أخبارالتنوع البيولوجيتغير المناخ

الأنواع الحية تختفي أسرع في مناطق كانت تعد أكثر أمانًا من تغير المناخ

العلماء يكتشفون أن خسائر التنوع الحيوي تتسارع في المناطق المعتدلة لا الاستوائية

كشفت دراسة علمية واسعة النطاق أن الأنواع النباتية والحيوانية تختفي من موائلها الطبيعية بوتيرة أسرع في المناطق المعتدلة والباردة من العالم مقارنة بالمناطق الاستوائية، في نتيجة تتحدى أحد أكثر الافتراضات رسوخًا في علم البيئة بشأن تأثير التغير المناخي على التنوع الحيوي.

ولسنوات طويلة، اعتقد العلماء أن الأنواع الاستوائية ستكون الأكثر عرضة للخطر مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية، نظرًا لأنها تطورت في بيئات مستقرة نسبيًا وتعيش بالفعل بالقرب من حدودها الحرارية القصوى.

لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن الواقع أكثر تعقيدًا، وأن الأنواع التي تعيش في المناطق المعتدلة قد تكون أكثر هشاشة مما كان يُعتقد.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature Climate Change المتخصصة في أبحاث المناخ وتأثيراته البيئية.

أكبر قاعدة بيانات من نوعها

قاد الدراسة عالم الأحياء التطورية جوبال مورالي من جامعة أريزونا الأمريكية، بالتعاون مع فريق دولي من الباحثين، بهدف اختبار مدى صحة الفرضية التقليدية على نطاق عالمي.

واعتمد الفريق على ما يُعرف بدراسات “إعادة المسح البيولوجي”، حيث يعود العلماء إلى مواقع سبق دراستها قبل سنوات أو عقود لرصد الأنواع التي كانت موجودة سابقًا ومقارنتها بما تبقى منها اليوم.

وشملت قاعدة البيانات أكثر من 5000 نوع من النباتات والحيوانات موزعة على نحو 40 ألف موقع حول العالم، ما يجعلها واحدة من أوسع الدراسات التي تناولت تأثير التغير المناخي على التنوع الحيوي عبر مناطق جغرافية مختلفة.

المناطق المعتدلة تخسر أكثر

أظهرت النتائج أن نحو نصف الأنواع التي تعيش في المناطق المعتدلة تعرضت لحالات انقراض محلية، أي أنها اختفت من مواقع كانت تعيش فيها سابقًا، بينما بلغت النسبة نحو ثلث الأنواع فقط في المناطق الاستوائية.

ويشير هذا النمط إلى أن خسائر التنوع الحيوي المرتبطة بالمناخ تحدث بوتيرة أسرع في المناطق ذات المناخ المعتدل، رغم الاعتقاد السابق بأنها توفر ظروفًا أكثر أمانًا للكائنات الحية.

لماذا تتضرر الأنواع المعتدلة أكثر؟

سعى الباحثون إلى تفسير هذه المفارقة من خلال اختبار عاملين رئيسيين.

العامل الأول يتعلق بسرعة الاحترار المناخي. فالمناطق الواقعة في خطوط العرض العليا، خاصة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، تشهد ارتفاعًا في درجات الحرارة أسرع من المناطق الاستوائية.

وتعد المنطقة القطبية الشمالية المثال الأبرز، حيث ترتفع درجات الحرارة هناك بمعدل يقارب أربعة أضعاف المتوسط العالمي.

أما العامل الثاني، والأكثر إثارة للدهشة، فهو أن الأنواع المعتدلة نفسها تبدو أكثر حساسية لارتفاع درجات الحرارة مما كان متوقعًا، رغم أنها تعيش طبيعيًا في بيئات تشهد تقلبات موسمية كبيرة.

وأظهرت الدراسة أن العاملين معًا يفسران الجزء الأكبر من التراجع المسجل في هذه الأنواع.

الانقراض يبدأ عند “الحافة الساخنة”
لاحظ الباحثون أن معظم حالات الاختفاء تحدث عند ما يسمى بـ”الحافة الدافئة” للنطاق الجغرافي للنوع.

ويقصد بذلك المناطق الأكثر حرارة ضمن نطاق انتشاره الطبيعي، سواء كانت في أقصى الجنوب أو عند أدنى الارتفاعات الجبلية.

وعادة ما تكون هذه المناطق أول المواقع التي تصبح غير ملائمة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، ما يدفع الأنواع إلى الانسحاب منها أو يؤدي إلى اختفائها محليًا.

انقراض محلي لا يعني نهاية النوع

يشدد العلماء على أن الانقراض المحلي لا يعني بالضرورة انقراض النوع بالكامل.

فقد يختفي نوع من الضفادع مثلًا من الوديان الدافئة، لكنه يظل قادرًا على البقاء في المرتفعات الأكثر برودة.

لكن تراكم هذه الخسائر المحلية بمرور الوقت يقلص مساحة الانتشار الجغرافي للأنواع ويزيد احتمالات تعرضها لخطر الانقراض الكامل مستقبلاً.

إعادة النظر في أولويات الحماية

تُعد هذه النتائج ذات أهمية كبيرة لبرامج الحفاظ على التنوع الحيوي حول العالم.

فالكثير من استراتيجيات الحماية كانت تنطلق من افتراض أن المناطق المعتدلة تمتلك هامشًا أكبر من الأمان في مواجهة التغير المناخي مقارنة بالمناطق الاستوائية.

لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذا الهامش قد يكون أضيق بكثير مما كان يُعتقد، وأن خسائر التنوع الحيوي في هذه المناطق بدأت بالفعل في الظهور بشكل واضح.

ويرى الباحثون أن التقديرات الحالية لمخاطر فقدان الأنواع في المناطق المعتدلة قد تكون أقل من الواقع، ما يستدعي تحديث نماذج التنبؤ وإعادة توجيه جهود الحماية نحو الأنواع والمناطق الأكثر تعرضًا للخطر.

رسالة تحذير للمستقبل

تؤكد الدراسة أن الاحترار المناخي الذي شهدته الأرض حتى الآن لا يمثل سوى جزء من التغيرات المتوقعة خلال العقود المقبلة.

وإذا كانت الأنواع في المناطق المعتدلة بدأت بالفعل في فقدان مواقعها الطبيعية تحت تأثير الارتفاعات الحالية في درجات الحرارة، فإن استمرار الاحترار قد يؤدي إلى تسارع هذه الخسائر بصورة أكبر.

ويخلص الباحثون إلى أن مواجهة أزمة التنوع الحيوي تتطلب فهمًا أدق للعلاقة بين المناخ والأنواع الحية، بعيدًا عن الافتراضات التقليدية، لأن المناطق التي كانت تُعد ملاذات آمنة للحياة البرية قد تكون في الواقع من أكثر المناطق تعرضًا للخطر في عصر التغير المناخي.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة