناء من نموذج يعتمد بصورة أساسية على استخراج موارد جديدة وتصنيع مواد جديدة ثم التخلص من مكونات المباني القديمة، إلى نموذج يحتفظ بجزء أكبر من القيمة الموجودة أصلًا في المباني والمواد.

 

وفي هذا التصور، لا يبدأ مستقبل المبنى من ورقة بيضاء بالضرورة، بل يمكن أن يبدأ من نافذة قديمة، أو عارضة خشبية، أو باب، أو كسوة، أو أي عنصر موجود بالفعل وينتظر من يرى إمكاناته.

وهنا يصبح دور المعماري أوسع من رسم المبنى؛ فهو يجمع، ويكتشف، ويعيد التقييم، ثم يحول الموارد الموجودة إلى تصميم جديد.

 

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة