بعد السكتة الدماغية.. كيف تمنح مراقبة الطيور المصابين بالحبسة الكلامية طريقة جديدة للتواصل؟
الطيور كجسر للتواصل.. نشاط طبيعي يساعد الناجين من السكتات الدماغية على الاندماج مجددًا
يمكن أن تغيّر السكتة الدماغية حياة الإنسان بأكثر من مجرد التأثير على الحركة؛ إذ قد تؤدي أيضًا إلى صعوبة في الكلام أو فهم المحادثات أو القراءة والكتابة، ما يجعل التواصل في الحياة اليومية أكثر تعقيدًا.
وتُعرف هذه الحالة باسم الحبسة الكلامية، وهي اضطراب لغوي يحدث نتيجة تلف مناطق أو شبكات في الدماغ مسؤولة عن اللغة. ويعاني نحو ثلث الناجين من السكتات الدماغية من درجة ما من الحبسة الكلامية، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من الكلمات، لتؤثر في العلاقات والهوايات والمشاركة في الحياة اليومية.
وفي هذا السياق، يعمل فريق من جامعة مونتانا الأمريكية على تطوير أنشطة لإعادة التأهيل تعتمد على الطيور ومراقبتها، باعتبارها وسيلة تمنح الأشخاص المصابين بالحبسة الكلامية موضوعًا مشتركًا يمكن رؤيته أو سماعه أو الإشارة إليه أو الحديث عنه، من دون أن تكون القدرة على الكلام بطلاقة شرطًا للمشاركة.
كيف تؤثر الحبسة الكلامية في حياة الناجين من السكتة الدماغية؟
تحدث الحبسة الكلامية بعد تعرض أنظمة الدماغ المسؤولة عن اللغة للضرر. وقد يعرف الشخص تمامًا ما يريد قوله، لكنه يواجه صعوبة في العثور على الكلمات المناسبة، أو متابعة الحديث السريع، أو القراءة، أو كتابة الردود.
وتوضح الدكتورة كاثرين أوف، الباحثة في إعادة تأهيل السكتات الدماغية والحبسة الكلامية بجامعة مونتانا، أن المشكلة لا تتعلق بالقدرات الفكرية للشخص، وإنما بتغير وظائف اللغة لديه.
ونُشرت الدراسة في مجلة Frontiers in Bird Science.
وقد تؤدي صعوبات التواصل المستمرة إلى تقليل الاحتكاك الاجتماعي والمشاركة في الأنشطة المجتمعية، كما ارتبطت الحبسة الكلامية المزمنة بالعزلة والاكتئاب وتراجع المشاركة في الأنشطة اليومية.

مراقبة الطيور تقلل الضغط المرتبط بالكلام
تتحرك المحادثات اليومية بسرعة، إذ يتعين على الشخص فهم ما يقوله الطرف الآخر، والاستعداد للرد، ثم أخذ دوره في الحديث خلال فترة زمنية قصيرة.
لكن الأنشطة المرتبطة بالطيور يمكن أن تغير طبيعة هذا التفاعل؛ لأن المشاركين يستطيعون التركيز على شيء واحد مشترك.
فصوت طائر، أو عشه، أو صقر يحلق فوقهم، يمكن أن يتحول إلى موضوع مشترك للتفاعل، حتى عندما تكون الكلمات صعبة.
وتقول الدكتورة جينا غريفين-موسيك، التي شاركت في الدراسة، إن المتطلبات اللغوية في هذه الأنشطة منخفضة، بما يسمح للأشخاص بالمشاركة بالمستوى الذي يناسبهم.
ولا يتعين على الشخص المصاب بالحبسة الكلامية الاعتماد على الحديث فقط، بل يمكنه الإشارة أو استخدام الإيماءات أو الرسم أو الكتابة أو الصور أو الأجهزة المساعدة عندما تصبح اللغة المنطوقة صعبة.
وتشير الدكتورة أوف إلى أن التواصل لا يتحسن إلا عندما يكون لدى الشخص سبب حقيقي للتواصل، موضحة أن الهدف يتجاوز غرفة العلاج إلى الاستمتاع بالتواجد مع الآخرين والخروج إلى الأماكن المفتوحة، وترك التواصل يحدث بصورة طبيعية.
كيف تطور برنامج مراقبة الطيور؟
جاءت هذه الأنشطة في إطار برنامج مونتانا المكثف والشامل للحبسة الكلامية، وهو برنامج صيفي لإعادة التأهيل مخصص للبالغين المصابين بالحبسة الكلامية بعد السكتة الدماغية.
ويعمل البرنامج عادة أربعة أيام أسبوعيًا لمدة أربعة أسابيع، ويوفر نحو 80 ساعة من إعادة التأهيل بصورة إجمالية.
وبدأ التعاون المرتبط بالطيور في عام 2018، ثم أبدى المشاركون بحلول عام 2021 اهتمامًا بالبوم، فبدأ الفريق تنظيم جلسة خارجية في فناء داخل الحرم الجامعي، باستخدام عينات محفوظة للبوم ومواد مرتبطة بها.
ومنحت هذه الأشياء المشاركين موضوعًا حقيقيًا يمكنهم النظر إليه ومناقشته معًا. وإذا واجه أحدهم صعوبة في العثور على كلمة، كان بإمكانه الإشارة أو الإجابة بـ”نعم” أو “لا”، أو الاختيار بين عدة خيارات، بينما يبطئ الفريق وتيرة التفاعل.
من غرفة العلاج إلى مراقبة الطيور في الهواء الطلق
بحلول عام 2023، توسعت أنشطة الطيور لتشمل عدة جلسات، وفي البداية، تعرّف المشاركون على الصقور وغيرها من الطيور الجارحة داخل الأماكن المغلقة، باستخدام الصور والكلمات المكتوبة والتكرار، مع التحقق بصورة متكررة من وضوح المعلومات وفهمها.
ثم انتقلت إحدى الجلسات إلى الخارج، حيث شاهد المشاركون عشًا لصقر كوبر بالقرب من الحرم الجامعي.
واستخدم المشاركون المناظير ومناظير الرصد لمتابعة الطيور، بينما ساعد اختصاصيو العلاج الوظيفي في التوازن ووضعية الجسم واستخدام الذراعين والوصول إلى المعدات، خصوصًا بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون ضعفًا مرتبطًا بالسكتة الدماغية.
وبدلًا من الاكتفاء بالاستماع إلى معلومات عن الطيور، أصبح بإمكان المشاركين البحث عنها ومراقبة حركتها ومناقشة ما يرونه في الوقت الفعلي.
وتوضح الدكتورة فيكتوريا دريتز، عالمة بيئة الطيور في جامعة مونتانا والمؤلفة الرئيسية للبحث، أن الطيور توفر نقاط دخول متعددة إلى النشاط؛ فقد يبدأ الشخص بمجرد الجلوس والنظر من النافذة، بينما يمكن لشخص آخر أن يخطط لمسار لمشاهدة نوع نادر.
والأهم، وفقًا لها، أن الشخص يستطيع البدء من النقطة التي تناسبه، حتى لو كانت مراقبة الطيور الموجودة في حديقة منزله.

أصوات الطيور تفتح مسارًا جديدًا للتواصل
في عام 2025، بدأ البرنامج في استخدام الصوت بصورة أكبر إلى جانب الرؤية.
واستمع المشاركون إلى أصوات الطيور مدعومة بمواد بصرية، بينما اعتمد الفريق على إبطاء وتيرة الحديث، والتكرار، والتحقق من المعنى، وتوفير طرق متعددة للاستجابة.
وفي وقت لاحق، شارك المشاركون في جلسة خارجية امتدت ليوم كامل داخل غابة لوبرخت التجريبية التابعة لجامعة مونتانا.
وركزت الجلسة على الاستماع الدقيق أثناء المشي، مع دعم اختصاصيي العلاج الطبيعي للمشاركين فيما يتعلق بالحركة الآمنة، وتنظيم السرعة، والقدرة على التحمل، والوصول إلى الأماكن المفتوحة.
وجمعت التجربة بين التواصل والاستماع والحركة ومراقبة الطيور في نشاط واحد.
وترى الدكتورة غريفين-موسيك أن الأشخاص قد يشعرون بأنهم غير قادرين على العودة إلى الهوايات التي كانوا يحبونها قبل السكتة الدماغية، لكن العثور على شغف جديد يمكن أن يمنحهم الحماس والهدف، كما قد يخلق موضوعًا مستمرًا للحديث مع أفراد الأسرة ومقدمي الرعاية بعد العودة إلى المنزل.
الدعم اللغوي كان جزءًا أساسيًا من التجربة
لم تكن أنشطة مراقبة الطيور مجرد رحلات إلى الهواء الطلق، بل صُممت مع مراعاة الاحتياجات الخاصة للمصابين بالحبسة الكلامية.
وساعد اختصاصيو أمراض النطق واللغة الباحثين في مجال الطيور على استخدام وتيرة حديث أبطأ، وجمل أكثر بساطة، ومنح المشاركين وقتًا إضافيًا للاستجابة، إلى جانب التحقق من الفهم واستخدام المواد المكتوبة أو البصرية عند الحاجة.
كما جرى إقران المشاركين بشركاء مدربين على التواصل، وكانوا في الغالب من طلاب الدراسات العليا في تخصص علاج النطق واللغة.
وساعد هؤلاء الشركاء في تنظيم أدوار الحديث ودعم المشاركين عندما يحدث تعثر في التواصل.
وكان الهدف ألا تتحول المعلومات الخاصة بالطيور إلى محتوى طفولي أو مبسط بصورة مفرطة، بل أن يتمكن المشاركون من الملاحظة وطرح الأسئلة ومشاركة معلوماتهم وفهم ما يرونه ويسمعونه.
الطيور قد توفر بيئة مرنة للتواصل
يقترح الباحثون ثلاثة مسارات رئيسية يمكن من خلالها للأنشطة المرتبطة بالطيور أن تدعم التواصل.
أولها خلق اهتمام مشترك بين المشاركين، وثانيها توفير طرق متعددة للتواصل بدل الاعتماد الكامل على الكلام، وثالثها مساعدة الأشخاص على إعادة الاتصال بالطبيعة والأنشطة الاجتماعية وأجزاء من هويتهم بعد السكتة الدماغية.
كما أظهر البرنامج إمكانية تطبيق هذا النهج في ظروف وبيئات مختلفة.
وخلال جائحة كوفيد-19، استخدم الفريق أصوات الطيور والصور والمناقشات عبر الإنترنت والمراقبة من المنزل، قبل العودة إلى الأنشطة في الأفنية والمتنزهات والمواقع الطبيعية وتجارب الاستماع في الهواء الطلق.
هل تعالج مراقبة الطيور الحبسة الكلامية؟
رغم النتائج المشجعة المتعلقة بالمشاركة والتواصل، فإن البحث لا يثبت أن مراقبة الطيور تحسن أعراض الحبسة الكلامية أو تعالجها.
فالدراسة عبارة عن منظور يستند إلى خبرة البرنامج، وليست تجربة سريرية محكومة، كما أنها لا تقدم درجات معيارية لقياس التواصل قبل النشاط وبعده، ولا تتضمن مجموعة مقارنة لا تشارك في أنشطة مراقبة الطيور.
كذلك، فإن الآليات الثلاث التي اقترحها الباحثون لا تزال فرضيات تحتاج إلى اختبار مباشر.
ولهذا، ستكون هناك حاجة إلى دراسات مقارنة محكمة، ومقاييس واضحة للتواصل والمشاركة، وفترات متابعة أطول لتحديد ما إذا كانت أي فوائد محتملة تستمر مع مرور الوقت.
الطبيعة قد تصبح جزءًا من إعادة التأهيل
توضح التجربة أن الطيور يمكن أن توفر بيئة مرنة تمنح الأشخاص المصابين بالحبسة الكلامية شيئًا حقيقيًا يلاحظونه ويسمعونه ويتفاعلون معه، بما قد يساعدهم على المشاركة في أنشطة اجتماعية وخارجية بعد السكتة الدماغية.
لكن تحويل هذه المشاركة إلى فوائد سريرية قابلة للقياس لا يزال يحتاج إلى أدلة علمية إضافية.





