أخبارالتنوع البيولوجي

لماذا لا تستطيع الفيلة القفز؟.. العلماء يكشفون السر وراء بقاء أقدامها على الأرض

ليس الوزن وحده السبب.. لماذا لا يستطيع الفيل القفز مثل وحيد القرن؟

تُعد الفيلة من أضخم الحيوانات البرية على كوكب الأرض، إذ يمكن أن يصل وزن بعضها إلى نحو 6 أطنان، ومع ذلك هناك سمة حركية تميزها عن معظم الحيوانات الكبيرة الأخرى: الفيل لا يقفز، ولا ترتفع أقدامه الأربع عن الأرض في الوقت نفسه.

وقد تبدو الإجابة للوهلة الأولى بسيطة: «الفيل ثقيل جدًا»، لكن العلماء يرون أن الكتلة ليست العامل الوحيد.

فهناك اختلافات واضحة في تشريح الأطراف والمفاصل والعضلات والأوتار تجعل جسم الفيل مناسبًا لتحمل الوزن والسير لمسافات طويلة، وليس للقفز في الهواء.

لماذا لا يقفز الفيل؟

الفيلة
الفيلة

رغم أن عدم قدرة الفيلة على القفز ملاحظة قديمة، فإن السؤال العلمي حول السبب الدقيق وراء ذلك لم يحظَ بدراسة مستقلة شاملة حتى وقت قريب.

ويرى جون هاتشينسون، أستاذ الميكانيكا الحيوية التطورية في الكلية الملكية للطب البيطري في لندن، أن تفسير هذه الظاهرة يعتمد أساسًا على ما يعرفه العلماء عن تشريح الفيل وقوانين الفيزياء، وليس على تجربة واحدة حسمت المسألة بصورة نهائية.

ويزن الفيل البالغ عادة بين نحو 2.5 و6 أطنان، وفقًا للنوع والجنس، ما يضع جسمه أمام تحديات ميكانيكية كبيرة إذا حاول دفع نفسه بعيدًا عن سطح الأرض.

فالقفز يتطلب توليد قوة كبيرة جدًا خلال فترة قصيرة للتغلب على الجاذبية ورفع كتلة الجسم بالكامل عن الأرض. ويبدو أن الجهاز العضلي والهيكلي للفيل لم يتطور لأداء هذه المهمة.

الوزن ليس السبب الوحيد

لو كان الوزن وحده هو السبب في عدم قدرة الحيوانات على القفز، لكانت جميع الحيوانات البرية العملاقة عاجزة عن مغادرة الأرض أثناء الحركة.

لكن هذا ليس صحيحًا؛ إذ تستطيع حيوانات ضخمة مثل وحيد القرن الوصول إلى مرحلة تكون فيها أقدامها الأربع غير ملامسة للأرض أثناء الجري، كما يمكن للخيول وأفراس النهر أن تمر بمرحلة هوائية خلال بعض أنماط الحركة السريعة، وهنا تظهر أهمية تشريح الأطراف.

يتطلب القفز عادة مجموعة من الخصائص الميكانيكية، من بينها مفاصل أكثر مرونة، وعضلات قوية في الجزء السفلي من الأطراف، وأوتار قادرة على تخزين الطاقة وإطلاقها بسرعة.

وتظهر هذه الصفات بوضوح في حيوانات مثل الكنغر، الذي يعتمد على أوتار أطرافه الخلفية لتخزين الطاقة وإطلاقها أثناء القفز، أما الفيلة فتملك تصميمًا مختلفًا تمامًا.

الفيلة
الفيلة

أرجل الفيل أشبه بالأعمدة

تعمل أرجل الفيل بصورة أقرب إلى الأعمدة الداعمة لكتلة ضخمة؛ إذ تصطف العظام بشكل شبه رأسي أسفل الجسم، بما يوفر قدرًا كبيرًا من الثبات والقدرة على تحمل الوزن.

كما أن مفاصل الكاحل ليست شديدة المرونة، بينما تبدو عضلات الجزء السفلي من الساق أقل ملاءمة لإنتاج الدفع الانفجاري المطلوب للقفز.

أما أوتار الفيل فهي قصيرة وسميكة نسبيًا، وهو تركيب مناسب لتحمل الأحمال الكبيرة بصورة مستمرة، لكنه أقل ملاءمة لتخزين الطاقة وإطلاقها بسرعة كما يحدث في الحيوانات المتخصصة في القفز.

وبعبارة أخرى، صُمم جسم الفيل ــ من الناحية التطورية ــ لكي يحمل أطنانًا ويتحرك بثبات، وليس لكي يحول هذه الكتلة إلى قفزة في الهواء.

الفيل «يركض» لكنه لا يترك الأرض

تزداد المفارقة إثارة عندما يصل الفيل إلى سرعته القصوى، فقد أظهرت دراسات استخدمت التصوير عالي السرعة أن الفيلة تستطيع الوصول إلى سرعة تقارب 25 كيلومترًا في الساعة، لكنها لا تمر بمرحلة تكون فيها أقدامها الأربع جميعًا خارج الأرض.

ومن الناحية الميكانيكية الدقيقة، فإن الجري بالمعنى التقليدي يتضمن مرحلة هوائية ترتفع فيها جميع الأطراف عن الأرض في الوقت نفسه.

لذلك، يرى علماء الميكانيكا الحيوية أن طريقة حركة الفيل السريعة تقع في منطقة وسطى بين المشي والجري التقليدي.

وقد وُصفت هذه الحركة أحيانًا بأنها تشبه مشية «جروتشو»، نسبة إلى مشية الممثل الكوميدي الأمريكي غروتشو ماركس، بسبب انثناء الأطراف وحركة الجسم التي تبدو أشبه بالقفز المنخفض دون أن يترك الحيوان الأرض بالفعل.

وتختلف الأطراف الأمامية والخلفية في طريقة تعاملها مع الحركة؛ إذ تظهر الأطراف الخلفية قدرًا أكبر من السلوك المرن، لكن الجسم لا يصل إلى مرحلة الانفصال الكامل عن سطح الأرض.

الفيلة
الفيلة

لماذا لم تطور الفيلة القدرة على القفز؟

لا يعني غياب القدرة على القفز أن التطور «فشل» في منح الفيل هذه الخاصية.

فالانتخاب الطبيعي لا يعمل على منح الحيوانات أكبر عدد ممكن من القدرات، وإنما يدعم الصفات التي تساعد الكائن على البقاء والتكاثر في بيئته.

ويحتاج القفز لدى العديد من الحيوانات إلى الهروب السريع من المفترسات أو مطاردة الفرائس. لكن الفيلة البالغة لا تعتمد على القفز لأداء هذه الوظائف.

في المقابل، كان على أسلاف الفيلة التعامل مع تحديات مختلفة تمامًا، من بينها حمل أجسام ضخمة، والوقوف لفترات طويلة، وقطع مسافات كبيرة بحثًا عن الغذاء والماء.

لذلك، كان من الأكثر أهمية تطوريًا أن تكون الأطراف قوية ومستقرة وقادرة على تحمل الوزن، بدلًا من امتلاك قدرة عالية على القفز.

خرطوم الفيل يلغي الحاجة إلى القفز

الفيلة

يقدم جسم الفيل نفسه مثالًا آخر على كيفية تكيف الحيوان مع احتياجاته.

فخرطوم الفيل يسمح له بالوصول إلى الأغصان والأوراق ومصادر الغذاء المرتفعة نسبيًا، ما يقلل الحاجة إلى رفع الجسم أو القفز للوصول إلى الغذاء.

وبذلك، فإن عدم قدرة الفيل على القفز لا يمثل عيبًا بالمعنى التطوري، وإنما نتيجة طبيعية لتصميم جسدي تطور لأداء وظائف أخرى بكفاءة عالية.

الحركة على الأرض أكثر أهمية من القفز

رغم أن الفيل لا يستطيع القفز، فإن طريقته في الحركة مناسبة تمامًا لطبيعة حياته.

فالفيلة تحتاج إلى قطع مسافات طويلة يوميًا بحثًا عن الماء والغذاء، والحركة المستقرة التي تبقي إحدى الأقدام على الأقل ملامسة للأرض تمنحها قدرة كبيرة على التحكم في جسمها الضخم.

الفيلة

إن امتلاك جسم يزن عدة أطنان يجعل الهبوط بعد قفزة أمرًا بالغ الصعوبة أيضًا؛ إذ يمكن لقوى الصدمة الناتجة عن ملامسة الأرض أن تضع ضغطًا كبيرًا على المفاصل والعظام.

ومن ثم، فإن عدم القفز قد يكون متوافقًا تمامًا مع التصميم الميكانيكي الذي يجعل الفيل قادرًا على حمل وزنه الهائل والتحرك به بكفاءة.

وفي النهاية، لا يوجد «زر» واحد يمنع الفيل من القفز؛ فالظاهرة نتاج تفاعل بين الكتلة الهائلة، وتشريح الأطراف، وقوة العضلات، ومرونة المفاصل، وطبيعة الأوتار، ومسار التطور الذي جعل الفيل متخصصًا في الثبات والتحمل والحركة لمسافات طويلة.

وربما تكون المفارقة الأجمل أن الحيوان الذي لا يستطيع القفز هو نفسه أحد أكثر الكائنات البرية قدرة على اجتياز مسافات طويلة، وتحمل أوزان ضخمة، والتكيف مع بيئته دون الحاجة إلى مغادرة الأرض ولو للحظة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة