ارتفاع حرارة المدن يقلل النشاط البدني ويهدد الصحة العامة
الحرارة الحضرية تدفع السكان بعيدًا عن الشوارع والحدائق.. موجات الحر تغيّر سلوك سكان المدن
كشفت دراسة علمية جديدة أن ارتفاع درجات الحرارة في المدن لا يقتصر تأثيره على الصحة العامة واستهلاك الطاقة، بل يمتد إلى تغيير سلوك السكان ودفعهم تدريجيًا بعيدًا عن المساحات العامة والأنشطة الخارجية، في وقت تؤكد فيه النتائج أن زيادة المساحات الخضراء والحدائق الحضرية قد تمثل أحد أهم الحلول لاستعادة الحياة في الشوارع والأماكن المفتوحة.
واعتمدت الدراسة، التي نشرت في دورية Frontiers in Public Health، على تحليل أكثر من 20 ألف مسار للجري تم تسجيلها عبر تطبيق رياضي شهير في مدينة فوتشو الصينية، بهدف فهم العلاقة بين درجات الحرارة الحضرية والبيئة العمرانية ومستويات النشاط البدني في الهواء الطلق.
المدن الأكثر حرارة تفقد روادها
أوضح الباحثون أن التخطيط الحضري التقليدي غالبًا ما يقيس المساحات الخضراء من منظور علوي يعتمد على مساحة الحدائق أو نسبة الغطاء النباتي، إلا أن هذا النهج لا يعكس بالضرورة الطريقة التي يتفاعل بها السكان مع البيئة المحيطة بهم على مستوى الشارع.
وأظهرت النتائج أن العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد أماكن ممارسة السكان للأنشطة الرياضية كان مستوى الإجهاد الحراري الحضري، حيث انخفضت معدلات الجري والنشاط البدني بشكل واضح في المناطق التي سجلت درجات حرارة سطحية مرتفعة.
وأشار الباحثون إلى أن ارتفاع حرارة الأسطح الإسفلتية والمباني يقلل جاذبية الأماكن العامة ويجعل ممارسة الأنشطة الخارجية أكثر صعوبة، خاصة خلال فترات الصيف الحارة التي تزداد طولًا وشدة نتيجة التغير المناخي.
المساحات الخضراء المرئية أكثر أهمية

وكشفت الدراسة عن نتيجة لافتة تتمثل في أن وجود الأشجار والنباتات المرئية على مستوى الشارع كان أكثر تأثيرًا في جذب السكان من مجرد وجود حدائق كبيرة في المنطقة.
فالمناطق التي يتمكن فيها الأشخاص من رؤية الأشجار والمساحات الخضراء أثناء الحركة سجلت معدلات أعلى من ممارسة الجري والأنشطة الرياضية مقارنة بالمناطق التي تفتقر إلى الغطاء النباتي المرئي.
كما تبين أن الشوارع المفتوحة ذات السماء الظاهرة والمباني الأقل كثافة كانت أكثر جذبًا للأنشطة الخارجية من المناطق المحصورة بين الأبراج المرتفعة والكتل العمرانية المكتظة.
ويرى الباحثون أن الشعور البصري بالانفتاح والاتصال بالطبيعة يلعب دورًا نفسيًا مهمًا في تشجيع السكان على الخروج وممارسة الرياضة.
الأنهار والبحيرات توفر ملاذًا من الحرارة
وأكدت الدراسة أن القرب من المسطحات المائية مثل الأنهار والبحيرات والقنوات المائية كان من العوامل الرئيسية التي رفعت معدلات ممارسة النشاط البدني.
وتساعد هذه المساحات الزرقاء، إلى جانب المناطق الخضراء، في خفض درجات الحرارة المحلية وتحسين الراحة الحرارية، ما يجعلها وجهات مفضلة للرياضة والترفيه.
وأوضح الباحثون أن دمج العناصر المائية والخضراء في التخطيط الحضري يمكن أن يعزز قدرة المدن على مواجهة موجات الحر المتزايدة، وفي الوقت نفسه يحسن جودة الحياة والصحة العامة.
أحياء مكتظة تفتقر إلى الطبيعة
ومن النتائج المهمة التي توصلت إليها الدراسة أن بعض المناطق التي شهدت معدلات مرتفعة من الجري كانت في الواقع أبعد عن المساحات الخضراء المباشرة.
ويفسر الباحثون هذه الظاهرة بأن سكان الأحياء المكتظة والفقيرة بالغطاء النباتي يضطرون إلى قطع مسافات أطول للوصول إلى الحدائق أو الواجهات المائية المناسبة لممارسة الرياضة.
ويكشف هذا الأمر عن فجوة بيئية واضحة، حيث تعاني بعض المناطق الأكثر احتياجًا للمساحات المفتوحة من نقص شديد في الأشجار والحدائق، ما يحد من فرص السكان في ممارسة النشاط البدني بشكل منتظم.
التغير المناخي يضاعف التحديات

تأتي هذه النتائج في وقت تشهد فيه المدن حول العالم ارتفاعًا متسارعًا في درجات الحرارة نتيجة ظاهرة “الجزر الحرارية الحضرية”، حيث تحتفظ المباني والطرق الخرسانية بالحرارة لفترات طويلة مقارنة بالمناطق الريفية المحيطة.
ومع تزايد موجات الحر العالمية، يحذر العلماء من أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي إلى تراجع استخدام المساحات العامة، وزيادة معدلات الخمول البدني، وارتفاع المخاطر الصحية المرتبطة بأمراض القلب والسمنة والاضطرابات النفسية.
حلول عملية لمدن أكثر برودة
واقترحت الدراسة مجموعة من الإجراءات التي يمكن أن تساعد المدن على التكيف مع المناخ الأكثر حرارة، من بينها:
– زراعة المزيد من الأشجار على جانبي الطرق.
– إنشاء ممرات مظللة للمشاة والعدائين.
– تطوير حدائق صغيرة داخل الأحياء السكنية المكتظة.
– توسيع المساحات الخضراء العمودية فوق الجدران والأسطح.
– تعزيز الاستفادة من الواجهات المائية والأنهار داخل المدن.
– دمج استراتيجيات التبريد الطبيعي في التصميم العمراني الجديد.
مستقبل المدن في عصر الاحترار العالمي
وأكد الباحثون أن المشكلة لم تعد تقتصر على تأثير الحرارة في صحة الإنسان فقط، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بطريقة استخدام السكان للمدن والمساحات العامة.
وأشاروا إلى أن التخطيط الحضري في المستقبل يجب أن يركز على جعل الطبيعة جزءًا مرئيًا ومتاحًا من الحياة اليومية، وليس مجرد مساحات خضراء معزولة على خرائط المدن.
وخلصت الدراسة إلى أن توفير الظل، وخفض درجات الحرارة، وزيادة المساحات الخضراء القريبة من السكان قد يمثل أحد أكثر الاستثمارات فعالية لتحسين الصحة العامة وتعزيز النشاط البدني والحفاظ على حيوية المدن في مواجهة التغير المناخي المتسارع.





