مخلوقات بحرية تعيش أكثر من 5 سنوات بلا غذاء.. كائنات أعماق البحار تتحدى الجوع
من البكتيريا إلى الجينات.. أسرار بقاء مخلوقات الأعماق دون غذاء
كشفت دراسة علمية حديثة عن آلية بيولوجية مذهلة تمكّن كائنات أعماق البحار من البقاء على قيد الحياة لأكثر من خمس سنوات دون طعام، في بيئة تُعد من أقسى البيئات على كوكب الأرض.
وتعيش هذه الكائنات، المعروفة باسم متساويات الأرجل البحرية، في أعماق مظلمة وباردة حيث يقل الغذاء بشكل حاد، ولا يصل إليها سوى كميات ضئيلة من المواد العضوية الميتة التي تسقط من السطح مثل “ثلوج بحرية” نادرة.
وتركّزت الدراسة على نوعين رئيسيين هما Bathynomus doederleini وBathynomus jamesi، وهما من القشريات التي تعيش في قاع المحيطات وتتميّز بأجسام مسطحة ومجزأة وهيكل خارجي صلب.
وأوضح الباحثون أن هذه الكائنات تعتمد على استراتيجية بقاء قائمة على “زيادة المدخرات وتقليل الاستهلاك”، حيث تمتلك معدلات أيض منخفضة للغاية، ما يقلل من استهلاك الطاقة إلى الحد الأدنى.
كما تمتلك معدة ضخمة تشغل نحو ثلثي تجويف الجسم في الأنواع التي تعيش في أعماق أكبر، ما يسمح لها بتخزين كميات كبيرة من الغذاء عند توفره، واستخدامه تدريجيًا على مدى سنوات.
ويشبه العلماء هذه المعدة بـ”مستودع غذائي” يطلق الطاقة ببطء، بينما يعمل الجسم في وضع يشبه “الاستعداد”، مع هضم بطيء وكفاءة عالية في استخدام المغذيات.

وكشفت الدراسة أيضًا عن دور مهم للبكتيريا في دعم هذه الكائنات، حيث وُجد أن بكتيريا من نوع Chlamydiae تسهم في تخزين الدهون، ما يمنح الكائنات مصدرًا إضافيًا للطاقة على المدى الطويل.
الأكثر إثارة هو اكتشاف جين يُعرف باسم ND1 gene، يُعتقد أنه انتقل إلى هذه الكائنات من بكتيريا تعايشت معها في الماضي، في عملية تُعرف باسم Horizontal gene transfer.
ويعمل هذا الجين كـ”مفتاح” للتحكم في استهلاك الطاقة، حيث يساعد على زيادة النشاط الأيضي في الظروف العادية، لكنه يقلل استهلاك الطاقة في البيئات الباردة، ما يعزز القدرة على تحمل الجوع لفترات طويلة.
ولصعوبة دراسة هذه الكائنات في بيئتها الطبيعية، اختبر العلماء هذا الجين في كائنات أخرى مثل الأسماك والديدان وخلايا بشرية، ووجدوا أنه يساعد على التكيف مع نقص الغذاء خاصة في درجات الحرارة المنخفضة.
ويرى الباحثون أن هذه التكيفات تمثل نموذجًا فريدًا لكيفية تطور الكائنات الحية في البيئات القاسية، وقد تفتح آفاقًا جديدة في مجالات الطب والروبوتات والحفاظ على البيئة.
كما تسهم هذه النتائج في فهم قدرة الكائنات على التكيف مع ندرة الغذاء، وهو أمر يكتسب أهمية متزايدة في ظل التغيرات المناخية واضطرابات السلاسل الغذائية العالمية.





