أهم الموضوعاتالتنوع البيولوجيتغير المناخ

من الفضاء إلى الأنهار.. علماء يخططون لمراقبة كل نهر على الأرض بالأقمار الصناعية

ثورة في علوم المياه.. مشروع عالمي لرصد صحة الأنهار وجودة المياه من المدار

في خطوة قد تمثل تحولًا جذريًا في علوم المياه وإدارة الموارد الطبيعية، دعا فريق دولي من الباحثين إلى إنشاء نظام عالمي يعتمد على الأقمار الصناعية لمراقبة جميع أنهار العالم بشكل مستمر، بهدف تتبع جودة المياه وصحة النظم البيئية النهرية ورصد التغيرات البيئية قبل تحولها إلى أزمات تهدد الإنسان والطبيعة.

ويؤكد الباحثون أن التطور السريع في تقنيات الاستشعار عن بُعد وتحليل البيانات الفضائية أوصل العلم إلى مرحلة أصبح فيها من الممكن مراقبة الأنهار على نطاق عالمي، بما في ذلك المجاري المائية الصغيرة والنائية التي يصعب الوصول إليها بالوسائل التقليدية.

وقادت الدراسة الباحثة دونغمي فينغ، أستاذة الهندسة البيئية بجامعة سينسيناتي الأمريكية، بالتعاون مع الباحث شياو يانغ من جامعة ساوثرن ميثوديست وعدد من خبراء الهيدرولوجيا من مختلف أنحاء العالم، حيث نشرت نتائجها في مجلة Nature Water المتخصصة في علوم المياه.

تلوث الأنهار

الأنهار شريان الحياة على الكوكب

تلعب الأنهار دورًا محوريًا في استدامة الحياة على الأرض، إذ تربط بين المحيطات والغلاف الجوي واليابسة، كما تمثل المصدر الأساسي للمياه العذبة لمليارات البشر حول العالم.

ورغم هذه الأهمية، لا تزال مساحات واسعة من الأنهار العالمية خارج نطاق المراقبة المنتظمة بسبب بعدها الجغرافي أو صعوبة الوصول إليها، الأمر الذي يحد من قدرة العلماء على فهم التغيرات التي تطرأ عليها وتأثيراتها البيئية والاقتصادية.

وتشير الدراسة إلى أن الأنهار ليست مجرد مجارٍ مائية منفصلة، بل تمثل نظامًا مترابطًا على مستوى الكوكب، حيث تنتقل الرواسب والمواد الغذائية والملوثات من المناطق الداخلية إلى المصبات البحرية والمحيطات، مؤثرة في النظم البيئية المائية على نطاق واسع.

مشروع عالمي لرصد صحة الأنهار وجودة المياه
مشروع عالمي لرصد صحة الأنهار وجودة المياه

 لماذا يصعب مراقبة الأنهار؟

على الرغم من أن الأنهار تبدو من الظواهر الطبيعية السهلة للرصد، فإن الواقع أكثر تعقيدًا. فالكثير من المجاري المائية، خصوصًا الجداول الصغيرة، قد تجف لفترات طويلة أو تتغير مساراتها وأحجامها تبعًا للظروف المناخية.

كما أن بعض الأنهار تقع في مناطق نائية أو وعرة يصعب الوصول إليها ميدانيًا، ما يجعل عمليات جمع العينات وتحليلها عملية مكلفة ومحدودة النطاق.

ولهذا السبب تعتمد معظم برامج المراقبة الحالية على عدد محدود من المحطات الأرضية، التي تركز غالبًا على الأنهار الكبرى القريبة من التجمعات السكانية، بينما تبقى آلاف الأنهار الأخرى دون متابعة منتظمة.

كيف تراقب الأقمار الصناعية جودة المياه؟

تعتمد التقنية الجديدة على تحليل الضوء المنعكس من سطح المياه. فكل مادة موجودة في النهر، سواء كانت مغذيات أو رواسب أو ملوثات أو طحالب، تؤثر بطريقة مختلفة في امتصاص الضوء وانعكاسه.

وتستطيع الأقمار الصناعية الحديثة التقاط هذه الاختلافات الطيفية بدقة متزايدة، ثم تُستخدم نماذج حاسوبية متطورة لتحويل البيانات الفضائية إلى مؤشرات علمية حول جودة المياه ومستويات التلوث والتغيرات البيئية.

ويوفر هذا النهج إمكانية متابعة الأنهار بصورة مستمرة وعلى نطاق عالمي، وهو أمر يصعب تحقيقه باستخدام أساليب الرصد الميداني التقليدية.

مشروع عالمي لرصد صحة الأنهار وجودة المياه
مشروع عالمي لرصد صحة الأنهار وجودة المياه

أهمية خاصة لمواجهة ازدهار الطحالب

من أبرز التطبيقات التي يراهن عليها العلماء استخدام المراقبة الفضائية لرصد ظاهرة ازدهار الطحالب الضارة، التي أصبحت تمثل تحديًا متزايدًا للأنظمة المائية حول العالم.

وتحدث هذه الظاهرة عندما تتراكم كميات كبيرة من العناصر الغذائية، خاصة النيتروجين والفوسفور، القادمة من الأسمدة الزراعية أو مياه الصرف أو الأنشطة البشرية المختلفة.

ويؤدي ذلك إلى نمو الطحالب بصورة مفرطة تغطي سطح المياه وتحجب أشعة الشمس عن النباتات المائية، ثم تستهلك البكتيريا كميات كبيرة من الأكسجين أثناء تحللها، ما يؤدي إلى تكوين ما يعرف بـ«المناطق الميتة» التي تعجز فيها الكائنات المائية عن البقاء.

تلوث الأنهار

 مخاطر صحية واقتصادية

لا تقتصر آثار ازدهار الطحالب على البيئة فقط، بل تمتد إلى صحة الإنسان والاقتصاد. فبعض أنواع الطحالب والبكتيريا الزرقاء تنتج سمومًا قد تسبب التهابات جلدية واضطرابات هضمية وأضرارًا للكبد والجهاز العصبي.

كما قد تضطر محطات تنقية المياه إلى إيقاف عملها مؤقتًا أو تطبيق إجراءات معالجة مكلفة ومعقدة لإزالة هذه السموم، وهو ما يرفع تكاليف توفير المياه الصالحة للشرب.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 40% من الأنهار في الولايات المتحدة تعاني بالفعل من مشكلات مرتبطة بزيادة المغذيات والتلوث الغذائي، بينما تواجه مناطق عديدة حول العالم تحديات مشابهة.

إنذار مبكر لحماية الموارد المائية

تسعى الباحثة دونغمي فينغ إلى تحليل نحو 50 عامًا من البيانات العالمية الخاصة بالأنهار لفهم حركة المغذيات والملوثات داخل الأنظمة النهرية المختلفة.

ويأمل العلماء أن يقود هذا العمل إلى تطوير أنظمة إنذار مبكر قادرة على تنبيه الجهات المسؤولة عن إدارة المياه قبل حدوث ازدهار الطحالب أو تدهور جودة المياه، ما يمنحها الوقت الكافي لاتخاذ إجراءات وقائية فعالة.

مشروع عالمي لرصد صحة الأنهار وجودة المياه

نحو علم جديد للأنهار العالمية

يرى الباحثون أن الجمع بين الاستشعار عن بُعد والنمذجة الهيدرولوجية يفتح الباب أمام نشوء مجال علمي جديد يركز على دراسة الأنهار باعتبارها شبكة عالمية مترابطة، وليس فقط أنظمة محلية منفصلة.

ومع التطور المتسارع للأقمار الصناعية وتقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، يعتقد العلماء أن حلم مراقبة جميع أنهار الأرض بصورة شبه لحظية أصبح أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى.

ويؤكد الباحثون أن فهم ما يحدث في الأنهار كافة، بما في ذلك الأنهار النائية والصغيرة التي لا تحظى بالاهتمام الكافي، أصبح ضرورة ملحة في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بتغير المناخ والتلوث والضغط المتنامي على الموارد المائية العالمية.

فالأنهار لم تكن مجرد مجارٍ مائية عبر التاريخ، بل كانت أساس نشأة الحضارات والمدن الكبرى، ومفتاح استدامة الحياة على الكوكب، وهو ما يجعل مراقبتها وحمايتها مسؤولية عالمية لا يمكن تأجيلها.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading