أخبارصحة الكوكب

تقليل السكر في الطفولة قد يحمي من الخرف لاحقًا.. دراسة تكشف الرابط

دراسة تاريخية: تقليل السكر في أول عامين يقلل خطر ألزهايمر

في اكتشاف علمي يفتح آفاقًا جديدة لفهم جذور أمراض الدماغ، تشير دراسة حديثة إلى أن ما يتناوله الإنسان في بدايات حياته، بل وحتى خلال وجوده في رحم أمه، قد يترك بصمة طويلة الأمد على صحته العقلية تمتد لعقود لاحقة.

فبحسب نتائج البحث، يبدو أن تقليل استهلاك السكر في المراحل المبكرة من الحياة قد يرتبط بانخفاض ملحوظ في خطر الإصابة بالخرف وألزهايمر في سن الشيخوخة.

الدراسة استندت إلى تجربة طبيعية نادرة في التاريخ الحديث، تعود إلى فترة تقنين السكر في بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها. ففي تلك الفترة،

فرضت الحكومة قيودًا صارمة على استهلاك السكر استمرت حتى عام 1953، ما أتاح للباحثين فرصة فريدة لمقارنة أجيال نشأت في ظل استهلاك منخفض للسكر مع أخرى جاءت بعد انتهاء هذا النظام.

اعتمد الباحثون على بيانات أكثر من 64 ألف شخص وُلدوا بين عامي 1951 و1956، حيث تم تقسيمهم وفقًا لتواريخ ميلادهم إلى مجموعات تعرضت لمستويات مختلفة من استهلاك السكر خلال أول ألف يوم من حياتهم، وهي الفترة التي تشمل الحمل وأول عامين بعد الولادة، والتي تُعد حاسمة في تطور الدماغ.

النتائج كانت لافتة؛ إذ أظهرت أن الأفراد الذين خضعوا لتقنين السكر منذ الحمل وحتى عمر عامين كانوا أقل عرضة للإصابة بالخرف بنسبة تراوحت بين 21% و23% مقارنة بمن وُلدوا بعد انتهاء التقنين.

السكر في السنوات الأولى.. عامل خفي قد يحدد مصير الذاكرة

كما انخفض خطر الإصابة بمرض ألزهايمر لديهم بنسبة وصلت إلى 28%، إلى جانب تأخر ظهور أعراض الخرف لديهم بنحو عامين إلى ثلاثة أعوام في المتوسط.

ورغم أن الدراسة لم تعتمد على قياس مباشر لاستهلاك السكر لدى الأفراد، فإنها استندت إلى بيانات موثوقة حول التغيرات في النظام الغذائي خلال تلك الفترة، والتي أظهرت أن استهلاك السكر ارتفع بأكثر من 50% بعد انتهاء التقنين، في حين لم تتغير باقي مكونات النظام الغذائي بشكل كبير. هذا يعزز فرضية أن السكر، تحديدًا، قد يكون له دور محوري في هذه النتائج.

ولم تقتصر الفروق على التشخيصات الطبية فقط، بل امتدت إلى بنية الدماغ ووظائفه. فقد أظهرت صور الدماغ أن الأشخاص الذين نشأوا في ظل استهلاك منخفض للسكر يمتلكون حجمًا أكبر قليلًا من المادة الرمادية، وهي المسؤولة عن معالجة المعلومات، إلى جانب انخفاض في المؤشرات المرتبطة بتلف الأوعية الدموية الدقيقة في الدماغ. كما أظهروا أداءً أفضل في بعض اختبارات التفكير والاستدلال.

يحاول الباحثون تفسير هذه العلاقة من خلال عدة مسارات بيولوجية محتملة، أبرزها تأثير السكر على الصحة الأيضية. فقد تبين أن جزءًا من انخفاض خطر الخرف يمكن تفسيره بانخفاض معدلات الإصابة بالسكري من النوع الثاني وارتفاع ضغط الدم، وهما من أبرز عوامل الخطر المرتبطة بتدهور وظائف الدماغ.

وتشير التقديرات إلى أن هذين العاملين يفسران نحو ربع العلاقة بين تقليل السكر وانخفاض خطر الخرف.

تغذية الطفل
تقليل تناول السكر خلال الحمل والطفولة المبكرة قد يقلل خطر الإصابة بالخرف وألزهايمر لاحقًا،

لكن ما يثير الاهتمام هو أن الجزء الأكبر من هذا التأثير لا يزال غير مفسر بالكامل، ما يفتح الباب أمام فرضيات أخرى تتعلق بتأثير السكر على تطور الدماغ في مراحله المبكرة، أو على العمليات الالتهابية، أو حتى على تكوين الشبكات العصبية.

ورغم قوة النتائج، يؤكد الباحثون أن الدراسة تظل قائمة على ملاحظات ارتباطية، ولا يمكنها إثبات علاقة سببية مباشرة. كما أن العينة التي اعتمدت عليها الدراسة، والمستمدة من قاعدة بيانات بريطانية، قد لا تمثل جميع الفئات السكانية، خاصة مع غياب التنوع العرقي وتركز المشاركين في فئة عمرية محددة.

تقليل السكر مبكرًا يؤخر ظهور الخرف لسنوات

إلا أن الرسالة التي تحملها الدراسة تبدو واضحة ومهمة: التغذية في المراحل الأولى من الحياة قد تلعب دورًا حاسمًا في تحديد صحة الدماغ على المدى الطويل. وفي هذا السياق، يدعو الباحثون إلى الالتزام بالتوصيات الغذائية الحالية التي تنصح بتقليل السكريات المضافة، خاصة خلال الحمل والطفولة المبكرة، دون الإخلال بالتوازن الغذائي العام.

في عالم تتزايد فيه معدلات استهلاك السكر بشكل غير مسبوق، قد يكون هذا البحث بمثابة تذكير بأن العادات الغذائية البسيطة في البدايات قد ترسم ملامح الصحة في المستقبل. وبينما لا تزال الحاجة قائمة لمزيد من الدراسات طويلة الأمد، فإن تقليل السكر في السنوات الأولى قد يكون خطوة صغيرة تحمل تأثيرًا كبيرًا على صحة الأجيال القادمة.

تقليل السكر مبكرًا يؤخر ظهور الخرف لسنوات

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة