أخبارتغير المناخ

موجة الحر الأوروبية الحالية كانت مستحيلة دون تغير المناخ

العلماء يحسمون الجدل.. الوقود الأحفوري وراء أشد موجة حر تضرب أوروبا

أكدت دراسة علمية حديثة أن موجة الحر القياسية التي تجتاح أوروبا حاليًا ما كانت لتحدث بهذا الشكل لولا تأثيرات تغير المناخ الناجمة عن النشاط البشري، مشيرة إلى أن درجات الحرارة القياسية التي تضرب القارة أصبحت أكثر احتمالًا بنحو 200 مرة مقارنة بما كانت عليه قبل عقود.

وتعيش ملايين الأسر في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة وألمانيا ودول أوروبية أخرى تحت تأثير موجة حر شديدة مصحوبة برطوبة مرتفعة، دفعت درجات الحرارة إلى تجاوز 40 درجة مئوية في العديد من المناطق، فيما سجلت الليالي بدورها مستويات حرارة مرتفعة أعاقت قدرة السكان على التعافي من الإجهاد الحراري.

موجات الحر

تغير المناخ وراء الموجة الحارة

توصلت دراسة سريعة أجرتها مجموعة “إسناد الطقس العالمي” (World Weather Attribution)، المتخصصة في تحليل العلاقة بين الظواهر الجوية المتطرفة وتغير المناخ، إلى أن الظروف المناخية الحالية كانت شبه مستحيلة الحدوث قبل خمسين عامًا.

وأوضحت الدراسة أن موجة الحر الحالية أصبحت أكثر احتمالًا بنحو 200 مرة مقارنة بما كانت عليه قبل عشرين عامًا فقط، نتيجة الارتفاع المستمر في درجات حرارة الأرض بسبب انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة عن حرق الفحم والنفط والغاز.

وقال الباحث ثيودور كيبينج، المعد الرئيسي للدراسة والباحث في مركز السياسات البيئية بكلية إمبريال في لندن، إن الزيادة في درجات الحرارة كانت كبيرة إلى درجة تجعل حدوث هذه الموجة الحرارية في مناخ سبعينيات القرن الماضي أمرًا غير متوقع تقريبًا.

موجات الحر

مقارنة مع موجات الحر التاريخية

اعتمد الباحثون على مقارنة موجة الحر الحالية بموجتين تاريخيتين ضربتا أوروبا عامي 1976 و2003، وهما من أبرز الأحداث المناخية المتطرفة التي شهدتها القارة خلال العقود الماضية.

وأظهرت النتائج أن درجات الحرارة النهارية خلال الموجة الحالية كانت ستنخفض بنحو 3.5 درجة مئوية لو وقعت في ظروف عام 1976، بينما كانت ستنخفض بنحو درجتين مئويتين إذا حدثت في مناخ عام 2003.

أما درجات الحرارة الليلية، فقد كانت ستصبح أقل بنحو 2.4 درجة مئوية مقارنة بعام 1976، وأقل بنحو 1.3 درجة مئوية مقارنة بعام 2003.

ويرى العلماء أن هذه الفروقات تؤكد التأثير المتزايد للاحترار العالمي في تضخيم موجات الحر وجعلها أكثر حدة واستمرارًا.

الليالي الحارة.. الخطر الأكبر

يحذر الخبراء من أن ارتفاع درجات الحرارة ليلًا يمثل أحد أخطر جوانب موجات الحر الحديثة، إذ يمنع الجسم من استعادة توازنه بعد ساعات النهار الحارة.

وسجلت فرنسا خلال الأيام الماضية أعلى درجة حرارة ليلية في تاريخها، بينما شهدت دول أخرى ظروفًا مماثلة زادت من مخاطر الأمراض المرتبطة بالإجهاد الحراري.

وتشير الدراسة إلى أن احتمالية حدوث مثل هذه الليالي الحارة أصبحت أعلى بنحو 100 مرة مقارنة بعام 2003، وهو العام الذي شهد موجة حر تسببت في وفاة أكثر من 70 ألف شخص في أوروبا.

موجات الحر

نصف المدن الأوروبية تحت ضغط حراري قياسي

قام الباحثون بتحليل مؤشر “درجة حرارة البصيلة الرطبة الكروية” في 850 مدينة موزعة على 30 دولة أوروبية، وهو مؤشر يجمع بين الحرارة والرطوبة وسرعة الرياح والإشعاع الشمسي لقياس التأثير الحقيقي للحرارة على جسم الإنسان.

وأظهرت النتائج أن نحو 45% من المدن التي شملتها الدراسة سجلت بالفعل أو تقترب من تسجيل مستويات قياسية من الإجهاد الحراري.

ويعد هذا المؤشر أكثر دقة من قياسات الحرارة التقليدية، لأنه يعكس قدرة الجسم على التخلص من الحرارة عبر التعرق، وهي القدرة التي تتراجع بشكل كبير مع ارتفاع الرطوبة.

موجات الحر في فرنسا
موجات الحر في فرنسا

أوروبا الأسرع احترارًا

تشير البيانات المناخية إلى أن أوروبا أصبحت القارة الأسرع احترارًا على مستوى العالم، حيث ترتفع درجات الحرارة فيها بمعدل يفوق المتوسط العالمي بنحو الضعف منذ ثمانينيات القرن الماضي.

وقد أدى ذلك إلى زيادة تكرار الظواهر المناخية المتطرفة، بما في ذلك موجات الحر والجفاف والفيضانات والحرائق.

وخلال الأيام الأخيرة، أصدرت هيئات الأرصاد الجوية الأوروبية تحذيرات حمراء في عدد من الدول، فيما اضطرت مدارس ومرافق عامة وشبكات نقل إلى تقليص خدماتها أو تعليقها بسبب الظروف الجوية القاسية.

كما أغلقت بعض المواقع السياحية أبوابها مؤقتًا، بينما شهدت المستشفيات ارتفاعًا في أعداد الحالات المرتبطة بالإجهاد الحراري وضربات الشمس.

موجات الحر في اسيا
موجات الحر

خسائر بشرية وتعطيل للحياة اليومية

ورغم أن الحصيلة النهائية للضحايا لم تتضح بعد، تشير بيانات أولية إلى تسجيل مئات الوفيات الزائدة المرتبطة بالحرارة في بعض الدول الأوروبية.

وفي إسبانيا، رُبطت أكثر من 200 حالة وفاة بارتفاع درجات الحرارة خلال فترة قصيرة، بينما سجلت فرنسا عشرات حالات الغرق مع توجه السكان إلى البحيرات والأنهار والسواحل بحثًا عن وسائل للتبريد.

كما تأثرت حركة القطارات والطاقة والتعليم والسياحة بشكل ملحوظ، ما يعكس حجم الخسائر الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بموجات الحر المتطرفة.

موجات الحر

تحذيرات من مستقبل أكثر سخونة

يؤكد العلماء، أن ما تشهده أوروبا اليوم قد يصبح أكثر شيوعًا في العقود المقبلة ما لم تنخفض الانبعاثات الكربونية بشكل سريع وفعال.

وأوضح الباحثون، أن موجات الحر الحالية تمثل نموذجًا لما قد تواجهه المجتمعات مستقبلًا إذا استمر الاعتماد على الوقود الأحفوري بالمعدلات الحالية.

كما شددوا على ضرورة تعزيز جاهزية المدن والبنية التحتية والأنظمة الصحية للتعامل مع درجات الحرارة المرتفعة، إلى جانب تسريع التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة.

ويرى الخبراء أن التكيف مع المناخ المتغير لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة ملحة، في وقت أصبحت فيه موجات الحر القياسية واقعًا متكررًا يهدد الصحة العامة والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي في مختلف أنحاء العالم.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة