لماذا تنقرض الكائنات؟ علماء يحددون العامل الحاسم في أسوأ الكوارث البيئية
علماء: فشل الكائنات في مواكبة التغير البيئي وراء أعظم الانقراضات الجماعية
توصلت دراسة علمية حديثة إلى أن جميع أحداث الانقراض الجماعي التي شهدها كوكب الأرض عبر مئات الملايين من السنين تشترك في عامل واحد أساسي، يتمثل في حدوث تغيرات بيئية بوتيرة أسرع من قدرة الكائنات الحية على التكيف معها.
ورغم أن هذه الفكرة طُرحت بأشكال مختلفة على مدار عقود، فإنها لم تخضع من قبل لاختبار شامل على مستوى جميع أشكال الحياة الحيوانية وعبر التاريخ الجيولوجي للكوكب.
إلا أن نموذجًا نظريًا جديدًا طوره باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وجامعة ليستر البريطانية نجح في اختبار هذه الفرضية، وأظهر نتائج لافتة تدعمها بقوة.
وأوضحت الدراسة التي تم نشرها في مجلة Physical Review Letters العلمية، أن شدة الانقراضات الجماعية يمكن التنبؤ بها من خلال مقارنة معدل التغير البيئي بمعدل قدرة الكائنات الحية على التكيف والتطور، وكلما اتسعت الفجوة بين المعدلين، ارتفعت معدلات الانقراض بصورة أكبر.
وقاد الدراسة كل من دانيال روثمان، أستاذ الجيوفيزياء والمدير المشارك لمركز لورينز في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وسيرجي بيتروفسكي، أستاذ الرياضيات التطبيقية بجامعة ليستر.
واعتمد الباحثان على تطوير نموذج رياضي يختبر ما يُعرف بـ”فرضية عدم التوافق في المعدلات”، والتي تفترض أن الانقراض يحدث عندما تتجاوز سرعة التغيرات البيئية قدرة الكائنات على التكيف التطوري.
وشملت الدراسة تحليل بيانات جيولوجية وأحفورية تغطي نحو 450 مليون سنة من تاريخ الأرض، ما أتاح اختبار الفرضية عبر نطاق زمني غير مسبوق.
من الكوارث البيئية إلى الانهيار الشامل للحياة

تعود جذور هذه الفكرة إلى القرن الثامن عشر، عندما اقترح عالم الطبيعة الفرنسي جورج كوفييه، الذي يُعد أحد مؤسسي علم الحفريات، أن الأنواع الحية يمكن أن تختفي نهائيًا نتيجة كوارث بيئية واسعة النطاق.
ورغم أن هذا التصور تراجع لاحقًا لصالح نظريات التغير التدريجي البطيء، فإن الجيولوجي الأمريكي نورمان نيويل أعاد إحياء الفكرة في منتصف القرن العشرين بصياغة أكثر دقة، مفادها أن الانقراض يحدث عندما تتغير البيئة بوتيرة أسرع من قدرة الأنواع على التطور والاستجابة.
وقد أثبتت دراسات عديدة صحة هذه الظاهرة على مستوى الأنواع الفردية، لكن السؤال الذي سعى الباحثون للإجابة عنه كان أكثر شمولًا: هل يمكن للآلية نفسها أن تفسر الانقراضات الجماعية التي أطاحت بفروع كاملة من شجرة الحياة على مستوى العالم؟
وقال روثمان: “نعلم أن الأنواع الفردية تنقرض عندما تتجاوز التغيرات البيئية قدرتها على التكيف، لكن لم يكن واضحًا ما إذا كانت القاعدة نفسها تنطبق على أحداث الانقراض العالمية الكبرى”.
كيف بنى العلماء نموذجهم؟
تتمثل إحدى العقبات الرئيسية في استحالة قياس معدلات التكيف التطوري للكائنات الحية بشكل مباشر عبر ملايين السنين. ولذلك طور الباحثون نموذجًا رياضيًا يستند إلى المبادئ الأساسية للتطور.
وأوضحوا أن نجاح التكيف التطوري يتطلب توافر عدة عوامل في الوقت نفسه، من بينها التنوع الوراثي القابل للتوريث، واختلاف فرص البقاء والتكاثر بين الأفراد، وامتلاك الكائنات الأكثر تكيفًا ميزة تنافسية تسمح لها بنقل صفاتها إلى الأجيال التالية.
وعند دمج هذه العوامل رياضيًا، تظهر منحنيات تشبه الجرس، حيث تمتلك معظم المجموعات الحيوانية قدرات تكيف متوسطة، بينما تكون أعداد الكائنات القادرة على التكيف البطيء جدًا أو السريع جدًا أقل بكثير.
اختبار الفرضية عبر 450 مليون سنة
قارن العلماء هذا النموذج بسجلات 27 حدثًا شهد خلالها النظام الكربوني للأرض اضطرابات كبيرة خلال الـ450 مليون سنة الماضية.
كما اعتمدوا على بيانات الانقراض التي جمعها عالم الحفريات جون ألروي لتحديد نسبة المجموعات الحيوانية التي اختفت خلال كل حدث.
وأظهرت النتائج وجود علاقة واضحة بين سرعة التغير البيئي ومعدلات الانقراض. ففي معظم الأحداث الكبرى، كان هناك عدم توافق ملحوظ بين وتيرة التغير البيئي وقدرة الكائنات الحية على التكيف، وكلما زادت هذه الفجوة ارتفعت حدة الانقراضات.
انقراض العصر البرمي.. المثال الأوضح
يُعد الانقراض الذي وقع في نهاية العصر البرمي قبل نحو 252 مليون سنة أسوأ كارثة بيولوجية في تاريخ الأرض، إذ أدى إلى اختفاء أكثر من 80% من الأنواع البحرية.
ووفقًا للنموذج الجديد، فإن السبب الرئيسي كان التحمض السريع للمحيطات نتيجة تغيرات كيميائية واسعة النطاق، وهو تغير فاق قدرة الكائنات البحرية على تطوير آليات فسيولوجية تحميها من الظروف الجديدة.
ويشير الباحثون إلى أن مثل هذه الكوارث تتطلب عاملين متزامنين: تغيرًا بيئيًا سريعًا للغاية، ووجود نسبة كبيرة من الكائنات الحية التي تعجز معدلات تكيفها عن مواكبة هذا التغير.
هل تكيفت الحياة مع إيقاع الأرض؟
من النتائج اللافتة في الدراسة أن نطاق معدلات التكيف لدى الكائنات الحية يبدو متوافقًا بدرجة كبيرة مع نطاق معدلات التغير البيئي الطبيعية التي شهدها الكوكب عبر تاريخه الطويل.
ويرى الباحثون أن هذا التوافق قد لا يكون مجرد مصادفة، بل ربما يعكس عملية تطورية طويلة جعلت الحياة تتكيف مع الإيقاع الطبيعي للتغيرات البيئية التي واجهتها على مدار ملايين السنين.
وقال روثمان: “بدأنا نلاحظ مستوى من التنظيم يشير إلى أن سلوك الحياة يتوافق مع الطريقة التي تتغير بها البيئة. وربما تكون الحياة قد طورت نطاقًا من القدرات التكيفية يتناسب مع الضغوط التي تواجهها عادة”.
لكن هذه الميزة نفسها قد تتحول إلى نقطة ضعف عندما تتجاوز التغيرات البيئية الحدود الطبيعية التي اعتادت الكائنات الحية التعامل معها.
ماذا تعني النتائج لعالم اليوم؟
ورغم أن الباحثين يتجنبون إجراء مقارنات مباشرة بين الماضي السحيق والواقع الحالي، فإنهم يشيرون إلى مؤشرات تستحق الانتباه.
فبحسب الدراسة، ترتفع مستويات ثاني أكسيد الكربون في المحيطات حاليًا بمعدلات، بعد إعادة حسابها وفق المقاييس الجيولوجية، تقترب من معدلات التغير في دورة الكربون التي سبقت بعض أحداث الانقراض الكبرى في الماضي.
ويرى الباحثون أن هذا لا يعني بالضرورة اقتراب انقراض جماعي جديد، لكنه يشير إلى أن العالم قد يقترب من مستويات يصبح عندها التكيف البيولوجي أكثر صعوبة بالنسبة للعديد من الأنواع.
وتسلط النتائج الضوء على أهمية فهم الحدود التي تستطيع الكائنات الحية التكيف ضمنها، خاصة في ظل تسارع التغيرات المناخية والبيئية الناجمة عن النشاط البشري، وما قد تحمله من تداعيات بعيدة المدى على التنوع الحيوي ومستقبل الحياة على كوكب الأرض.





