أخبارالاقتصاد الأخضرالتنوع البيولوجي

أول خريطة عالمية كاملة لأعشاب البحر تكشف خسائر مقلقة وفرصًا واعدة للحفاظ على النظم الساحلية

أعشاب البحر تخزن كربونًا يعادل انبعاثات 500 مليون سيارة سنويًا.. وخريطة جديدة تكشف حجمها

كشف فريق دولي من الباحثين عن أول خريطة عالمية عالية الدقة لأعشاب البحر، في إنجاز علمي غير مسبوق يسلط الضوء على أحد أكثر النظم البيئية البحرية أهمية وأقلها دراسة، ويقدم للمرة الأولى صورة شاملة عن توزيع هذه النباتات البحرية الحيوية ومعدلات تراجعها واستعادتها حول العالم.

وأظهرت الدراسة، التي قادها مركز الاكتشاف العالمي وعلوم الحفظ بجامعة ولاية أريزونا الأمريكية ونُشرت في دورية Nature، أن أعشاب البحر تتراجع بمعدل يقارب 1% سنويًا، فيما فقد العالم نحو 4% من مساحاتها خلال الفترة بين عامي 2019 و2024، نتيجة الضغوط البشرية والتغيرات المناخية المتزايدة.

غابات مطيرة تحت الماء

أعشاب البحر
أعشاب البحر

رغم أن أعشاب البحر لا تحظى بالاهتمام الذي تحظى به الشعاب المرجانية أو غابات المانجروف، فإن العلماء يؤكدون أنها تمثل أحد أهم النظم البيئية البحرية على الإطلاق.

وتختلف أعشاب البحر عن الطحالب البحرية، إذ إنها نباتات حقيقية تمتلك أوراقًا وجذورًا وأزهارًا وبذورًا، وتؤدي أدوارًا بيئية بالغة الأهمية، تشمل تثبيت الرواسب البحرية وحماية السواحل من التآكل، وتنقية المياه من الملوثات، وتوفير الغذاء والمأوى لمئات الأنواع من الكائنات البحرية.

ويصف الباحثون هذه البيئات بأنها «الغابات المطيرة للمحيطات» نظرًا لدورها المحوري في دعم الشبكات الغذائية البحرية وتعزيز التنوع البيولوجي في المناطق الساحلية.

مخزن ضخم للكربون

أحد أبرز نتائج الدراسة تمثل في تقدير حجم الكربون المخزن داخل أنظمة أعشاب البحر عالميًا.

وبالاستناد إلى بيانات الخريطة الجديدة وقياسات سابقة للرواسب البحرية، قدّر العلماء أن هذه النظم البيئية تختزن نحو 640 تيراجرامًا من الكربون، وهو ما يعادل تقريبًا انبعاثات ثاني أكسيد الكربون السنوية لنحو 500 مليون سيارة.

وتكمن أهمية أعشاب البحر في قدرتها على احتجاز الكربون لفترات طويلة داخل الرواسب البحرية، ما يجعلها أحد أهم حلول الطبيعة لمواجهة التغير المناخي وخفض تركيزات غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي.

الأعشاب البحرية

الذكاء الاصطناعي يرسم الخريطة

لإنتاج أول خريطة عالمية شاملة، طور الباحثون نموذجًا متقدمًا للذكاء الاصطناعي قادرًا على التعرف على أعشاب البحر في صور الأقمار الصناعية.

واعتمد المشروع على آلاف البيانات الميدانية التي جمعها غواصون وباحثون من مختلف أنحاء العالم للتحقق من وجود أعشاب البحر وتمييزها عن الشعاب المرجانية والرمال والصخور والطحالب.

وبعد تدريب النموذج، جرى تحليل ملايين الصور الفضائية باستخدام حواسيب فائقة الأداء، ما أتاح إنتاج خريطة دقيقة قادرة على رصد مناطق الأعشاب البحرية حتى عمق 30 مترًا تحت سطح الماء.

ويستطيع النظام أيضًا التمييز بين المناطق ذات الكثافة العالية والمنخفضة من الغطاء النباتي البحري، ما يوفر أداة غير مسبوقة لمراقبة التغيرات البيئية على نطاق عالمي.

الغطاء النباتي البحري
الغطاء النباتي البحري

خمس دول تحتضن معظم الأعشاب البحرية

كشفت الدراسة أن نحو 70% من إجمالي أعشاب البحر في العالم تتركز قبالة سواحل خمس دول فقط هي:

  • الولايات المتحدة الأمريكية
  • جزر البهاما
  • كوبا
  • أستراليا
  • إندونيسيا

ويشير هذا التركز الجغرافي إلى أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الدول في حماية جزء كبير من الموارد البحرية العالمية المرتبطة بأعشاب البحر.

أسباب التراجع

أرجع الباحثون الجزء الأكبر من خسائر أعشاب البحر إلى الأنشطة البشرية، وعلى رأسها التوسع العمراني الساحلي والتلوث الناتج عن الأنشطة الزراعية والصناعية.

ورصدت الدراسة حالات واضحة من التدهور في مناطق عدة، من بينها السواحل الصينية التي شهدت ضغوطًا تنموية متزايدة، إضافة إلى مناطق في ولاية فلوريدا الأمريكية تأثرت بتدفقات الأسمدة والمغذيات الزراعية.

كما لعبت الظواهر المناخية المتطرفة دورًا إضافيًا في تراجع هذه النظم البيئية، بما في ذلك الأعاصير البحرية وموجات الحر الشديدة التي تضرب المحيطات.

موجات الحر الشديدة التي تضرب المحيطات

المناطق البحرية المحمية تصنع الفارق

أحد أكثر النتائج لفتًا للانتباه كان ارتباط الحماية القانونية بتحسين فرص بقاء أعشاب البحر.

فقد أظهرت البيانات أن نحو 21% فقط من أعشاب البحر العالمية تقع داخل المناطق البحرية المحمية، بينما حدث ما يقرب من 80% من إجمالي الخسائر خارج تلك المناطق.

وتشير هذه النتائج إلى أن توسيع نطاق الحماية البحرية قد يمثل أحد أكثر الإجراءات فعالية للحفاظ على هذه النظم البيئية الحيوية.

قصص نجاح تبعث الأمل

رغم الصورة المقلقة، كشفت الدراسة عن نماذج ناجحة لاستعادة أعشاب البحر.

ففي منطقة ساوث باي بالقرب من لوس أنجلوس الأمريكية، سجل الباحثون توسعًا ملحوظًا في المساحات المغطاة بأعشاب البحر بفضل برامج الاستعادة البيئية وإعادة التأهيل.

كما شهدت بعض المناطق الساحلية في كوبا تحسنًا ملحوظًا نتيجة زيادة صفاء المياه وتحسن الظروف البيئية.

وتؤكد هذه النتائج أن استعادة أعشاب البحر ليست مهمة مستحيلة، بل يمكن تحقيقها خلال فترات زمنية قصيرة نسبيًا مقارنة بالشعاب المرجانية التي تحتاج إلى عقود للتعافي.

أعشاب البحر
أعشاب البحر

أداة جديدة لحماية المناخ والتنوع البيولوجي

يرى العلماء أن الخريطة العالمية الجديدة تمثل نقطة تحول في إدارة النظم البيئية الساحلية، إذ ستساعد الحكومات والمنظمات البيئية على تحديد المناطق الأكثر أهمية للحماية والاستعادة، ودعم أسواق الكربون الأزرق، وتعزيز الجهود الرامية إلى تحقيق أهداف اتفاقية التنوع البيولوجي العالمية.

كما توفر هذه البيانات أساسًا علميًا لتوسيع المناطق البحرية المحمية وتوجيه الاستثمارات نحو المواقع التي يمكن أن تحقق أكبر عائد بيئي ومناخي.

ويؤكد الباحثون أن تحويل أعشاب البحر من نظام بيئي غير مرئي تقريبًا إلى مورد عالمي يمكن مراقبته بدقة سيفتح مرحلة جديدة من العمل المناخي وحماية السواحل، في وقت تتزايد فيه التهديدات التي تواجه النظم البحرية حول العالم.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة