أهم الموضوعاتأخبارالسياحة

«لعنة المومياء» حقيقية؟ تجارة بقايا البشر المحنطة عبر الإنترنت.. فطريات سامة ومعادن ثقيلة تهدد حياة الناس

أيدٍ وأقدام ورؤوس بشرية للبيع.. «لعنة المومياء» تعود من بوابة الإنترنت والعلماء يحذرون

حذّر أكاديميون في دراسة نشرتها International Journal of Cultural Property ، وأتاحتها دار نشر جامعة كامبريدج من مخاطر صحية خطيرة مرتبطة بالانتشار المتزايد لتجارة بقايا بشرية محنطة عمرها مئات السنين، مؤكدين أن ما يُعرف تاريخيًا باسم «لعنة المومياء» قد تكون له، بعيدًا عن الأساطير والخرافات، مخاطر حقيقية مرتبطة بميكروبات خاملة ومواد كيميائية سامة يمكن أن تبقى في الأنسجة المحنطة لفترات طويلة.

وكشفت دراسة أكاديمية محكّمة أن التجارة السرية، التي توصف بأنها «شبه سرية وغالبًا غير قانونية»، تشهد توسعًا خلال السنوات الأخيرة عبر منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الشخصية ومنصات التجارة الإلكترونية ودور المزادات، في الوقت الذي يبدو فيه أن كثيرًا من المتعاملين في هذه السوق لا يدركون المخاطر الصحية التي قد يتعرضون لها، أو قد يتسببون في نقلها إلى آخرين.

الدراسة، التي تحمل عنوان «لعنة المومياء الحقيقية: المخاطر الصحية المرتبطة ببيع وتجارة البقايا المحنطة»، ونُشرت في International Journal of Cultural Property وأتاحتها دار نشر جامعة كامبريدج، رسمت ما وصفه الباحثون بـ«صورة قاتمة» لهذه التجارة.

أيدٍ وأقدام ورؤوس بشرية للبيع

فحص الباحثون 128 منشورًا وإعلانًا على الإنترنت عبر منصات ميتا، ومواقع التجارة الإلكترونية، والمتاجر الإلكترونية، ودور المزادات، ووجدوا حالات عديدة لعرض بقايا بشرية محنطة للبيع، ظهرت عليها علامات واضحة على التدهور البيولوجي.

والأكثر إثارة للقلق أن البائعين لم يقدموا، في الحالات التي جرى فحصها، إرشادات واضحة بشأن السلامة أو كيفية التعامل مع هذه المواد، بينما لجأ كثير منهم إلى خدمات البريد والشحن لنقل البقايا المحنطة إلى المشترين.

وكانت الأجزاء البشرية المنفصلة، مثل الأيدي والأقدام، من أكثر أنواع البقايا التي رصدها الباحثون، تلتها الرؤوس البشرية المحنطة الكاملة.

وأظهرت الدراسة أن 51.6% من العينة كانت عبارة عن رؤوس بدرجات مختلفة من الاكتمال والحفظ، وشملت رؤوسًا محنطة كاملة أو جزئية، وجماجم تحتوي على أنسجة رخوة و/أو شعر، إضافة إلى ما يعرف باسم «الرؤوس المنكمشة» (Tsantsas)، وهي رؤوس بشرية جرى تقليص حجمها من خلال ممارسات تقليدية ارتبطت تاريخيًا بشعب الشوار في شمال بيرو وشرق الإكوادور.

«لعنة» من نوع آخر

لطالما ارتبطت المومياوات في الثقافة الشعبية بقصة «لعنة المومياء»، التي تزعم أن من يفتح المقابر أو يعبث بالبقايا القديمة قد يتعرض لسوء الحظ أو المرض أو الموت.

لكن الباحثين يشيرون إلى أن الخطر الحقيقي لا يحتاج إلى أي قوى خارقة؛ فبقايا البشر المحنطة يمكن أن تحمل مخاطر بيولوجية وكيميائية حتى بعد مرور قرون على وفاة أصحابها.

وتعتمد عملية التحنيط، سواء كانت طبيعية أو صناعية، على مجموعة معقدة من العمليات الكيميائية والفيزيائية التي تهدف إلى إبطاء تحلل الأنسجة.

وعلى مدار التاريخ، استخدمت مواد متعددة للحفاظ على الأنسجة، من بينها معادن ثقيلة شديدة السمية مثل الزرنيخ والزئبق والرصاص.

وهذا يعني أن التعامل مع بعض البقايا المحنطة لا يثير مخاطر مرتبطة بالكائنات الدقيقة فقط، وإنما يمكن أن يعرض الأشخاص أيضًا لمواد كيميائية سامة موجودة في الأنسجة أو المواد المستخدمة في حفظها.

عملية التحنيط عند المصريين القدماء

ميكروبات نائمة بعد مئات السنين

رغم مرور مئات السنين على عملية التحنيط وجفاف الأنسجة، يمكن أن تحتوي البقايا المحنطة على مجموعة متنوعة من الكائنات الحية الدقيقة التي ظلت خاملة طوال تلك الفترة.

وتكمن الخطورة في أن بعض الجراثيم والفطريات قد تستعيد نشاطها أو تنتشر في البيئة عندما تتعرض البقايا للحركة أو الاضطراب أو تتغير ظروف تخزينها.

وحذر الباحثون تحديدًا من جراثيم الفطريات التي يمكن أن تصبح محمولة في الهواء عند تحريك أو لمس البقايا المحنطة.

ويمكن أن يشكل استنشاق هذه الجسيمات خطرًا على صحة الإنسان، خصوصًا عندما يتم التعامل مع البقايا في أماكن مغلقة أو سيئة التهوية ومن دون استخدام معدات الوقاية المناسبة.

«لعنة» الملك كازيمير الرابع

وتستشهد الدراسة بحادثة تاريخية مخيفة وقعت في بولندا خلال سبعينيات القرن الماضي، فبعد فتح مقبرة الملك كازيمير الرابع ملك بولندا، توفي 10 من أصل 12 عالمًا متخصصًا في حفظ وترميم الآثار ممن شاركوا في فتح المقبرة.

وربطت الورقة العلمية الوفيات باستنشاق جراثيم فطرية من نوع Aspergillus، وهي فطريات يمكن أن تسبب أمراضًا تنفسية خطيرة لدى البشر.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الحادثة تعد واحدة من أبرز الأمثلة التي توضح أن ما يبدو للوهلة الأولى «لعنة» مرتبطة بالمقابر القديمة يمكن أن تكون له تفسيرات علمية مرتبطة بالتعرض لكائنات دقيقة ظلت موجودة في البيئة المغلقة للمقبرة.

هل مات مكتشفو مقبرة توت عنخ آمون بسبب الفطر؟

ولا تتوقف القصص المرتبطة بـ«لعنة المومياء» عند المقابر البولندية.

إذ يُعتقد أن اللورد كارنارفون، أحد أبرز الداعمين الماليين لاستكشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون في وادي الملوك بمصر، ربما توفي عام 1923 نتيجة إصابة شديدة بداء الرشاشيات، وهو مرض فطري يمكن أن ينتج عن استنشاق جراثيم الفطر.

وقد استُشهد بوفاته لعقود باعتبارها دليلًا على الأسطورة الشهيرة التي تقول إن من يفتح مقابر الفراعنة قد يصاب بلعنة تؤدي إلى المرض أو الموت.

لكن الباحثين في الدراسة الحالية يعيدون توجيه النقاش بعيدًا عن التفسيرات الخارقة، نحو المخاطر البيولوجية الفعلية التي يمكن أن تنتج عن التعرض لبقايا بشرية قديمة تحتوي على ميكروبات أو فطريات.

صور تكشف الخطر

وقالت كيرستي سكويرز، أستاذة علم الآثار الحيوية البشرية في جامعة ستافوردشاير، والتي شاركت في إعداد الدراسة إلى جانب داريو بيومبينو ماسكالي، وكلارا أورزي، وداميان هوفر، إن المتعاملين في هذه التجارة يبدو أنهم لا يدركون حجم المخاطر التي يتعاملون معها.

وأوضحت أن بعض التعليقات على المنشورات التي فحصها الباحثون أشارت إلى وجود «رائحة مومياء»، وهي رائحة يمكن أن تكون مرتبطة بتدهور البقايا بيولوجيًا.

لكن الصور المنشورة كشفت عن مشكلة أكبر؛ إذ ظهرت بعض البقايا المحنطة من دون أغطية أو وسائل حماية، وهي مكشوفة للهواء المحيط داخل غرف منزلية.

وقالت سكويرز إن الباحثين عثروا أثناء إعداد الدراسة على صور لبقايا شديدة التدهور موضوعة على حامل، من دون غطاء زجاجي أو حماية مناسبة، كما لم تظهر في الصور مؤشرات على وجود نظام للتحكم في درجة الحرارة أو توفير ظروف التخزين المناسبة المطلوبة لحفظ البقايا البشرية.

وهذه الظروف قد تسمح بتعرض الأشخاص الموجودين في المكان لمواد أو جسيمات بيولوجية تنتشر من البقايا المتدهورة.

أسرار الطب في مصر القديمة

الخطر لا يتوقف عند المشترين

لكن أخطر ما تكشفه الدراسة أن الأشخاص الذين يشترون أو يبيعون المومياوات ليسوا وحدهم المعرضين للخطر.

فمع استخدام شركات البريد والشحن لنقل البقايا البشرية المحنطة، يمكن أن تمتد دائرة التعرض إلى عمال المستودعات، والسائقين، والعاملين في مراكز النقل، وموظفي الجمارك.

ويرى الباحثون أن هؤلاء الأشخاص قد يتعاملون مع الشحنات في مراحل مختلفة من عملية النقل، من دون أن يعرفوا بالضرورة أن محتوياتها عبارة عن بقايا بشرية محنطة، وبالتالي من غير المرجح أن يرتدوا معدات الحماية الشخصية اللازمة عند التعامل معها.

وهنا تتحول تجارة غامضة على الإنترنت إلى مشكلة تتجاوز المشتري والبائع، لتصل إلى سلاسل النقل والشحن والخدمات اللوجستية والجمارك.

وسائل التواصل الاجتماعي توسع السوق

ويرى الباحثون أن وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات التجارة الإلكترونية ساهمت في جعل الوصول إلى هذه البقايا أسهل من أي وقت مضى.

فبعد أن كانت تجارة بقايا البشر المحنطة مرتبطة في الغالب بشبكات خاصة أو أسواق محدودة، أصبحت المنصات الرقمية تتيح عرضها أمام جمهور أوسع، كما يمكن إتمام عمليات البيع والشراء والشحن عبر الحدود.

ويصف الباحثون هذه السوق بأنها «شبه سرية وغالبًا غير قانونية»، محذرين من أن سهولة الوصول إلى هذه المواد لا تترافق مع وعي مماثل بالمخاطر الصحية المرتبطة بها.

والأكثر إثارة للقلق أن بعض الإعلانات والصور التي فحصها الباحثون أظهرت بقايا في حالة تدهور واضح، من دون أن يصاحب عرضها أي تحذيرات أو تعليمات تتعلق بالتعامل الآمن معها.

ليست كل مومياء مصدر خطر بالضرورة

ولا تعني نتائج الدراسة أن كل بقايا بشرية محنطة تحمل بالضرورة عدوى خطيرة أو مواد سامة بتركيزات تهدد صحة الإنسان.

لكن المشكلة، وفق الباحثين، تكمن في غياب المعرفة بطبيعة المادة المعروضة وحالتها وظروف حفظها.

فالعمر وحده لا يجعل البقايا آمنة، كما أن الجفاف الذي ساعد على حفظها لا يعني بالضرورة اختفاء جميع الكائنات الدقيقة.

وعندما تكون البقايا في حالة تدهور، فإن التعامل معها أو تحريكها قد يؤدي إلى إطلاق جسيمات في الهواء أو نقل مواد ملوثة إلى الأسطح والأيدي.

المومياوات المصرية، الأشعة المقطعية، التحنيط، علم الآثار، التصوير الطبي
صورة ثلاثية الأبعاد عالية الدقة تُظهر تفاصيل داخلية لقدم مومياء مصرية

«لعنة المومياء».. من الأسطورة إلى العلم

على مدار قرن تقريبًا، أصبحت «لعنة المومياء» جزءًا من الثقافة الشعبية العالمية، خصوصًا بعد اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922 والقصص التي أحاطت بوفاة بعض الأشخاص المرتبطين بالبعثة.

لكن الدراسة الجديدة تقدم تفسيرًا مختلفًا وأكثر واقعية للمخاطر.

فلا يحتاج الإنسان إلى «لعنة فرعونية» حتى يتعرض للخطر؛ يكفي أن يتعامل مع بقايا بشرية قديمة متدهورة في ظروف غير آمنة، أو يستنشق جراثيم فطرية عالقة بها، أو يتعرض لمواد كيميائية سامة استخدمت في عمليات التحنيط والحفظ.

ومن هنا جاء وصف الباحثين للظاهرة بأنها «لعنة مومياء حقيقية»؛ ليس لأنها خارقة للطبيعة، وإنما لأن الخطر الصحي الذي تقف وراءه هذه التجارة يمكن أن يكون حقيقيًا بالفعل.

تحذير من سوق لا يعرف حدوده

وتخلص الدراسة إلى أن الانتشار المتزايد لتجارة البقايا البشرية المحنطة عبر الإنترنت يستدعي مزيدًا من الوعي والرقابة، ليس فقط لحماية التراث والكرامة الإنسانية، ولكن أيضًا لحماية الأشخاص الذين قد يتعرضون لهذه المواد أثناء بيعها أو شرائها أو تخزينها أو نقلها.

وتحذر النتائج من أن استمرار عرض هذه البقايا في ظروف غير مناسبة، وإرسالها عبر البريد وشركات الشحن من دون تحذيرات أو إجراءات حماية، يمكن أن يخلق سلسلة غير مرئية من المخاطر الصحية تمتد من البائع إلى المشتري، ومنهما إلى عمال النقل والمستودعات والجمارك.

وبذلك، فإن «لعنة المومياء» التي طالما ارتبطت في المخيلة الشعبية بالأشباح والأهرامات والمقابر الفرعونية، قد تحمل في العالم الحديث معنى أكثر واقعية: بقايا بشرية قديمة، ميكروبات نائمة، مواد كيميائية سامة، وسوق إلكترونية عابرة للحدود لا يعرف كثير من المتعاملين فيها حجم المخاطر التي قد يحملونها بأيديهم.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة